وهي الأنواعُ: الخامسُ، والسادسُ، والسابعُ:
١٢٠ - وَمَا يُضَافُ لِلنَّبِي المَرْفُوعُ لَوْ … مِنْ تَابِعٍ، أَوْ صَاحِبٍ وَقْفًا رَأَوْا
١٢١ - سَوَاءٌ الْمَوْصُولُ وَالْمَقْطُوعُ فِي … ذَيْنِ، وَجَعْلُ الرَّفْعِ لِلْوَصْلِ قُفِي
[١٢٠] (وَمَا) موصولةٌ (يُضَافُ) أي: يُنسَبُ (لِلنَّبِي) بتخفيفِ الياءِ للوزنِ، أي: إليه -ﷺ- قولًا، أو فعلًا، أو تقريرًا، (المَرْفُوعُ) منَ الحديثِ (لَوْ مِنْ تَابِعٍ) أي: ولو كان الرفعُ صادرًا من تابعيٍّ، خلافًا للخطيبِ، (أَوْ صَاحِبٍ) أي: وما يُضافُ إلى صاحبٍ، بمعنى صحابيٍّ قولًا له، أو فعلًا، أو نحوَهُما (وَقْفًا رَأَوْا) أي: رأَوْه موقوفًا.
[١٢١] (سَوَاءٌ الْمَوْصُولُ وَالْمَقْطُوعُ)، والمقطوعُ أيِ: المنقطعُ؛ إذِ المرادُ به هنا معناه اللغويُّ، لا الاصطلاحيُّ الذي يأتي، أيِ: المنقطعُ سنَدُه بسببِ حذفِ بعضِ الرواةِ عنه سواءٌ، أي: مستوِيان (فِي ذَيْنِ) أي: في إطلاقِ المرفوعِ والموقوفِ عليه.
[ ١٦٣ ]
وحاصلُ المعنى: أنَّه لا يُشتَرطُ في المرفوعِ والموقوفِ اتصالُ السَّندِ؛ فيُطلَقانِ على المتصلِ، والمنقطعِ، ونحوِهما، كما مرَّ آنفًا.
(وَجَعْلُ الرَّفْعِ لِلْوَصْلِ) أيِ: الموصولِ (قُفِي) أي: تُبِعَ، أيِ: استِعمالُ المرفوعِ في خُصوصِ المتصلِ أمرٌ مُتَّبَعٌ، استعمَلَه بعضُ أهلِ الحديثِ.
١٢٢ - وَمَا يُضَفْ لِتَابِعٍ مَقْطُوعُ … وَالْوَقْفُ إِنْ قَيَّدْتَهُ مَسْمُوعُ
١٢٣ - وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوابِ … نَحْوُ: مِنَ السُّنَّةِ، مِنْ صَحَابِي
[١٢٢] (وَمَا) شرطيةٌ (يُضَفْ لِتَابِعٍ) كبيرًا أو صغيرًا (مَقْطُوعُ) خبرٌ لمحذوفٍ، أي: هو.
(وَالْوَقْفُ) أي: استِعمالُ الموقوفِ للتابعيِّ (إِنْ قَيَّدْتَهُ) به، كقَولِك: موقوفٌ على عطاءٍ، أو ابنِ المُسيَّبِ مثلًا، (مَسْمُوعُ) أي: إنَّ استعمالَ الموقوفِ على غيرِ الصحابيِّ مسموعٌ منَ المحدِّثين بشرطِ التقييدِ، وإلَّا فلا للإِلباسِ.
[١٢٣] (وَلْيُعْطَ) بالبناءِ للمفعولِ (حُكْمَ الرَّفْعِ) أي: حُكمَ الحديثِ المرفوعِ إليه -ﷺ- (فِي) القولِ (الصَّوابِ) أيِ: الحقِّ الراجحِ من أقوالٍ ثلاثةٍ، وهو الذي عليه الجمهورُ: (نَحْوُ: مِنَ السُّنَّةِ) أي: نحوُ قولِه: «من السُّنَّةِ» كذا، حالَ كونِه صادرًا (مِنْ صَحَابِي).
