٤١ - [أَوَّلُ جامِعِ الحديثِ والأَثَرْ … اِبْنُ شِهابٍ آمِرًا لَهُ عُمَرْ
٤٢ - وَأَوَّلُ الجَامِعِ لِلأَبْوَابِ … جَمَاعَةٌ فِي العَصْرِ ذُو اقْتِرَابِ
[٤١] (أَوَّلُ جامِعِ) أي: أسبقُ مُدَوِّنِ (الحديثِ) النبويِّ (والأَثَرْ) إمَّا عطفُ تفسيرٍ للحديثِ، إنْ قلنا بتَرادُفِهما، وإمَّا عطفٌ مُغايِرٌ، إنْ خُصَّ بالمَوقوفِ: (اِبْنُ شِهابٍ) الزُّهريُّ (آمِرًا لَهُ) أي: الآمِرُ لابنِ شهابٍ بجَمعِ الأحاديثِ (عُمَرْ) بنُ عبدِ العزيزِ بنِ مَرْوانَ بنِ الحَكَمِ، أحدِ الخُلَفاءِ الرَّاشدين.
ومعنى البيتِ: أنَّ أولَ مَن دَوَّن الحَديثِ هو الإمامُ ابنُ شهابٍ الزُّهريُّ بأمرِ الخَليفةِ عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ -﵀-، والمُرادُ بالتَّدوينِ المذكورِ: هو التَّدوين الرَّسميُّ؛ بحيث يَكونُ مَجموعًا مُرتَّبًا، وإلَّا فقد كان يُكتَبُ في الرِّقاعِ والعِظامِ من لَدُنْ زمنِ رَسولِ اللهِ -ﷺ- وهَلُمَّ جَرًّا.
[٤٢] (وَأَوَّلُ) مُبتدَأُ (الجَامِعِ لِلأَبْوَابِ) المُتنوِّعةِ منَ العِباداتِ، والمُعاملاتِ، والمَغازي، وغيرِها (جَمَاعَةٌ) خبرُ المُبتدأِ، أي: طائفةٌ
[ ١٢١ ]
(فِي العَصْرِ) أي: في الزمنِ (ذُو اقْتِرَابِ) صفةٌ لجماعةٍ.
ومعنى البيتِ: أنَّ أوَّلَ مَن جَمَع الحديثَ جماعةٌ مُتقارِبون في الزَّمنِ، وذلك أثناءَ المِائةِ الثانيةِ؛ فلا يُدرَى أيُّهم سَبَق؛ لكَونِهم في وقتٍ واحدٍ، وهم:
٤٣ - كَابْنِ جُرَيْجٍ وَهُشَيْمٍ مَالِكِ … وَمَعْمَرٍ وَوَلَدِ المُبَارَكِ]
٤٤ - وَأَوَّلُ الجَامِعِ بِاقْتِصَارِ … عَلَى الصَّحِيحِ فَقَطِ البُخَارِي
[٤٣] (كَا) لإمامِ عبدِ الملكِ بنِ عبدِ العزيزِ (بْنِ جُرَيْجٍ) الأُمَويِّ مَولاهُم، أحدِ الأعلامِ، من تابِعي التَّابعين، (وَهُشَيْمٍ) بضمِّ الهاءِ وفَتحِ الشِّينِ، ابنِ بَشِيرٍ بفَتحِ الباءِ، أبي مُعاوِيةَ، السُّلَمِيِّ الواسِطيِّ، من تابِعي التَّابعين، و(مَالِكِ) بنِ أنسٍ، إمامِ دارِ الهِجرةِ، (وَمَعْمَرٍ) بنِ راشدٍ، أبي عُروةَ الإمامِ، الحافِظِ، (وَ) عبدِ اللهِ (وَلَدِ المُبَارَكِ) بنِ واضِحٍ المَروَزيِّ، الحَنظَليِّ، مَولاهم أبي عبدِ الرحمنِ، الإمامِ المُجْمَعِ على جَلالَتِه، وإمامَتِه في كلِّ شيءٍ.
[٤٤] (وَأَوَّلُ الجَامِعِ) أي: أسبَقُ مُحدِّثٍ في جَمعِ الأحاديثِ المُسنَدةِ (بِاقْتِصَارِ) أي: مع اقتِصارٍ، أي: مُقتصِرًا (عَلَى الصَّحِيحِ) المُجرَّدِ منَ
[ ١٢٢ ]
الحديثِ، (فَقَطِ) أي: فحَسْبُ: (البُخَارِي) وهو الإمامُ الحافِظُ الحُجَّةُ مُحمَّدُ بنُ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ.
٤٥ - وَمُسْلِمٌ مِنْ بَعْدِهِ، وَالأَوَّلُ … عَلَى الصَّوَابِ فِي الصَّحِيحِ أَفْضَلُ
٤٦ - [وَمَنْ يُفَضِّلْ مُسْلِمًا فَإِنَّمَا … تَرْتِيبَهُ وَصُنْعَهُ قَدْ أَحْكَمَا]
[٤٥] (وَمُسْلِمٌ) بنُ الحجَّاجِ، القُشَيْريُّ (مِنْ بَعْدِهِ) أي: البُخاريِّ، يَعني: أنَّ الإمامَ مُسلِمًا جَمَع الصَّحِيحَ بعدَ البخاريِّ؛ لأنَّه مُتأخِّرٌ وقتًا؛ فإنه تِلميذُه وخِرِّيجُه، (وَالأَوَّلُ) أيِ: الإمامُ البُخاريُّ (عَلَى الصَّوَابِ) أيِ: القَولِ السَّدِيدِ (فِي) التَّثبُّتِ واستِيفاءِ شُروطِ (الصَّحِيحِ) منَ الأحاديثِ المُسنَدةِ (أَفْضَلُ)؛ لكَونِه أعلَمَ بالفَنِّ، وأعدَلَ رُوَاةً، وأشدَّ اتِّصالًا منه.
