والمُستَفِيضُ، والمُتَوَاتِرُ
وهي النوعُ الثالثُ والعشرون، والرابعُ والعشرون، والخامسُ والعشرون والسادسُ والعشرون، والسابعُ والعشرون:
١٩٢ - الأَوَّلُ الْمُطْلَقُ فَرْدًا وَالَّذِي … لَهُ طَرِيقَانِ فَقَطْ لَهُ خُذِ
١٩٣ - وَسْمَ الْعَزِيزِ وَالَّذِي رَوَاهُ … ثَلاثَةٌ مَشْهُورُنَا، [رَآهُ
[١٩٢] (الأَوَّلُ) أيِ: الغريبُ (الْمُطْلَقُ فَرْدًا) أيِ: الفردُ المطلقُ، والمعنى: أنَّ الغريبَ هو الفردُ المطلقُ الذي تقدَّم في الأفرادِ: أنَّه ما رواه واحدٌ فقط.
(وَالَّذِي) أيِ: الحديثُ الذي (لَهُ طَرِيقَانِ) أي: راوِيانِ (فَقَطْ) أي: فحسْبُ (لَهُ) أي: لهذا الحديثِ متعلِّقٌ بـ (خُذِ) بكسرِ الذالِ لِلرَّويِّ.
[١٩٣] (وَسْمَ الْعَزِيزِ) أي: علامةَ العزيزِ.
[ ٢٠٨ ]
وحاصلُ المعنى: أنَّ الحديثَ الذي يَرويهِ اثنانِ فقطْ يسمَّى: بالعزيزِ.
ثم قال -﵀-: (وَالَّذِي) أيِ: الحديثُ الذي (رَوَاهُ ثَلاثَةٌ) من الرواةِ (مَشْهُورُنَا) أي: مشهورُ المحدِّثين.
وحاصلُ المعنى: أنَّ المشهورَ عندَنا -أيُّها المحدِّثون- هو … إلخ، وإنَّما خصَّهمُ احتِرازًا منَ المشهورِ عندَ العامَّةِ، كما يأتي: هو الذي يروِيه ثلاثةٌ فأكثَرُ.
(رَآهُ) أي: المشهورَ.
١٩٤ - قَوْمٌ يُسَاوِي الْمُسْتَفِيضَ وَالأَصَحْ … هَذَا بِأَكْثَرَ، وَلَكِنْ مَا وَضَحْ
[١٩٤] (قَوْمٌ) من العلماءِ، بمعنى: ذهبوا إليه، والمعنى: أنَّه ذَهَب جماعةٌ من أئمةِ الفقهاءِ، والأصوليِّين، وبعضِ المحدِّثين إلى أنَّ المشهورَ (يُسَاوِي) في المعنى الحديثَ الذي سُمِّي (الْمُسْتَفِيضَ).
وحاصلُ المعنى: أنَّ المشهورَ هو المستفيضُ على رأيِ جماعةٍ منَ العلماءِ، لكنَّ الأصحَّ: أنَّ بينهما مُغايَرةً، كما ذَكَره بقولِه: (وَالأَصَحْ) من أقوالِ العلماءِ: أنَّ (هَذَا) أيِ: المستفيضَ يكونُ (بِأَكْثَرَ) من ثلاثةٍ، (وَلَكِنْ مَا) نافيةٌ (وَضَحْ) أي: ظهَرَ فيه.
[ ٢٠٩ ]
١٩٥ - حَدُّ تَوَاتُرٍ] وَكُلٌّ يَنْقَسِمْ … لِمَا بِصِحَّةٍ وَضَعْفٍ يَتَّسِمْ
١٩٦ - [وَالْغَالِبُ الضَّعْفُ عَلَى الْغَرِيبِ] … وَقُسِّمَ الْفَرْدُ إِلَى غَرِيبِ
[١٩٥] (حَدُّ تَوَاتُرٍ) يعني: أنَّه لم يوجَدْ فيه حدُّ التَّواتُرِ.