[ ١٦٤ ]
١٢٤ - كَذَا: أُمِرْنَا، وَكَذَا: كُنَّا نَرَى … فِي عَهْدِهِ، أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
١٢٥ - [ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ لا يَخْفَى وَفِي: … تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي
[١٢٤] (كَذَا) حُكمُ قولِه: (أُمِرْنَا)، وكذا «نُهِينا» عن كذا، (وَكَذَا) قولُه: (كُنَّا نَرَى) أو «نفعَلُ» أو «نقولُ»، ونحوُ ذلك؛ فهو في حكمِ المرفوعِ، سواءٌ نُسِب ذلك إلى عهدِه -ﷺ-؛ بأن يقولَ: كنَّا نرى كذا (فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ) إلى عهدِه -ﷺ-، متعلِّق بـ (عَرَى) أي: خلَا، يعني: أنَّه خلَا عن نسبِته إلى عهدِه -ﷺ-.
[١٢٥] (ثَالِثُهَا) أيِ: الأقوالُ: (إِنْ كَانَ) ذلك الفعلُ (لا يَخْفَى) فمرفوعٌ، وإلَّا فموقوفٌ، أي: إنْ كان الفعلُ ممَّا لا يَخفَى على النبيِّ -ﷺ- غالبًا فمرفوعٌ، وهذا القولُ قَطَع به أبو إسحاقَ الشِّيرازيُّ، وقال به ابنُ السَّمعانيِّ وآخَرون.
ثم قال -﵀-: (وَفِي: تَصْرِيحِهِ) أي: تصريحِ الصحابيِّ (بِعِلْمِهِ) أي: عِلمِ النبيِّ -ﷺ- بالقضيةِ (الْخُلْفُ) أيِ: الخلافُ المتقدِّمُ (نُفِي) بالبناءِ للمفعولِ، أيِ: انَتَفى.
وحاصلُ المعنى: أنَّ الصحابيَّ إذا صرَّح بعلمِ النبيِّ -ﷺ- بأنْ ذَكَر ذلك في القصةِ - صار ذلك مَرفوعًا إجماعًا، لكنَّ دعوى الإجماعِ مُنتقَضةٌ بخِلافِ داودَ الظاهريِّ، وبعضِ المتكلِّمين؛ فتأمَّلْ!
[ ١٦٥ ]
١٢٦ - وَنَحْوُ: كَانُوا يَقْرَعُونَ بَابَهُ … بِالظُّفْرِ، فِيمَا قَدْ رَأَوْا صَوَابَهُ
١٢٧ - وَما أَتَى وَمِثْلُهُ بِالرَّأْيِ لا … يُقَالُ [إِذْ عَنْ سَالِفٍ مَا حُمِلا]
[١٢٦] (وَنَحْوُ) بالرفعِ عطفًا على «نحوُ منَ السُّنَّةِ»، أي: ولْيُعْطَ حُكْمَ الرفعِ في الأصحِّ نحوُ: (كَانُوا) أيِ: الصحابةُ (يَقْرَعُونَ) أي: يَطرُقون (بَابَهُ) -ﷺ- (بِالظُّفْرِ فِيمَا قَدْ رَأَوْا صَوَابَهُ) أي: في القولِ الذي رأى العلماءُ كونَه صوابًا، وهو قولُ ابنِ الصلاحِ -﵀-.
[١٢٧] (وَما) أي: ولْيُعْطَ -في الأصحِّ- حُكْمَ الرفعِ: الحديثُ الذي (أَتَى) أي: جاء عنِ الصحابيِّ من قولٍ له، أو فعلٍ، (وَمِثْلُهُ) أي: مثلُ ذلك الآتي (بِالرَّأْيِ) أي: الاجتهادِ (لا يُقَالُ)، أي: ولا يُفعَلُ.
وحاصلُ المعنى: أنَّ الصحابيَ إذا قال قولًا، أو فَعَل فعلًا، لا مجالَ للاجتهادِ فيه يُحمَلُ على أنَّه تلقَّاه منَ النبيِّ -ﷺ-.
ثمَّ ذَكَر قيدًا ذَكَره العراقيُ -﵀-، وتَبِعه عليه الحافظُ بقولِه: (إِذْ) ظرفيةٌ (عَنْ سَالِفٍ) أي: متقدِّمٍ منَ الأُممِ (مَا) نافيةٌ (حُمِلا) أي: إذا لم يَحْمِلْ ذلك الصحابيُّ عن أهلِ الكتابِ، والألفُ إطلاقيةٌ فيهِما، يعني: أنَّه إنَّما يكونُ له حُكْمُ المرفوعِ إذا لم يكُنِ الصحابيُّ يَروي الإسرائيلياتِ عن أهلِ الكتابِ، وإلَّا فلا.