[٤٦] (وَمَنْ) شَرطيَّةٌ (يُفَضِّلْ) منَ العُلَماءِ (مُسْلِمًا) على البُخاريِّ، أي: كِتابَه على كِتابِه (فَإِنَّمَا تَرْتِيبَهُ) بالنَّصبِ مَفعولٌ لمَحذوفٍ، أي: فَضَّلَ، أو بالرَّفعِ خبرٌ لمحذوفٍ، أي: مُرادُه: تَرتيبُه، لا من حيثُ الأَصحِّيَّةُ، (وَصُنْعَهُ) عَطفُ تفسيرٍ لترتيبَ، أوِ المُرادُ بالتَّرتيبِ: ترتيبُ الأبوابِ والأحاديثِ؛ بحيث يَذكُرُ كلَّ بابٍ وحديثٍ إلى جَنبِ مُناسِبِه، وفي مَظَانِّه،
[ ١٢٣ ]
وبالصُّنعِ: حُسنُ صِناعةِ الحَديثِ من حيثُ تَلخيصُ الطُّرُقِ، والاحتِرازُ من تَحويلِ الأسانيدِ عندَ الِاتفاقِ من غَيرِ تنبيهٍ على اختلافِ ألفاظِ الرُّواةِ في متنٍ، أو إسنادٍ، ولو في حرفٍ واحدٍ؛ فالعَطفُ للمُغايَرَةِ، (قَدْ أَحْكَمَا) أي: حالَ كونِه مُحْكِمًا، أي: مُتقِنًا لتَرتيبِه، وصُنعِه، والألِفُ ضَميرٌ راجِعةٌ إلى التَّرتيبِ والصُّنعِ، أي: حالَ كَونِهِما مُحْكَمَينِ.
٤٧ - وَانْتَقَدُوا عَلَيْهِمَا يَسِيرَا … [فَكَمْ تَرَى نَحْوَهُمَا نَصِيرَا]
٤٨ - وَلَيْسَ فِي الْكُتْبِ أَصَحُّ مِنْهُمَا … بَعْدَ الْقُرَانِ وَلِهَذَا قُدِّمَا
[٤٧] (وَانْتَقَدُوا) أيِ: اعتَرَض بعضُ أهلِ النقدِ، كالدَّارَقُطنيِّ، وأبي عليٍّ الغَسَّانيِّ الجَيَّانيِّ، وأبي ذَرٍّ الهَرَويِّ، وأبي مَسعودٍ الدِّمَشقيِّ، وغَيرِهم.
(عَلَيْهِمَا) أيِ: البُخاريِّ ومُسلمٍ (يَسِيرَا) أي: قليلًا من أحاديثِهما، وعِدَّتُها -كما قال الحافِظُ- مِائتانِ وعَشَرةُ أحاديثَ، اشتَرَكَا في اثنَينِ وثَلاثينَ، واختَصَّ البُخاريُّ بثَمانينَ إلَّا اثنَينِ، ومُسلِمٌ بمائةٍ؛ (فَكَمْ) بمعنى عددٍ كثيرٍ (تَرَى) بالتاءِ أيُّها الطَّالِبُ، أي: رَأينا كَثيرًا من العُلَماءِ المُبَرَّزِين، والحُفَّاظِ المُتقِنين (نَحْوَهُمَا) أي: قَصْدَهُما (نَصِيرَا) أي: مُعِينًا، أو مانِعًا من أن يَتطرَّق إليه قَدْحُ قادِحٍ.
[ ١٢٤ ]
[٤٨] (وَلَيْسَ فِي الْكُتْبِ) بسُكونِ التاءِ (أَصَحُّ) أي: أقوَى وأرجَحُ صِحَّةً (مِنْهُمَا) أي: الصَّحِيحَين (بَعْدَ الْقُرَانِ) الكريمِ، لغةٌ قُرِئ بها في السَّبعةِ؛ (وَلِهَذَا) أي: لأجلِ كونِهما بهذه المَرتبةِ الرَّفيعةِ (قُدِّمَا) الألفُ للإطلاقِ.
٤٩ - مَرْوِيُّ ذَيْنِ، فَالبُخَارِيِّ، فَمَا … لِمُسْلِمٍ، فَمَا حَوَى شَرْطَهُمَا
٥٠ - فَشَرْطَ أَوَّلٍ، فَثَانٍ، ثُمَّ مَا … كانَ عَلَى شَرْطِ فَتًى غَيْرِهِمَا
[٤٩] (مَرْوِيُّ ذَيْنِ) أيِ: الحديثُ الذي رواه هذانِ الإمامانِ، وهذا هو القِسمُ الأوَّلُ من أقسامِ الصَّحِيحِ السَّبعةِ، (فَالبُخَارِيِّ) أي: فما رَوى البخاريُّ مُنفرِدًا عن مسلمٍ، (فَمَا) أي: الحَديثُ الذي (لـ) لإمامِ الحُجَّةِ (مُسْلِمٍ) بنِ الحجَّاجِ، وهو الثالثُ، (فَمَا حَوَى) أي: فالحديثُ الذي جَمَعَ (شَرْطَهُمَا) أي: رجالَ إسنادِهما، وهو الرابعُ.