وحاصلُ المعنى: أنَّ الأصحَّ في حدِّ المُستفيضِ هو: ما رواهُ أكثَرُ من ثلاثةٍ ما لم يبلُغْ إلى حدِّ التواتُرِ، على ما يأتي بَيانُه.
(وَكُلٌّ) منَ الأقسامِ المذكورةِ (يَنْقَسِمْ لِمَا) إلى الحديثِ الذي (بِصِحَّةٍ)، والمرادُ: ما يشمَلُ الحسَنَ، (وَضَعْفٍ) بفتحِ الضادِ وضَّمِها (يَتَّسِمْ) أي: يتحلَّى، ويتَّصِفُ.
وحاصلُ المعنى: أنَّ كلًّا منَ الأقسامِ المذكورةِ ينقسِمُ إلى صحيحٍ، وحسَنٍ، وضعيفٍ؛ إذ لا يُنافِي واحدًا منها.
[١٩٦] (وَ) لكنِ (الْغَالِبُ الضَّعْفُ) بالفتحِ والضَّمِّ (عَلَى الْغَرِيبِ) أيِ: النوعِ المسمَّى به، يعني: أنَّ الغريبَ غالبًا يكونُ ضَعيفًا، ويَندُرُ فيه الصِّحَّةُ؛ ولذا كَرِه جَمعٌ من الأئمَّةِ تَتبُّعَ الغرائبِ. (وَقُسِّمَ الْفَرْدُ) أيِ: المُطلقُ الذي هو الغريبُ (إِلَى) قِسمَينِ: (غَرِيبِ) أي:
[ ٢١٠ ]
١٩٧ - فِي مَتْنِهِ وَسَنَدٍ، وَالثَّانِ قَدْ … [وَلا تَرَى غَرِيبَ مَتْنٍ لا سَنَدْ
١٩٨ - وَيُطْلَقُ الْمَشْهُورُ لِلَّذِي اشْتَهَرْ … فِي النَّاسِ مِنْ غَيْرِ شُرُوطٍ تُعْتَبَرْ]
[١٩٧] (فِي مَتْنِهِ وَسَنَدٍ)، كالحديثِ الذي ينفرِدُ بروايةِ متنِه راوٍ واحدٌ فقطْ، (وَ) غريبٌ في (الثَّانِ) أيِ: السندِ (قَدْ) أيْ: فحسْبُ، كأنْ يكونَ المتنُ معروفًا بروايةِ جماعةٍ منَ الصحابةِ؛ فينفرِدُ بها راوٍ من حديثِ صحابيٍّ آخرَ، (وَلا تَرَى) بالتاءِ، أي: لا تعرِفُ أيُّها المحدِّثُ، ولا تجدُ بالبحثِ، وفي نسخةٍ بالنُّونِ والبناءِ للفاعلِ، أي: لا نعرِفُ معاشِرَ المحدِّثين، (غَرِيبَ مَتْنٍ لا سَنَدْ) أي: دونَه، يعني: أنَّه لا يوجَدُ حديثٌ غريبٌ متنًا لا سَندًا.
[١٩٨] (وَيُطْلَقُ الْمَشْهُورُ لِلَّذِي) أي: على الحديثِ الذي (اشْتَهَرْ فِي النَّاسِ) أي: بينَهم (مِنْ غَيْرِ شُرُوطٍ تُعْتَبَرْ) أي: من دونِ أن توجَدَ فيه الشروطُ المعتبَرةُ عند المحدِّثين في المشهورِ المصطلَحِ عليه.
وحاصلُ المعنى: أنَّ اسمَ المشهورِ قد يُطلَقُ على الأحاديثِ التي اشتَهَرت على ألسنةِ الناسِ، سواءٌ كانت صحيحةً، أم ضعيفةً، أم مكذوبةً.