[ ١٦٦ ]
١٢٨ - وَهكَذَا تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ صَحِبَا … فِي سَبَبِ النُّزُولِ [أَوْ رَأْيًا أَبَى
١٢٩ - وَعَمَّمَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ … وَخَصَّ فِي خِلافِهِ كَمَا حُكِي]
[١٢٨] (وَهكَذَا) أي: ولْيُعْطَ حكمَ الرفعِ (تَفْسِيرُ مَنْ) أي: تبيِينُ وتوضيحُ شخصٍ للقُرآنِ (قَدْ صَحِبَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: صَحِبَ النبيَّ -ﷺ- (فِي سَبَبِ النُّزُولِ) أي: حالَ كونِ التفسيرِ واقعًا في سببِ نُزولِ الآيةِ، (أَوْ) فيما (رَأْيًا) أيِ: اجتهادًا (أَبَى) أيِ: امتَنَع من أن ينالَه رأيُ مجتهِدٍ؛ فلا يأخُذُ حُكْمَ الرفعِ، وهذا هو المعتمَدُ الذي ذَهَب إليه الخطيبُ، وأبو منصورٍ البغداديُّ، وتَبِعَهُما ابنُ الصلاحِ -﵏-.
[١٢٩] (وَعَمَّمَ) هذا الحُكْمَ في كلِّ ما فَسَّرَ به الصحابيُّ (الْحَاكِمُ) أبو عبدِ اللهِ (فِي) كتابِه (الْمُسْتَدْرَكِ وَخَصَّ) الحاكمُ (فِي خِلافِهِ) أي: في غيرِ «المستدرَكِ»، وهو كتابُه المسمَّى «معرفةُ علومِ الحديثِ» (كَمَا حُكِي).
والمعنى: أنَّ الحاكمَ في كتابِه «معرفةِ علومِ الحديثِ» لم يُعمِّمِ الحُكمَ، بل خصَّ كما خَصَّ غيرُه بما كان في سببِ النزولِ، وفيما لا مجالَ للرأيِ فيه.
[ ١٦٧ ]
١٣٠ - وَقَالَ: لا، مِنْ قَائِلٍ مَذْكُورِ … [وَقَدَ عَصَى الْهَادِيَ فِي الْمَشْهُورِ]
١٣١ - وَهَكَذَا: يَرْفَعُهُ، يَنْمِيهِ … رِوَايَةً، يَبْلُغْ بِهِ، يَرْوِيهِ
[١٣٠] (وَقَالَ) الحاكمُ: (لا) يكونُ تفسيرُ الصحابيِّ مرفوعًا إنْ كان صادرًا (مِنْ قَائِلٍ مَذْكُورِ) أي: منَ الصحابيِّ الذي ذُكِر في سندِ ذلك التفسيرِ.
وحاصلُ المعنى: أنَّ شرْطَ كونِ تفسيرِ الصحابيِّ مرفوعًا: أن يتعلَّقَ بسبَبِ النزولِ، أو بما لا مجالَ للرأيِ فيه، وإلَّا فهو منَ الموقوفاتِ.
ثمَّ قال -﵀-: (وَ) لْيُعْطَ أيضًا حُكْمَ الرفعِ: قولُ الصحابيِّ على مَن فَعَل فعلًا منَ الأفعالِ: إنَّ هذا (قَدَ عَصَى) النبيَّ (الْهَادِيَ) -ﷺ-، (فِي) القولِ (الْمَشْهُورِ) بين أهلِ الحديثِ، وجَزَم به الزَّرْكَشيُّ، وادَّعى ابنُ عبدِ البرِّ الإجماعَ عليه.
[١٣١] (وَ) لْيُعْطَ حُكْمَ الرفعِ أيضًا (هَكَذَا) أي: مثلُ ما تقدَّم منَ الأنواعِ: قولُ التابعيِّ (يَرْفَعُهُ) أيِ: الحديثَ، أو رَفَعَه (يَنْمِيهِ) بفتحِ الياءِ، أي: يَنسُبُه (رِوَايَةً) أي: يَنقُلُ ذلك الحديثَ نقلًا (يَبْلُغْ) بسكونِ الغينِ للوزنِ (بِهِ) أي: بذلك الحديثِ (يَرْوِيهِ)، أو رواه بمعنًى يَنقُلُه عنِ النبيِّ -ﷺ-.