[٥٠] (فَشَرْطَ أَوَّلٍ) أي: ما جَمَع شرْطَ البخاريِّ، وهو الخامِسُ، (فَثَانٍ) عطفٌ على «أولٍ» أي: شرْطُ مسلمٍ، وهو السادِسُ، (ثُمَّ مَا) أي: ثم قُدِّم الحديثُ الذي (كانَ عَلَى شَرْطِ فَتًى) من أئمةِ الحديثِ (غَيْرِهِمَا) أي: غيرِ الشَّيخَينِ، وهذا آخرُ الأقسامِ السَّبعةِ، وفائدةُ التَّقسيمِ تظهَرُ عندَ التَّعارُضِ.
[ ١٢٥ ]
٥١ - [وَرُبَّمَا يَعْرِضَ لِلْمَفُوقِ مَا … يَجْعَلُهُ مُسَاوِيًا أَوْ قُدِّمَا
٥٢ - وَشَرْطُ ذَيْنِ كَوْنُ ذَا الإِسْنَادِ … لَدَيْهِمَا بِالجَمْعِ وَالإِفْرَادِ]
٥٣ - وَعِدَّةُ الأَوَّلِ بِالتَّحْرِيرِ … أَلْفَانِ وَالرُّبْعُ بِلا تَكْرِيرِ
[٥١] (وَرُبَّمَا) للتَّقليلِ (يَعْرِضَ) أي: يظهَرُ ويتَّضِحُ (لِلْمَفُوقِ) أيِ: المَفضولِ لتأخُّرِ رُتبَتِه (مَا) يعرِض (يَجْعَلُهُ) أيِ: المَفوقَ (مُسَاوِيًا) للفائقِ (أَوْ قُدِّمَا) أي: أو مُقدَّمًا عليه بسببِ ما صاحَبَه من المُرجِّحاتِ.
[٥٢] (وَشَرْطُ ذَيْنِ) أي: المُرادُ بشَرطِ الشَّيخَينِ: (كَوْنُ ذَا الإِسْنَادِ) أي: كونُ هذا الإسنادِ الذي قيلَ: إنَّه على شَرطِهما، أو شَرطِ أحدِهِما (لَدَيْهِمَا) أي: في كتابَيهِما (بِالجَمْعِ) أي: كَونُ إسنادِه مَذكورًا في كتابَيهِما معًا، (وَالإِفْرَادِ) فيما قيلَ فيه: على شَرطِ البخاريِّ، أو مُسلِمٍ.
[٥٣] (وَعِدَّةُ) أحاديثِ (الأَوَّلِ) أي: «صَحيحِ البُخاريِّ»، والمُرادُ الأحاديثُ المُسنَدةُ (بِالتَّحْرِيرِ) أي: على ما حرَّره مَن حقَّقَه، وهو إمامُ المُتقِنين في المتأخِّرين الحافِظُ ابنُ حجرٍ في كِتابِه «فتحِ الباري» ومُقدِّمَتِه
[ ١٢٦ ]
المُسمَّاةِ بـ «هُدى الساري»: (أَلْفَانِ وَالرُّبْعُ) أي: رُبْعُ الألفَينِ، وهو خَمسُمِائةٍ، أي: وزِيادَةُ ثَلاثةَ عَشَرَ، هذا هو الذي ذَكَره في «الفَتحِ» في بابِ كُفرانِ العَشيرِ، وتَبِعَه النَّاظِمُ في «التَّدريبِ»، والذي ذَكَره في «هُدى الساري» يُخالِفُ هذا؛ حَيثُ قال: «فجَميعُ ما في «صحيحِ البُخاريِّ» منَ المُتونِ المَوصولةِ بلا تَكريرٍ على التَّحريرِ: ألفَا حديثٍ وسِتُّمِائةِ حَديثٍ وحَديثانِ …» ثمَّ قال: «فجميعُ ما في الكِتابِ على هذا بالمُكرَّرِ (٩٠٨٢) حديثًا، وهذه العِدَّةُ خارِجةٌ عنِ المَوقوفاتِ على الصَّحابةِ والمَقطوعاتِ عنِ التَّابِعين فمَن بَعدَهم»، وقَولُه: (بِلا تَكْرِيرِ) أي: حالَ كَونِ ما ذُكِر بدونِ ذِكْرِ المُكرَّرِ، وأمَّا مع المُكرَّرِ فجُملَتُه -كما قال الحافِظُ أيضًا- من غيرِ المُعلَّقاتِ والمُتابَعاتِ: سَبعةُ آلافٍ وثَلاثُمِائةٍ وسَبعةٍ وتِسعون حَديثًا.