[ ٢١١ ]
١٩٩ - وَمَا رَوَاهُ عَدَدٌ جَمٌّ يَجِبْ … إِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْكَذِبْ
٢٠٠ - فَالمُتَوَاتِرُ، [وَقَوْمُ حَدَّدُوا … بِعَشْرَةٍ، وَهْوَ لَدَيَّ أَجْوَدُ
٢٠١ - وَالْقَوْلُ بِاثْنَيْ عَشَرَ اْوْ عِشْرِينَا … يُحْكَى وَأَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَا
[١٩٩] (وَمَا) أيِ: الحديثُ الذي (رَوَاهُ عَدَدٌ) أي: جماعةٌ منَ الناسِ (جَمٌّ) بفتحِ الجيمِ وتشديدِ الميمِ، أي: كثيرٌ (يَجِبْ) عادةً (إِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ) وتواطُئهِم (عَلَى الْكَذِبْ) بمعنى: أنَّ العادةَ تمنَعُ اتفاقَهم على الكذبِ عمدًا، أو وُقوعَه منهم من غيرِ قصدٍ.
[٢٠٠] (فَـ) هو (المُتَوَاتِرُ) وهو: اصطلاحًا: ما رواه جماعةٌ غيرُ مَحصورين في عددٍ معيَّنٍ … إلى آخِرِ ما تقدَّمَ.
(وَقَوْمُ حَدَّدُوا) أي: قوم من المحدثين أو من علماء أصول الفقه جعلوا لأقل عدده حَدًّا (بِعَشْرَةٍ).
وحاصلُ المعنى: أنَّ بعضَ العلماءِ عَيَّنَ أقلَّ المُتواتِرِ بعَشَرةٍ، وهذا القولُ مَحكِيٌّ عن أبي سعيدٍ الإِصطَرْخِيِّ -﵀-، (وَهْوَ) أيِ: التحديدُ بعشَرةٍ (لَدَيَّ) أي: عندي (أَجْوَدُ) أي: أحسنُ من غيرِه منَ الأقوالِ.
[ ٢١٢ ]
[٢٠١] (وَالْقَوْلُ بِاثْنَيْ عَشَرَ) أيِ: القولُ بتحديدِ رُواةِ المتواتِرِ باثنيْ عشرَ (اْوْ عِشْرِينَا) أي: القولُ بتحديدِهم بعشرينَ شخصًا (يُحْكَى) أي: يُروى عن بعضِ العُلَماءِ، (وَأَرْبَعِينَ) أيِ: القولُ بتحديدِهم بأربعين نفسًا يُحكى عن بعضِهم، (أَوْ سَبْعِينَا) أي: يُحْكَى عن بعضِهم تَحديدُهم بسبعينَ شخصًا.
٢٠٢ - وَبَعْضُهُمْ قَدِ ادَّعَى فِيهِ الْعَدَمْ … وَبَعْضُهُمْ عِزَّتَهُ، وَهْوَ وَهَمْ
٢٠٣ - بَلِ الصَّوابِ أَنَّهُ كَثِيرٌ … وَفِيهِ لِي مُؤَلَّفٌ نَضِيرٌ]
٢٠٤ - خَمْسٌ وَسَبْعُونَ رَوَوْا «مَنْ كَذَبَا» … وَمِنْهُمُ الْعَشْرَةُ ثُمَّ انْتَسَبَا
[٢٠٢] (وَبَعْضُهُمْ) أي: بعضُ العلماءِ، كابنِ حِبَّانَ والحازِميِّ (قَدِ ادَّعَى فِيهِ) أيِ: المُتواترِ (الْعَدَمْ) أي: كَونَه غيرَ موجودٍ في الرواياتِ، (وَبَعْضُهُمْ) ادَّعى (عِزَّتَهُ) أي: قِلَّتَه جِدًّا، (وَهْوَ) أيِ: المذكورُ من دعوَى العدمِ والعزَّةِ (وَهَمْ) غَلَطٌ.