[ ١٦٨ ]
١٣٢ - وَكُلُّ ذَا مِنْ تَابِعِيٍّ مُرْسَلُ … [لا رَابِعٌ جَزْمًا] لَهُمْ، وَالأَوَّلُ
[١٣٢] (وَكُلُّ ذَا) أي: كلُّ ما تقدَّم من قولِه: «ولْيُعْطَ حُكْمَ الرفعِ» إلى هنا (مِنْ تَابِعِيٍّ مُرْسَلُ) مرفوعٌ، ويَحتمِلُ أن يكونَ اسمُ الإشارةِ عائدًا إلى البيتِ الذي قبْلَه، أي: كلُّ هذه الألفاظِ إذا صَدَرت عندَ ذِكْرِ التابعيِّ؛ كأن يقولَ مَن يَروي عنِ التابعيِّ: حدَّثَنا فلانٌ بكذا يرفَعُه، أو ينمِيه، أو يبلُغُ به، ونحوُها؛ فهو مرسلٌ مرفوعٌ بلا خلافٍ، وهو الذي تُفيدُه عبارةُ شُروحِ الألفيةِ العراقيةِ للسخاويِّ، وغيرِه، (لا رَابِعٌ) قال الشارحُ: هو التفسيرُ في سببِ النزولِ.
قلتُ: لا وجْهَ لإخراجِ التفسيرِ عمَّا قبْلَه؛ لأنَّه يكونُ المعنى عليه: وكلُّ هذه الألفاظِ المتقدِّمةِ إذا كانت منَ التابعيِّ فهو مرسَلٌ، إلَّا الرابِعَ؛ فإنَّه ليس كذلك، وهذا معنًى فاسدٌ؛ لأنَّ التفسيرَ الذي يتعلَّق بسببِ النزولِ مرسَلٌ مرفوعٌ أيضًا، ولعلَّ النُّسخةَ وَقَع فيها تصحيفٌ، والأصلُ:
وَكُلُّ ذَا مِنْ تَابِعِيٍّ مُرْسَلُ … مَعْ رَفْعِهِ جَزْمًا لَهُمْ والأَوَّلُ
وتكونُ الإشارةُ إلى البيتِ الذي قبْلَه، يعني: أنَّ هذه الألفاظَ إذا ذُكِرَت عند ذِكْرِ التابعيِّ؛ فالحديثُ مرسَلٌ مرفوعٌ بلا خلافٍ، كما أشار إليه بقولِه: (جَزْمًا لَهُمْ) أي: حالَ كونِه مجزومًا به، أي: مُتَّفَقًا عليه بين العلماءِ، (وَالأَوَّلُ) أي: قولُه: «منَ السُّنَّةِ».
[ ١٦٩ ]
١٣٣ - صَحَّحَ فِيهِ [النَّوَوِيُّ] الْوَقْفَا … [وَالْفَرْقُ فِيهِ وَاضِحٌ لا يَخْفَى]
[١٣٣] (صَحَّحَ فِيهِ النَّوَوِيُّ الْوَقْفَا) أي: كونُه موقوفًا، والمعنى: أنَّ قولَ التابعيِّ: منَ السُّنَّةِ كذا، صحَّح الإمامُ النوويُّ -﵀- كونَه متصلًا موقوفًا على الصحابيِّ، (وَالْفَرْقُ فِيهِ وَاضِحٌ) أيِ: الفرقُ بينه وبين المسألةِ المذكورةِ في البيتِ الذي قبْلَه واضحٌ (لا يَخْفَى) على مَن تأمَّلَه.
وحاصلُ المعنى: أنَّ الفرقَ بين قولِه: «منَ السُّنَّةِ كذا» حيث جعلْناه موقوفًا متصلًا، وبين الألفاظِ المتقدِّمةِ حيث جعلْناها مرفوعةً مرسلةً - واضحٌ غيرُ خَفِيٍّ؛ وذلك لأنَّ «يرفَعُ الحديثَ» تصريحٌ بالرفعِ، وقريبٌ منه ما ذُكِرَ معه منَ الألفاظِ، بخلافِ «منَ السُّنَّةِ»؛ فيَتطَرَّقُها احتمالُ إرادةِ سُنَّةِ الخُلَفاءِ الراشِدين؛ فكثيرًا ما يُعبِّرون بها فيما يُضافُ إليهم، وقد يُريدون سُنَّةَ البلدِ، ومقابِلُ الصَّحِيحِ قوُل مَن قال: إنَّه مرفوعٌ مرسَلٌ.
[ ١٧٠ ]