٥٤ - [وَمُسْلِمٍ أَرْبَعَةُ الآلافِ] … وَفِيهِمَا التَّكْرَارُ جَمًّا وَافِ
[٥٤] (وَمُسْلِمٍ) أي: وعِدَّةُ أحاديثِ «صَحيحِ مُسلمٍ» (أَرْبَعَةُ الآلافِ) بإدخالِ «ألْ» على «آلافٍ»، وهو لغةٌ لا ضَرورةٌ، (وَفِيهِمَا) أيِ: «الصَّحِيحين» (التَّكْرَارُ) أي: تَكرارُ الحَديثِ الواحِدِ مرَّتينِ فصاعدًا لفائدةٍ إسنادِيةٍ، أو مَتْنيَّةٍ (جَمًّا) أي: حالَ كونِ التَّكرارِ كثيرًا، والْجَمُّ: الشيءُ الكثيرُ، (وَافِ) أي: كثيرٌ، والمعنى: أن التَّكرارَ في الكِتابَينِ كثيرٌ جدًّا، وقد عَلِمتَ
[ ١٢٧ ]
عِدَّةَ المُكرَّراتِ في «البُخارِي»، وأمَّا في «صحيحِ مُسلمٍ»؛ فقد قال العِراقيُّ: «إنَّه يَزيدُ على البُخاريِّ؛ لكَثرَةِ طُرقِه، قال: وقد رأيتُ عن أبي الفضلِ أحمدَ بنِ سَلمةَ: إنَّه اثنا عَشَرَ ألفًا، وقال المَيَانِجِيُّ: ثَمانيةُ آلافٍ.
٥٥ - مِنَ الصَّحِيحِ فَوَّتَا كَثِيرِا … وَقَالَ نَجْلُ أَخْرَمٍ: يَسِيرًا
[٥٥] (مِنَ الصَّحِيحِ) أي: الحديثِ الصَّحِيحِ (فَوَّتَا) بتشديدِ الواوِ، والألفُ والضميرٌ عائدٌ على البخاريِّ ومسلمٍ، أي: تَرَكَا (كَثِيرِا) أي: شيئًا، أو تَفويتًا كثيرًا، والمعنى: أن البُخاريَّ ومسلمًا -رحمهما الله- تَرَكَا تخريجَ أحاديثَ صَحيحةٍ كثيرةٍ؛ فلم يَذكُراهَا في كِتابَيهِما؛ وذلك لأنَّهُما لم يَستوعِبَا ذِكْرَ الصَّحِيحِ، ولا الْتَزَماه، (وَقَالَ) الحافِظُ أبو عبدِ اللهِ (نَجْلُ أَخْرَمٍ) بالصَّرفِ للضَّرورةِ، أي: ولدُ الأخرمِ بالخاءِ المُعجَمةِ والرَّاءِ المُهمَلةِ، هو مُحمَّد بنُ يَعقوبَ بنِ الأخرَمِ الشَّيبانيُّ، المَعروفُ أبوه بابنِ الكِرْمانيِّ، وهو شيخُ أبي عبدِ اللهِ الحاكِمِ (يَسِيرًا) أي: تَرَك الشَّيخانِ قَليلًا منَ الأحاديثِ الصِّحاحِ.
[ ١٢٨ ]
٥٦ - [مُرَادُهُ أَعَلَى الصَّحِيحِ فَاحْمِلِ … أَخْذًا مِنَ الحَاكِمِ أَيْ فِي المَدْخَلِ]
[٥٦] (مُرَادُهُ) مبتدأٌ، أي: مَقصودُ ابنِ الأخرَمِ بقَولِه: لم يَفُتْهُما إلَّا القليلُ (أَعَلَى الصَّحِيحِ) خبرُ المبتدَأِ، أيِ: الحَديثِ الذي في الدَّرجةِ العُلْيا منَ الصِّحَّةِ، فكأنَّه قال: لم يَفُتْهُما من أصحِّ الصَّحِيحِ إلَّا القليلُ، (فَاحْمِلِ) عليه -أيُّها الطَّالبُ الماهِرُ، والمُحقِّقُ الباهِرُ- مرادَ ابنِ الأخرمِ، (أَخْذًا) أي: حالَ كَونِك آخذًا هذا الجوابَ (مِنَ) كلامِ (الحَاكِمِ) أبي عبدِ اللهِ مُحمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ النَّيسابوريِّ، المَعروفِ بابنِ البَيِّعِ (أَيْ) تَفسيرُه (فِي) كتابِه المُسمَّى بـ («المَدْخَلِ) إلى كتاب الإكليل»، والمعنى: أنَّ مرادَ ابنِ الأخرمِ -﵀- في قَولِه: «ما فاتَهما إلَّا القليلُ» هو أصحُّ الصَّحِيحِ؛ لأنَّ الصَّحِيحَ مراتِبُ، وهذا الجَوابُ مأخوذٌ من تقسيمِ الحافِظِ أبي عبدِ اللهِ الحاكِمِ للحديثِ الصَّحِيحِ في كتابِه «المَدخَلِ» إلى عَشَرةِ أقسامٍ؛ فذَكَر منها في القسمِ الأوَّلِ الذي هو الدرجةُ الأولى اختيارَ الشَّيخَينِ … إلى آخِرِ الأقسامِ التي ذَكَرها، فتبيَّنَّا أنَّ ما فاتَهُما من هذا النَّوعِ قليلٌ، لا كثيرٌ؛ فحصَل الجوابُ، وللَّهِ الحمدُ.