[٢٠٣] (بَلِ الصَّوابِ) في الحديثِ المتواترِ: (أَنَّهُ) أيِ: المتواترُ (كَثِيرٌ) يوجَدُ في الدَّواوينِ المشهورةِ بكثرةٍ، (وَفِيهِ) أي: في خصوصِ
[ ٢١٣ ]
المتواتِرِ (لِي مُؤَلَّفٌ) أي: كتابٌ مجموعٌ (نَضِيرٌ) أي: حسَنٌ.
[٢٠٤] (خَمْسٌ وَسَبْعُونَ) منَ الصحابةِ (رَوَوْا) عنِ النبيِّ -ﷺ- حديثَ («مَنْ كَذَبَا») بألِفِ الإطلاقِ، (وَمِنْهُمُ الْعَشْرَةُ) أي: ومن جُملةِ الخمسةِ والسَّبعين الصَّحابَةُ المشهودُ لهم بالجنةِ، وهمُ الخلفاءُ الأربعةُ، وسعدٌ، وسعيدٌ، وطَلْحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، والزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، وأبو عُبيدةَ بنِ الجَرَّاحِ، (ثُمَّ انْتَسَبَا) بألِفِ الإطلاقِ.
٢٠٥ - لَهَا حَدِيثُ «الرَّفْعِ لِلْيَدَيْنِ» … [وَ«الْحَوْضِ»] وَ«الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ»
[٢٠٥] (لَهَا) أي: للأحاديثِ المتواترةِ (حَدِيثُ «الرَّفْعِ لِلْيَدَيْنِ»).
والمعنى: أنَّ الحديثَ الدالَّ على مشروعيةِ رفعِ اليدَينِ في الصلاةِ معدودٌ في جملةِ المتواتِرِ؛ فإنَّه وَرَد من روايةِ خمسين صحابيًّا.
(وَ«الْحَوْضِ»)، أيِ: انتسَبَ حديثُ الحوضِ أيضًا؛ فإنَّه وَرَد من روايةِ نيِّفٍ وخمسين صحابيًّا، (وَالْمَسْحِ) أي: حديثِ المسحِ (عَلَى الْخُفَّيْنِ) في الوُضوءِ؛ فإنَّه ورد من روايةِ سبعين صحابيًّا.
[ ٢١٤ ]
٢٠٦ - [وَلابْنِ حِبَّانَ: الْعَزِيزُ مَا وُجِدْ … بِحَدِّهِ السَّابِقِ، لَكِنْ لَمْ يُجِدْ
٢٠٧ - وَلِلْعَلائِيْ جَاءَ فِي الْمَأْثُورِ … ذُو وَصْفَيِ الْعَزِيزِ وَالْمَشْهُورِ]
[٢٠٦] (وَلـ) لحافظِ أبي حاتمٍ مُحمَّدِ (ابْنِ حِبَّانَ) البُستيِّ صاحِبِ «الصحيحِ» (الْعَزِيزُ مَا وُجِدْ).
وحاصلُ المعنى: أنَّ ابنَ حبانَ أنكَرَ وجودَ العزيزِ (بِحَدِّهِ السَّابِقِ)، أي: بتعريفِه المتقدِّمِ، وهو روايةُ اثنَينِ (لَكِنْ لَمْ يُجِدْ) منَ الإجادةِ.
وحاصلُ المعنى: أنَّ ابنَ حبانَ لم يأتِ بكلامٍ حسنٍ في هذا الإنكارِ.
[٢٠٧] (وَلِـ) لحافظِ الفقيهِ صلاحِ الدينِ (الْعَلائِيْ) بتخفيفِ الياءِ للوزنِ (جَاءَ فِي الْمَأْثُورِ).
وحاصلُ المعنى: أنَّه قال: جاء في الحديثِ المأثورِ، أيِ: المرويِّ عن النبيِّ -ﷺ- حديثٌ: (ذُو وَصْفَيِ الْعَزِيزِ وَالْمَشْهُورِ) أي: صاحبُ الاتِّصافِ بهذَينِ الوصفَينِ، يعني: أنَّ بعضَ الأحاديثِ يُوصَفُ بِهما.
[ ٢١٥ ]