٩٨ - الحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالحُسْنِ عَلَى … مَتْنٍ رَواهُ التِّرْمِذِيْ، وَاسْتَشْكَلا
٩٩ - فَقِيلَ: يعْنِي اللُّغَوِي وَيَلْزَمُ … وَصْفُ الضَّعِيفِ وَهْوَ نُكْرٌ لَهُمُ
[٩٨] (الحُكْمُ) مبتدأٌ خبرُه قولُه: «عَلَى متنٍ» … إلخ (بِالصِّحَّةِ وَالحُسْنِ) وكذا الغَرابةِ، وإنَّما لم يَذكُرْها لأنَّها لا تُنافي الصِّحَّةَ والحُسنَ، وقَولُه: (عَلَى مَتْنٍ)، أي: كائنٌ على متنٍ … إلخ (رَواهُ التِّرْمِذِيْ وَ) لكنَّ هذا الاستِعمالَ (اسْتَشْكَلا) والألفِ للإطلاقِ.
ومعنى البيتِ: أنَّ الحُكمَ بالصِّحَّةِ والحُسنِ واقعٌ في كلامِ الإمامِ الترمذيِّ في «جامِعِه» في حديثٍ واحدٍ؛ حيثُ يقولُ: «هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ»، ولكنَّ هذا الاستِعمالَ مُستشكِلٌ قديمًا وحديثًا.
[٩٩] (فَقِيلَ) في الجَوابِ عنه: (يعْنِي) أي: يُريدُ بالحسَنِ معناه (اللُّغَوِي)، وهو ما تَميلُ إليه النَّفسُ، وهذا القَولُ للإمامِ ابنِ الصَّلاحِ -﵀-، (وَيَلْزَمُ) على هذا الجوابِ (وَصْفُ) الحديثِ (الضَّعِيفِ) بل والموضوعِ إذا كان حَسَنَ اللفظِ بأنَّه حسنٌ، (وَهْوَ) أي: الوصفُ المذكورُ (نُكْرٌ) بالضَّمِّ أي: منكرٌ (لَهُمُ) أي: عند المُحدِّثين، وهذا الرَّدُّ لابنِ دقيقِ العيدِ.
[ ١٥٢ ]
١٠٠ - وَقِيلَ: بِاعْتِبَارِ تَعْدَادِ السَّنَدْ … وَفِيهِ شَيْءٌ حَيْثُ وَصْفُ مَا انْفَرَدْ
١٠١ - وَقِيلَ: مَا تَلْقَاهُ يَحْوِي العُلْيَا … فَذَاكَ حَاوٍ أَبَدًا لِلدُّنْيَا
[١٠٠] (وَقِيلَ) في الجوابِ أيضًا، وهو لابنِ الصلاحِ -﵀- أيضًا، وتَبِعه النوويُّ -﵀-: (بِاعْتِبَارِ تَعْدَادِ السَّنَدْ) أيِ: الوصفُ بهذَينِ الوصفَينِ إنَّما يكونُ إذا تعدَّد السَّندُ؛ بأنْ رُوِيَ بإسنادَين أحدُهُما صحيحٌ، والآخَرُ حسنٌ، (وَفِيهِ) أي: في هذا الجوابِ (شَيْءٌ) منْ الاعتِراضِ؛ (حَيْثُ وَصْفُ مَا انْفَرَدْ) أي: حيث وُجِدَ وَصْفُ التِّرمذيِّ -﵀- لسندٍ مُنفَردٍ بالحُسنِ.
وحاصلُ معنَى البيتِ: أنَّه إنَّما يقولُ ذلك لتعدُّدِ سندِه، لكنَّ هذا مُعترَضٌ؛ لأنَّه يقولُ ذلك في الأحاديثِ التي ليس لها إلَّا مَخرَجٌ واحدٌ.