[ ١٢٩ ]
٥٧ - النَّوَوِيْ: لَمْ يَفُتِ الخَمْسَةَ مِنْ … مَا صَحَّ إِلاَّ النَّزْرُ فاقْبَلْهُ وَدِنْ
٥٨ - وَاحْمِلْ مَقَالَ عُشْرَ أَلْفِ أَلْفِ … أَحْوِي عَلَى مُكَرَّرٍ وَوَقْفِ
[٥٧] (النَّوَوِيْ) أي: قال النَّوويُّ: (لَمْ يَفُتِ) الأُصولَ (الخَمْسَةَ) أي: «الصَّحِيحينِ»، و«سننِ أبي داودَ، و«التِّرمذيِّ»، و«النَّسائيِّ» (ممَا صَحَّ) أي: منَ الحديثِ الذي صحَّ (إِلاَّ النَّزْرُ) أيِ: الشيءُ القليلُ.
والمعنى: أنَّ الإمامَ النَّوويَّ -﵀- قال: «إنَّه لم يَفُتِ الأصولَ الخمسةَ إلَّا اليسيرُ»، قال النَّاظِمُ -﵀- مُقرِّرًا لقَولِه وراضيًا له-: (فاقْبَلْهُ) أيُّها الطَّالِبُ الذَّكِيُّ والرَّاغِبُ الألمَعِيُّ؛ لكَونِه صوابًا، (وَدِنْ) بالكسرِ فِعلُ أمرٍ مِن دانَه يَدِينُه، بمعنى: أَطَاعَه أو جَازَاهُ، أي: أَطِعْه في هذا القَولِ، ولا تَعتَرِضْ عليه، أو جازِهِ بالشُّكرِ والدُّعاءِ له؛ لكَونِه أفادَك عِلمًا. ولمَّا كان يَتوجَّهُ على قَولِه اعتِراضٌ بقَولِ البُخاريِّ -﵀-: «أحفَظُ مِائةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، ومِائتيْ ألفِ حديثٍ غيرِ صَحيحٍ»؛ فإنَّه يدلُّ على كَثرةِ ما فات الأُصولَ الخَمسةِ منَ الصَّحِيحِ؛ لقلةِ أَحَاديثِهَا - أجابَ عنه النَّاظِمُ بقَولِه:
[٥٨] (وَاحْمِلْ) أيُّها الطَّالِبُ الرَّاغِبُ (مَقَالَ) أي: قولَ الإمامِ البخاريِّ:
[ ١٣٠ ]
(عُشْرَ أَلْفِ أَلْفِ) أي: مِائةُ ألفٍ (أَحْوِي) أي: أحفَظُ (عَلَى مُكَرَّرٍ) أي: على الحديثِ الذي يَتكرَّرُ إسناده (وَوَقْفِ) أي: مَوقوفٍ على الصَّحابةِ والتَّابعين.
ثمَّ ذَكَر ما يُعرَفُ به الحَديثُ الصَّحِيحُ الزَّائدُ على «الصَّحِيحَينِ؛ فقال:
٥٩ - وَخُذْهُ حَيْثُ حَافِظٌ عَلَيْهِ نَصْ … وَمِنْ مُصَنَّفٍ بِجَمْعِهِ يُخَصْ
٦٠ - كَابْنِ خُزَيْمَةَ [وَيتْلُو مُسْلِمَا … وَأَوْلِهِ] البُسْتِيَّ [ثُمَّ] الحَاكِمَا
[٥٩] (وَخُذْهُ) أي: الحَديثَ الصَّحِيحَ الزَّائدَ عَلَيهِما (حَيْثُ حَافِظٌ) من حُفَّاظِ الحديثِ النبويِّ (عَلَيْهِ) أي: على صِحَّتِه (نَصْ) أي: عَيَّنَهُ، وأوضَحَه، كأبي داوُدَ، والتِّرمذيِّ، والدَّارَقطنيِّ، وغَيرِهم (وَ) خُذْهُ أيضًا (مِنْ) كتابٍ (مُصَنَّفٍ) بفتحِ النُّونِ (بِجَمْعِهِ) أي: جَمعِ الصَّحِيحِ، مُتعلِّقٌ بـ (يُخَصْ) أيِ: الكُتبِ التي تَختَصُّ بجَمعِ الصَّحِيحِ الذي لم يَختلِطْ بغَيرِه.
