فقد تأتي رِوايةٌ مُختصَرةُ الألفاظِ، فتأتي بقيَّةُ الطُّرُقِ الأُخرى، فتزيدُ فيها مِنَ الأحكامِ الفقهيَّةِ. وفي ذلك أمثلة كثيرة منها:
ما أخرجه مسلم: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَهُشَيْمٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرِ بْنِ يَعْلَى، - وَيُكْنَى أَبَا يَعْلَى - عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» (^١).
وعند أبي عوانة: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ (^٢) قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (^٣)، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُرْشِلٍ (^٤) قَالَا: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ (^٥)، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ (^٦)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ (^٧)، عَنْ عَبِيدَةَ
السَّلْمَانِيِّ (^٨)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَرْسَلْتُ المِقْدَادَ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَغْسِلُ أُنْثَيَيْهِ وَذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» (^٩).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٠٣) (١٧).
(٢) هو موسى بن سهل الرملي. قال ابن أبي حاتم: صدوق ثقة. وقال في "التقريب": ثقة من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وستين على الصحيح. انظر "تهذيب الكمال" (٢٩/ ٧٥)، و"السير" (١٣/ ١٤٩)، و"التقريب" ص ٥٥١.
(٣) هو محمد بن عبد العزيز الرملي. قال أبو حاتم: أدركته ولم يقض لي السماع منه، كان عنده غرائب، ولم يكن عندهم بالمحمود، وهو إلى الضعف ما هو. وقال ابن حجر في "مقدمة الفتح هدي الساري" فيمن: وثقه العجلي، وقال يعقوب بن سفيان: كان حافظًا. وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. وقال: روى له البخاري حديثين. وبيَّن أنه توبع فيهما. وقال في "التقريب": صدوق يهم وكانت له معرفة. انظر:"تهذيب الكمال" (٢٦/ ١١)،و"تهذيب التهذيب" (٩/ ٣١٣)، و"مقدمة الفتح هدي الساري" ص (٤٤١)، و"التقريب" ص ٤٩٣.
(٤) هو يزيد بن خالد بن مرشل القرشى أبو مسلمة من أهل يافا. قال الذهبي في"تاريخ الإسلام" (١٥/ ٤٥٠): قال ابن سميع: ثقة عاقل. وذكره ابن حبان في "الثقات" (٩/ ٢٧٥)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٩/ ٢٥٩).
(٥) هو سليمان بن حيان الأزدي، أبو خالد الأحمر الكوفي الجعفري. نعته في "السير" بقوله: الإمام الحافظ. وقال في "التقريب": صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة تسعين أو قبلها، وله بضع وسبعون (ع). انظر: "تهذيب الكمال" (١١/ ٣٩٤)، و"السير" (٩/ ١٩)،و"تهذيب التهذيب" (٤/ ١٨١)، و"التقريب" ص (٢٥٠).
(٦) هو هشام بن حسان الأزدي القردوسي. قال العجلي: بصري ثقة حسن الحديث، يقال: إن عنده ألف حديث حسن ليست عند غيره. ورأيت بعضهم قال: له نحو مائَتَيْ حديث، فكأنه أراد المسند. وقال الذهبي في "السير": هشام قد قفز القنطرة، واستقرَّ توثيقه، واحتجّ به أصحاب الصحاح، وفي"التقريب": ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال لأنه قيل: كان يرسل عنهما من السادسة مات سنة سبع أو ثمان وأربعين (ع). انظر: "السير" (٦/ ٣٥٥)،و"تهذيب الكمال" (٣٠/ ١٨١)، و"التقريب" ص (٥٧٢).