[١٠١] (وَقِيلَ) في الجوابِ أيضًا، وهو للعلَّامةِ أبي الفتحِ بنِ دقيقِ العيدِ (مَا) أيِ: الحديثُ الذي (تَلْقَاهُ) أي: تجِدُه -أيُّها المُحدِّثُ- (يَحْوِي) أي: يجمَعُ الدَّرجةَ (العُلْيَا)، وهي الحفظُ والإتقانُ، وهو معنَى الصِّحَّةِ؛ (فَذَاكَ) أيِ: الحاوي للعُلْيَا (حَاوٍ أَبَدًا) أي: لا محالةَ (لِلدُّنْيَا)، أي: للدَّرجةِ الدُّنيا: تأنيثُ الأدنى، وهي صِفةُ الحُسنِ التي هي كالصِّدقِ؛ فعلى هذا يلزَمُ أن يُقالَ:
[ ١٥٣ ]
١٠٢ - كُلُّ صَحِيحٍ حَسَنٌ لا يَنْعَكِسْ … [وَقِيلَ: هَذَا حَيِثُ رَأْيٌ يَلْتَبِسْ
١٠٣ - وَصَاحِبُ النُّخْبَةِ: ذَا إِنِ انْفَرَدْ … إِسْنَادُهُ، وَالثَّانِ حَيْثُ ذُو عَدَدْ]
١٠٤ - [وَقَدْ بَدَا لِي فِيهِ مَعْنَيَانِ … لَمْ يُوجَدَا لأَهْلِ هَذَا الشَّانِ
[١٠٢] (كُلُّ صَحِيحٍ حَسَنٌ) و(لا يَنْعَكِسْ) ذلك؛ فلا يُقالُ: كلُّ حسَنٍ صحيحٌ، ثمَّ أشار إلى الرَّابعِ بقَولِه: (وَقِيلَ) في الجَوابِ، وهو للحافِظِ ابنِ كثيرٍ -﵀- (هَذَا) أي: وَصْفُه بالوصفَينِ (حَيِثُ رَأْيٌ) للمُجتهِدِ (يَلْتَبِسْ) عليه.
[١٠٣] (وَ) الإمامُ الحافظُ (صَاحِبُ النُّخْبَةِ) أي: أنَّ صاحِبَ «نُخبةِ الفِكَرِ في مُصطلَحِ أهلِ الأثرِ» -وهو الحافِظُ ابنُ حجرٍ -﵀- قال: (ذَا) أي: جوابُ ابنِ كثيرٍ (إِنِ انْفَرَدْ إِسْنَادُهُ) أي: إسنادُ الحديثِ؛ إذ لا يَتَمَشَّى إلَّا عليه، (وَ) ذلك (الثَّانِ) أي: الجوابُ الثاني، من جَوابَيِ ابنِ الصلاحِ -﵀-؛ (حَيْثُ ذُو عَدَدْ) أي: حيثُ رواه ذو تعدُّدٍ، اثنانِ فصاعدًا.
[١٠٤] (وَقَدْ بَدَا) أي: ظهَر (لِي فِيهِ) أي: فيما يقولُ فيه التِّرمذيُّ وغيرُه: حسنٌ صحيحٌ (مَعْنَيَانِ) يكونانِ جوابًا لِمَا اسْتُشْكِلَ (لَمْ يُوجَدَا) هذانِ المعنَيانِ (لأَهْلِ هَذَا الشَّانِ)، ممَّن تكلَّم في هذا المَوضوعِ، ثمَّ فسَّرَهُما بقولِه:
[ ١٥٤ ]
١٠٥ - أَيْ حَسَنٌ لِذَاتِهِ صَحِيحُ … لِغَيْرِهِ، لَمَّا بَدَا التَّرْجِيحُ
١٠٦ - أَوْ حَسَنٌ عَلَى الَّذِيِ بِهِ يُحَدْ … وَهْوُ أَصَحُّ مَا هُنَاكَ قَدْ وَرَدْ]
١٠٧ - وَالحُكْمُ بِالصَّحِّةِ لِلإِسْنَادِ … وَالحُسْنِ دُونَ المَتْنِ لِلنُّقَّادِ
[١٠٥] (أَيْ حَسَنٌ لِذَاتِهِ) أيِ: الحديثُ الذي قيلَ فيه ذلك حسنٌ لذاتِه على الحدِّ الذي مَرَّ بيانُه؛ لكَوِن رجالِه رجالَ الحَسَنِ، وهو (صَحِيحُ لِغَيْرِهِ) لوُجودِ ما يُرَقِّيه إلى درجةِ الصحيحِ؛ (لَمَّا) أي: حينَ (بَدَا) أي: ظهَرَ (التَّرْجِيحُ) أي: المُرجِّحُ، أي: ثبتَت له الصِّحَّةُ حينَ ظهَر المُرجِّحُ، أو لظُهورِ المرجِّحِ، وهذا المعنى يتمَشَّى إذا تعدَّدتِ الطُّرقُ.
[١٠٦] (أَوْ) للتَّقسيمِ: (حَسَنٌ) أيِ: الحديثُ المذكورُ حسنٌ (عَلَى) المعنى (الَّذِيِ بِهِ) أي: بذلك المعنى (يُحَدْ) الحسَنُ على ما تقدَّم؛ لاجتِماعِ شُروطِه، (وَهْوُ) أيِ: الحديثُ المَوصوفُ بالحُسنِ (أَصَحُّ) أي: أقوى (مَا) أيِ: الحديثُ الذي (هُنَاكَ) أي: في ذلك البابِ الذي قيلَ فيه ذلك (قَدْ وَرَدْ) أي: جاء ورُوِيَ.