[٦٠] (كَـ) صحيحِ الإمامِ الحافِظِ أبي بَكرٍ مُحمَّدِ بنِ إسحاقَ (ابْنِ خُزَيْمَةَ) بنِ المُغيرةِ السُّلَميِّ النَّيسابُوريِّ، (وَيتْلُو) أي: «صحيحُهُ» في الرُّتبةِ (مُسْلِمَا) أي: «صَحيحَهُ»، (وَأَوْلِهِ) أي: أَتْبِعْ «صحيحَ ابنِ خُزيمةَ» في الرُّتبةِ
[ ١٣١ ]
(البُسْتِيَّ) أي: «صَحيحَهُ»، وهو الحافِظُ أبو حاتِمٍ مُحمَّدُ بنُ حِبَّانَ بنِ أحمَدَ بنِ حِبَّانَ بنِ مُعاذٍ التميميُّ، (ثُمَّ) أَوْلِ البُستيَّ في الرُّتبةِ، (الحَاكِمَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: كتابَه المُسمَّى بـ «المُستدرَكِ»، ولمَّا كان كتابُه -مع ذلك- وَقَع فيه تَساهُلٌ كبيرٌ - نَبَّه عليه بقَولِه:
٦١ - وَكَمْ بِهِ تَسَاهُلٌ [حَتَى وَرَدْ … فِيهِ مَناكِرُ وَمَوْضُوعٌ يُرَدْ]
٦٢ - وَابْنُ الصَّلاحِ قَالَ: مَا تَفَرَّدَا … فَحَسَنٌ إِلاَّ لِضَعْفٍ فَارْدُدَا
[٦١] (وَكَمْ) أي: عددٌ كثيرٌ (بِهِ) أي: في كتابِه (تَسَاهُلٌ) أي: تَغافُلٌ في التَّصحيحِ؛ (حَتَى وَرَدْ) غايةٌ لتَساهُلِه في التَّصحيحِ (فِيهِ) أيِ: «المُستدرَكِ» (مَناكِرُ) أي: واهِياتٌ لا تَصِحُّ، (وَمَوْضُوعٌ) أي: مَكذوبٌ (يُرَدْ) أي: مَردودٌ صِفةٌ لـ «موضوعٌ»، ثم ذَكَرَ ما قالَه الإمامُ ابنُ الصَّلاحِ في شأنِ ما تفرَّد الحاكِمُ بتَصحيحِه؛ فقال:
[٦٢] (وَ) الإمامُ الحافِظُ أبو عَمرٍو عُثمانُ (ابْنُ الصَّلاحِ قَالَ) في شأنِ الحاكِمِ: (مَا) أيِ: الحديثُ الذي (تَفَرَّدَا) بألِفِ الإطلاقِ، أي: الحاكِمُ
[ ١٣٢ ]
بتَصحيحِه (فَـ) هو حديثٌ (حَسَنٌ) للعملِ به، والاحتجاجِ، (إِلاَّ لِضَعْفٍ) أي: إلَّا أن يظهَرَ ضَعْفُه؛ فإذا كان كذلك (فَارْدُدَا)، وإنَّما قال ذلك.
٦٣ - جَرْيًا عَلَى امْتِناعِ أَنْ يُصَحَّحَا … فِي عَصْرِنَا كَمَا إِلَيْهِ جَنَحَا
٦٤ - وَغَيْرُهُ جَوَّزَهُ [وَهْوَ الأَبَرْ] … فَاحْكُمْ هُنَا بِمَا لَهُ أَدَّى النَّظَرْ
[٦٣] (جَرْيًا) أي: لأَجلِ جَرْيِه (عَلَى) رأيِ (امْتِناعِ أَنْ يُصَحَّحَا)، وكذا أن يُحَسَّنَ، أو يُضَعَّفَ (فِي عَصْرِنَا) المتأخِّرِ؛ لضَعفِ أهلِيَّةِ أهلِ هذه الأزمانِ، وقَولُه: (كَمَا إِلَيْهِ) أي: إلى هذا الرأيِ (جَنَحَا) بألفِ الإطلاقِ، أي: مالَ ابنُ الصلاحِ، واعتمَدَه، مؤكِّدٌ لِمَا قَبْلَه.
والمعنى: أنَّ ابنَ الصَّلاحِ إنَّما حَكَم بكَونِ ما تَفرَّد بتَصحيحِه الحاكِمُ حَسَنًا، لأجلِ كَونِه جاريًا على مَنعِ الاستِقلالِ بإدراكِ الصَّحِيحِ، وكذا الحَسنُ، والضَّعِيفُ -كما تُفيدُه عِبارةُ «التَّدريبِ» - في هذه الأعصارِ المتأخِّرةِ؛ لضَعفِ أهلِها عن ذلك، ثم أشار النَّاظِمُ إلى ردِّ رأيِ ابنِ الصَّلاحِ هذا بقَولِه:
[٦٤] (وَغَيْرُهُ) أي: غيرُ ابنِ الصَّلاحِ -كالإِمامِ النوويِّ- (جَوَّزَهُ) أيِ: التَّصحيحَ، وكذا التَّحسينُ، والتَّضعيفُ، لِمَن تمكَّن وقَوِيَت مَعرِفَتُه، (وَهْوَ)
[ ١٣٣ ]
أي: القَولُ هذا (الأَبَرْ) أيِ: الأحسَنُ والأرجَحُ؛ (فَاحْكُمْ) أي: فإذا كان كذلك فاحكُمْ -أيُّها المتأهِّلُ لذلك- في الحديثِ (هُنَا) أي: فيما انفرَدَ بتَصحيحِه الحاكِمُ (بِمَا لَهُ أَدَّى النَّظَرْ)، أي: بالحُكمِ الذي أدَّى إليه نَظَرُك واجتِهادُك منَ الصِّحَّةِ، أوِ الحُسنِ، أوِ الضَّعفِ.