(٧) ولد لسنتين بقيتا من خلافة عُثْمَان. قال هشام بن حسان: حدثني أصدق من أدركت من البشر محمد بن سيرين. وقال أيضًا: أدرك محمد ثلاثين صحابيًّا. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا عاليًا رفيعًا فقيهًا إمامًا كثير العلم ورعًا، وكان به صمم. وقال ابن جرير الطّبريّ: كان ابن سيرين فقيهًا عالمًا وَرِعًا أديبًا كثير الحديث صدوقًا، شهد له أهل العلم والفضل بذلك وهو حجة. وقال في "التقريب": ثقة ثبت عابد كبير القدر كان لا يرى الرواية بالمعنى من الثالثة مات سنة عشر ومائة (ع). ترجمته في: "تهذيب الكمال" (٢٥/ ٣٤٤)، "السير" (٤/ ٦٠٦)، "التقريب" ص (٤٨٣).
(٨) هو عبيدة بن عمرو، ويقال ابن قيس بن عمرو السلماني. قال في "التقريب": مخضرم فقيه ثبت. ترجمته في: " السير" (٤/ ٤٠)، و"تهذيب الكمال" (١٩/ ٢٦٦)، و"تهذيب التهذيب" (٧/ ٨٤)، و"التقريب" ص (٣٧٩).
(٩) أخرجه أبو عوانة (٧٦٥).
[ ٥٨ ]
فجاءت هنا زيادة «أُنْثَيَيْهِ» (^١) في الواجب غسلها.
وقد صحح أبو عَوَانة هذه الزيادة في "صحيحه" (^٢)، والنووي في "المجموع" (^٣)، والحافظ ابن حجر في "التلخيص" (^٤).
* * *
_________________
(١) وهذه الزيادة جاءت من حديث علي من طرق عنه: فمن طريق عروة جاءت بدون واسطة، وبواسطة المقداد. ورواية عروة عن علي أخرجها أبو داود (٢٠٨). قال الألباني في صحيح أبي داود عقب الحديث (٢٠٣): وهذا إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال البخاري، وقد أُعِلَّ بالإرسال والانقطاع. ففي "التهذيب": قال ابن أبي حاتم عن أبيه: عُروة بن الزبير عن علي مرسلٌ. وقال المحقق أحمد شاكر في تعليقه على "المسند" (٢/ ٢١٨): وهذا نقل خطأ، فليس موجودًا في المراسيل لابن أبي حاتم (ص ٥٥)، ثم هو في نفسه خطأ، لأن عروة ولد في خلافة عمر، وكان يوم الجمل ابن ثلاث عشر سنة. وفي "التهذيب" عن مسلم بن الحجاج في كتاب "التمييز": حج عروة مع عثمان، وحفظ عن أبيه فمَن دونهما من الصحابة، وهذا الثبت. قلت - أي الألباني -: أما كونه في نفسه خطأ؛ فهو ظاهر، وأما كون النقل خطأ فغير ظاهر، لاحتمال وجوده في كتاب آخر لابن أبي حاتم كـ "العلل" أو غيره مما لم يصل إلينا. قال الباحث: هو في "علل الحديث" (١/ ٦٠٦) مسألة. وأخرج رواية عروة أحمد (١٠٠٩)، وقال شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، ورواية عروة بن الزبير عن علي مرسلة فيما قاله أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، نقله عن الأول ابنه في "المراسيل" ص (١٤٩)، وفي "العلل" (١/ ٥٤)، وعن الثاني العلائي في "جامع التحصيل" ص (٢٣٦). وانظر ما بعده. وأخرجه عبد الرزاق (٦٠٢) و(٦٠٣)، وأبو داود (٢٠٩)، والنسائي ١/ ٩٦ من طرق عن هشام بن عُروة، بهذا الإسناد. - ومن طريق عبيدة السلماني طريق أبي عوانة. قال الألباني في صحيح أبي داود عقب (٢٠٤): إسناده صحيح. - ومن طريق حصين بن قبيصة أخرجه أحمد (١٢٣٨). وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: حسن لغيره، شريك النخعي- وإن كان سيئ الحفظ - قد تُوبع، وباقي رجاله ثقات. - ومن طريق محمد بن الحنفية أخرجه ابن الأعرابي في "معجمه" (٩٧٩). - وطريق رافع بن خديج بلفظ: «يَغْسِلُ مَذَاكِيرَهُ وَيَتَوَضَّأُ». أخرجه النسائي في الكبرى (١٥٠)، وابن حبان (١١٠٥)، وقال شعيب الأرنؤوط: رجاله رجال الشيخين غير إياس بن خليفة، فقد روَى له النسائي ولم يوثقه غير [ابن حبان] ٤/ ٣٤، ولم يرو عنه غير عطاء، وقال الذهبي في "الميزان": لا يكاد يعرف، وقول الحافظ في "التقريب": صدوق. فيه ما فيه. وابن أبي نجيح: هو عبد الله بن أبي نجيح يسار الثقفي المكي ثقة، روَى له الستة. قال في اللسان عن "التهذيب": ومن أجله يُسَمَّى ما يليه المذاكير. ومن حديث عبد الله بن سعد الأنصاري كما في سنن أبي داود (٢١١). قال الألباني في صحيح أبي داود (٢٠٦): إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، غير حرام بن حكيم. قال دحيم والعجلي: ثقة. وكذا قال الحافظ في "التقريب". ثم قال الألباني: قال النووي في "المجموع" (٢/ ١٤٥): رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح. ومن حديث أُبَيّ بن كعب أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١١٧٠) ولفظه: «لِيَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ، وَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيُصَلِّ». قال شعيب الأرنؤوط: محمد بن عبد ربه، ذكره المؤلف [ابن حبان] في "الثقات" (٩/ ١٠٧) وقال: يخطِئ ويخالف، وقد تابعه عليه نعيم بن حماد عند الطحاوي (١/ ٥٤) وباقي رجاله ثقات.
(٢) انظر "صحيح سنن أبي داود" (١/ ٣٨٠).
(٣) (٢/ ١٤٥).
(٤) "تلخيص الحبير" (١/ ٢٠٦) وقال: رواه أبو عوانة في صحيحه من حديث عبيدة عن علي بالزيادة، وإسناده لا مطعن فيه.
[ ٥٩ ]
[مثال آخر] جاء عند مسلم أيضًا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، وقَالَ زُهَيْرٌ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ) (^١).
* * *
وعند أبي عوانة: حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ (^٢)،
عَنِ الشَّافِعِيِّ (^٣)، قثنا سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، وَزَادَ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» (^٤).
فجاءت هنا زيادة وهي أمر الرسول بأن يدعوا الناس يجلبون بضاعتهم للبلدة، ولا يتلقوهم، وذلك للمصلحةِ العامة من خوف الاحتكار ورفع الأسعار على أهل البلدة وبخس بضاعة البادي.
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٥٢٠).
(٢) هو إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزنيّ، أبو إبراهيم. نعته الذهبي في السير بقوله: الإمام العلامة فقيه الملة، علم الزهاد، تلميذ الشافعيِّ. وهو قليل الرواية، ولكنه كان رأسًا في الفقه. قال ابن أبي حاتم: صدوق. وقال ابن يونس: ثقة. تُوفِّي سنة ٢٦٣ هـ. وانظر ترجمته في: "تاريخ الإسلام" (٢٠/ ٦٦)، "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٩٢)،
(٣) هو الإمام الشَّافعيّ محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السَّائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هشام بن المُطَّلِب ابن عبد مَنَافٍ بن قُصَيِّ بن كلاب بن مرَّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب. نعته في السير بقوله: الإمام، عالم العصر، ناصر الحديث، فقيه الملة، أبو عبد الله القرشيّ ثم الْمُطَّلِبيُّ، الشَّافعيُّ، المكِّيُّ، الغَزِّيُّ المولد، نسيب رسول الله - ﷺ - وابن عمه، فالمطلب هو أخو هاشم والد عبد الْمُطَّلب. وقال المزي: إمام عصره وفريد دهره. وقال في "التقري: نزيل مصر، رأس الطبقة التاسعة، وهو المجدد لأمر الدين على رأس المائتين، مات سنة أربع ومائتين وله أربع وخمسون سنة. ترجمته في: "تاريخ الإسلام" (١٤/ ٣٠٤)، "سير أعلام النبلاء" (١٠/ ٥)، " تهذيب الكمال" (٢٤/ ٣٥٥)، " تهذيب التهذيب" (٩/ ٢٥)، "التقريب" ص (٤٦٧).