[١٠٧] (وَالحُكْمُ بِالصَّحِّةِ لِلإِسْنَادِ) أي: حُكْمُ بعضِ الحُفَّاظِ لأيِّ إسنادٍ كان بأنَّه صحيحٌ؛ كقَولِه: هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ، (وَالحُسْنِ)
[ ١٥٥ ]
كقَولِهم: هذا حديثٌ حسَنُ الإسنادِ، وكذا الضَّعفِ (دُونَ المَتْنِ) أي: حالَ كونِ الحُكمِ للإسنادِ، مُتجاوِزًا المتنَ، (لِلنُّقَّادِ) أي: للبُصَراءِ بعِلَلِ الحديثِ.
١٠٨ - [لِعِلَّةٍ أَوْ لِشُذُوذٍ] وَاحْكُمِ … لِلْمَتْنِ إِنْ أَطْلَقَ ذُو حِفْظٍ نُمِي
١٠٩ - [وَلِلْقَبُولِ يُطْلِقُونَ جَيِّدَا … وَالثَّابِتَ الصَّالِحَ وَالمُجَوَّدَا
[١٠٨] (لِعِلَّةٍ أَوْ لِشُذُوذٍ) أي: لأجلِ وُجودِ علَّةٍ قادِحةٍ في ذلك المتنِ، أو لوُجودِ شُذوذٍ فيه، (وَ) لكنِ (احْكُمِ) -أيُّها المُحدِّثُ العَزيزُ، إنْ كُنتَ من ذوي التَّمييزِ- بما حَكَم به النُّقَّادُ للإسنادِ منَ الصِّحَّةِ والحُسنِ (لِلْمَتْنِ) أيضًا (إِنْ أَطْلَقَ) الحُكمَ للإسنادِ بواحدٍ منهما (ذُو حِفْظٍ نُمِي) أي: نُسِب إلى الحفظِ، وهو إشارةٌ إلى أنَّ ذلك الحافِظَ مشهورٌ مُعتمَدٌ عليه في التَّصحيحِ والتَّحسينِ، ممَّن عُرِف بعدمِ التَّفرِقةِ بين اللَّفظَينِ؛ خُصوصًا إنْ كان في مقامِ الِاحتجاجِ.
[١٠٩] (وَلِلْقَبُولِ) أيِ: الحديثُ المقبولُ في الأحكامِ وغيرِها (يُطْلِقُونَ) أي: يَستعمِلُ المُحدِّثون ألفاظًا، منها: (جَيِّدَا وَالثَّابِتَ الصَّالِحَ وَالمُجَوَّدَا) بفتحِ الواوِ المُشدَّدةِ، ومنها: القويُّ، والمعروفُ، والمحفوظُ، والمُشبَّهُ.
[ ١٥٦ ]
١١٠ - وَهَذِهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالحَسَنْ … وَقَرَّبُوا مُشَبَّهَاتٍ مِنْ حَسَنْ
١١١ - وَهَلْ يُخَصُّ بِالصَّحِيحِ الثَّابِتُ … أَوْ يَشْمَلُ الْحُسْنَ نِزَاعٌ ثَابِتُ]
[١١٠] (وَهَذِهِ) الألفاظُ المذكورةُ دائرةٌ (بَيْنَ الصَّحِّيحِ وَالحَسَنْ) فتُستعمَلُ فيهِما.
(وَقَرَّبُوا مُشَبَّهَاتٍ) أي: جعَلوها قريبةً (مِنْ) درجةِ (حَسَنْ)؛ فهي بالنِّسبةِ إليه كنِسبةِ الجيِّدِ إلى الصحيحِ؛ فتُطلَقُ على الحَسَنِ، وما يُقارِبُه.
[١١١] (وَهَلْ يُخَصُّ بِـ) الحديثِ (الصَّحِيحِ الثَّابِتُ) أي: لَفْظُه، يعني: أنَّهم إذا قالوا: هذا حديثٌ ثابتٌ؛ هل هو مُختَصٌّ بالصَّحيحِ؟ (أَوْ يَشْمَلُ الْحُسْنَ) أيضًا؟ فيه (نِزَاعٌ ثَابِتُ) بين المُحقِّقين، وجَزَم في «التدريبِ» بالشُّمولِ.
[ ١٥٧ ]