٦٥ - [مَا سَاهَلَ البُسْتِيُّ فِي كِتَابِهِ … بَلْ شَرْطُهُ خَفَّ وَقَدْ وَفَّى بِهِ]
٦٦ - وَاسْتَخْرَجُوا عَلَى الصَّحِيحَيْنِ [بِأَنْ … يَرْوِي أَحَادِيثَ كِتَابٍ حَيْثُ عَنْ
[٦٥] (مَا) نافيةٌ (سَاهَلَ) أي: تَساهَلَ الإمامُ الحافِظُ مُحمَّدُ بنُ حِبَّانَ (البُسْتِيُّ) بضمِّ فسُكونٍ نِسبةٌ إلى بلدٍ بسِجِسْتانَ، في التَّصحيحِ (فِي كِتَابِهِ) «الأنواعِ والتقاسيمِ»، (بَلْ شَرْطُهُ) أي: البُستيِّ (خَفَّ) أي: قَلَّ، بخلافِ شرطِ غيرِه من الأئمةِ، (وَقَدْ وَفَّى) البُسْتِيُّ (بِهِ) أي: بما اشتَرَطه، وغايَتُه: أنه يُخْرِج في كِتابِه المَذكورِ ما كان راوِيه ثِقةً، غيرَ مُدلِّسٍ، سَمِعَ من شَيخِه، وسَمِع منه الآخِذُ عنه، ولا يكونُ هناك إرسالٌ، ولا انقِطاعٌ، وإذا لم يَكُنْ في الراوي جَرحٌ، ولا تَعديلٌ، وكُلٌّ من شَيخِه والرَّاوي عنه ثقةٌ، ولم يأتِ بحَديثٍ مُنكَرٍ - فهو عِندَه ثقةٌ، ثم تكلَّم على الكُتبِ المُستخرَجةِ على
[ ١٣٤ ]
«الصَّحِيحينِ بقَولِه:
[٦٦] (وَاسْتَخْرَجُوا) أيِ: العُلماءُ (عَلَى الصَّحِيحَيْنِ) «صحيحِ البخاريِّ ومسلمٍ» (بِأَنْ يَرْوِي) الباءُ للتَّصويرِ، أي: يَذكُرَ المُستخرِجُ (أَحَادِيثَ كِتَابٍ)، وإنَّما نكَّره، وإنْ كان الأولَى كونَه مُعَرَّفًا؛ ليُفيدَ أنَّ هذا الحُكمَ غيرُ مُختَصٍّ بهذَينِ الكتابَينِ؛ (حَيْثُ عَنْ) بتَشديدِ النُّونِ، وخُفِّفَت هنا للوَزنِ، أي: ظهَر المَذكورُ منَ الأحاديثِ.
٦٧ - لا مِنْ طَرِيقِ مَنْ إِلَيْهِ عَمَدَا … مُجْتَمِعًا فِي شَيْخِهِ فَصَاعِدَا]
٦٨ - فَرُبَّمَا تَفَاوَتَتْ مَعْنًى، وَفِي … لَفْظٍ كَثِيرًا، فَاجْتَنِبْ أَنْ تُضِفِ
[٦٧] (لا) أي: يروي من طَريقِ نَفسِه، لا (مِنْ طَرِيقِ مَنْ) أيِ: الشخصِ الذي (إِلَيْهِ عَمَدَا)، أي: قَصَده لِاستِخراجِ أحاديثِه، والضميرُ عائدٌ إلى الرَّاوي، أيِ: المُستخرِجُ حالَ كونِه (مُجْتَمِعًا) مع صاحِبِ الكتابِ في الإسنادِ (فِي شَيْخِهِ) أي: مع شيخِ صاحِبِ الكتابِ، (فَصَاعِدَا) أي: فما فوقَ الشَّيخِ، كشيخِ الشَّيخِ، ثمَّ إنَّ المُستخرَجاتِ لم يُلتَزَم فيها موافقةُ الصَّحِيحينِ في الألفاظِ، وإليه أشار بقَولِه:
[ ١٣٥ ]
[٦٨] (فَرُبَّمَا تَفَاوَتَتْ) المستخرَجاتُ والمستخرَجُ عليها (مَعْنًى) أي: في المعنى، وهذا قليلٌ (وَفِي لَفْظٍ كَثِيرًا) أي: تفاوَتَت في لفظٍ تَفَاوُتًا كثيرًا؛ لأنَّهم يَرْوُونَهَا بالألفاظِ التي وَقَعت لهم من شُيوخِهم، (فَاجْتَنِبْ) أيُّها المُحدِّثُ (أَنْ تُضِفِ) أي: تَنسُبَ.
٦٩ - إِلَيْهِمَا، وَمَنْ عَزَا أَرَادَا … بِذَلِكَ الأَصْلَ [وَمَا أَجَادَا]
٧٠ - وَاحْكُمْ بِصِحَّةٍ لِمَا يَزِيدُ … فَهْوَ مَعَ العُلُوِ ذَا يُفِيدُ
[٦٩] (إِلَيْهِمَا) أي: «الصَّحيحينِ»، (وَمَنْ) شرطيَّةٌ (عَزَا) منَ المُحدِّثين كالبيهقيِّ في «السُّننِ»، والبَغويِّ في «شرحِ السُّنةِ» إلى «الصَّحيحَينِ» قائلًا: رواه البخاريُّ أو مسلمٌ، مع أنه قد وَقَع في بعضِه تفاوُتٌ في المعنى، أو في اللفظِ (أَرَادَا) جوابُ «من» والألِفُ للإطلاقِ (بِذَلِكَ) أي: العَزْوِ المذكورِ (الأَصْلَ) أي: أصْلَ الحديثِ الذي أورَدَه، دون اللفظِ، (وَمَا أَجَادَا) بألفِ الإطلاقِ أيضًا، أي: ما أحسَنَ في صَنيعِه هذا.
ولَمَّا ذَكَر المُستخرَجاتِ وحُكمَ العزو إلى «الصَّحِيحَينِ» لمن نَقَل عنها - شَرَع يَذكُرُ فَوائدَها، وهي كثيرةٌ أوصَلَها الحافِظُ إلى عَشَرةٍ؛ فذَكَر منها هنا ثَمانِيةً بقَولِه:
[ ١٣٦ ]
الأولى: صِحَّةُ الزِّيادةِ، وإليها أشار بقَولِه:
[٧٠] (وَاحْكُمْ) أيُّها المُحدِّثُ (بِصِحَّةٍ لِمَا يَزِيدُ)، أي: للَّذي يَزيدُه المُستخرِجُ -بكسرِ الراءِ- في المُستخرَجاتِ -بفَتحِها- من ألفاظٍ؛ لأنَّها خارجةٌ من مَخرجِ الصَّحيحِ.
والثانيةُ: العُلُوُّ، وأشار إليها بقَولِه: (فَهْوَ) أي: المُستخرَجُ (مَعَ العُلُوِ) أي: عُلُوِّ الإسنادِ (ذَا) أي: المَذكورَ من الصِّحَّةِ (يُفِيدُ) الحُكمَ بصِحَّةِ الزِّيادةِ مع إفادتِه العُلُوَّ؛ إذ قد تكونُ الرِّوايةُ المُستخرَجةٌ أعلى إسنادًا.
مِثالُه: أنَّ أبا نُعيمٍ لو روى حديثًا عن عبدِ الرَّزاقِ من طريقِ البخاريِّ أو مسلمٍ، لم يَصِلْ إليه إلا بأربعةٍ، ولو رواه عن طريقِ الطَّبرانيِّ، عنِ الدَّبَرِي، عنه وصَل باثنينِ، وعلى هاتَينِ الفائدَتينِ اقتَصَر ابنُ الصَّلاحِ، وتَبِعَه العراقيُّ.
٧١ - [وَكَثْرَةَ الطُّرْقِ وَتَبْيِينَ الَّذِي … أُبْهِمَ أَوْ أُهْمِلَ أَوْ سَمَاعَ ذِي
[٧١] الثالثةُ: ما أشار إليه بقَولِه: (وَكَثْرَةَ الطُّرْقِ) بسُكونِ الرَّاءِ للتَّخفيفِ: جمعُ طريقٍ، أي: يُفيدُ أيضًا كَثْرةَ الأسانيدِ؛ بأن يَضُمَّ المستخرِجُ -بالكسرِ شخصًا آخرَ فأكثَرَ، مع الذي حدَّث عنه مصنِّفُ الصَّحِيح، فيحصُلَ قوَّةُ الحديثِ المستخرَجِ، والمستخرَجِ عليه؛ فإذا تعارَضتِ الأحاديثُ رُجِّح أكثرُها طُرُقًا.
[ ١٣٧ ]
الرابعةُ: ما أشار إليها بقولِه: (وَتَبْيِينَ الَّذِي أُبْهِمَ) يَعني: تبيينَ المُستخرِجِ -بالكسر- الروايَ الذي أبهَمَه صاحِبُ الصَّحِيحِ، كحدَّثنا فلانٌ، أو رجلٌ؛ فيُعيِّنَه المُستخرِجُ.
والخامسةُ: ما ذَكَرها بقَولِه: (أَوْ) تبيينَ الذي (أُهْمِلَ) في الصَّحيحِ، كحدَّثني مُحمَّدٌ، فيُميِّزَه المُستخرِجُ أيضًا.
والسادسةُ: ما أشار إليها بقَولِه: (أَوْ سَمَاعِ) أي: تبيِينَ سماعِ (ذِي تَدْلِيسٍ) أي: مُدلِّسٍ، فيُبيِّنُ المُستخرِجُ تَصريحَه بالسَّماعِ.
٧٢ - تَدْلِيسٍ أوْ مُخْتَلِطٍ وَكُلُّ مَا … أُعِلَّ فِي الصَّحِيحِ مِنْهُ سَلِمَا]
[٧٢] والسابعةُ: ما أشار إليها بقَولِه: (أوْ مُخْتَلِطٍ) أي: تبيينَ رِوايةِ مُختلِطٍ بكَونِها قبْلَ اختِلاطِه.
والثامنةُ: ما أشار إليها بقولِه: (وَكُلُّ مَا) أيِ: الذي (أُعِلَّ) به حديثٌ (فِي الصَّحِيحِ) أي: صحيحِ البخاريِّ أو مسلمٍ (مِنْهُ) أي: ممَّا أُعِلَّ به (سَلِمَا) بألفِ الإطلاقِ، والمعنى: وكلُّ حديثٍ أُعِلَّ، أي: حَصَلت فيه علةٌ في الصَّحيحِ سَلِمَ المستخرَجُ منه.
[ ١٣٨ ]