(٤) أخرجه أبو عوانة (٤٩٤٨).
[ ٦٠ ]
وجاء أيضًا في مسلم: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلَا يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا، وَيَذْكُرَ اسْمَ اللهِ،
فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ». وَلَمْ يَذْكُرْ قُتَيْبَة فِي حَدِيثِهِ "وَأَغْلِقُوا الْبَابَ (^١).
* * *
وجاءت الرواية عند أبي عوانة: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ (^٢)، وَأَبُو دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ (^٣)، قَالا: ثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ (^٤)، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ (^٥)، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ:
(أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ، أَنْ نُغْلِقَ أَبْوَابَنَا، وَنُطْفِئَ سُرُجَنَا، وَنُوكِئَ أَسْقِيَتنَا، وَنُغَطِّيَ آنِيَتَنَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَلَا سِقَاءً مُوكَأً، وَلا إِنَاءً مُغَطًّى، وَإِنَّ الْفَأْرَةَ تُضْرِمُ الْبَيْتَ عَلَى أَهْلِهِ بِسِرَاجِهِمْ).
فذكر: زَادَ أَبُو دَاوُدَ: (وَنَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ بِالشِّمَالِ، وَنَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ يَحْتَبِيَ أَحَدُنَا وَفَرْجُهُ مُفْضِيًا إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ نَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ) (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٠١٢). والفويسقة هي الفأرة. مسند أحمد (١١٧٥٥).
(٢) هو محمّد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، أبو جعفر الكوفي السراج. قال ابن أَبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: صدوق. وسمعت منه مع أبي وهُوَ صدُوق ثقة. وكذا وثّقه النسائي وابن حجر في "التقريب" وابن حبان. مات سنة ٢٦٠، ويُقال: ٢٥٨. انظر: "تهذيب الكمال" (٢٤/ ٤٧٧)،"تهذيب التهذيب" (٩/ ٥٨)، و"التقريب" ص (٤٨٦).
(٣) هو سليمان بن سيف بن يحيى بن درهم الطائي مولاهم، أبو داود الحراني الحافظ. نعته الذهبي في "السير" بقوله: الحافظ الكبير، أبو داود الحَرَّانيّ الطَّائيّ مولاهم، محدِّث حَرَّان. قال في "التقريب": ثقة حافظ من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وسبعين. انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٣/ ١٤٧)، و"تهذيب الكمال" (١١/ ٤٥٠)، و"تهذيب التهذيب" (٤/ ١٩٩)، "التقريب" ص (٢٥٢).
(٤) هو يعلى بن عُبيد بن أبي أمية الإيادي، ويُقال: الحنفي، مولاهم أبو يوسف الطنافسي الكوفي. نعته الذهبي في "السير" بقوله: الحافظ الثقة الإمام. قال أحمد بن حنبل: كان صحيح الحديث، وكان صالحًا في نفسه. وقال أبو حاتم: صدوق. ووثقه الدارقطني، قال في "التقريب" إذ قال: ثقة إلا في حديثه عن الثوري، ففيه لين (ع). ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٤٧٦)، "تهذيب التهذيب" (١١/ ٤٠٢)، و"التقريب" ص (٦٠٩).
(٥) هو عبد الملك بن أبي سليمان واسمه ميسرة الكوفي. نعته الذهبي في "السير" بقوله: الإمام الحافظ. وقال: وليس هو بالمكثر وكان يوصف بالحفظ. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو زرعة الرازي: لا بأسَ به. وقال ابن عمّار: ثقة حُجّة. وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث. وقال الترمذي: ثقة مأمون لا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة. وقال ابن حجر في "التهذيب": أحد الأئمة. وقال: استشهد به البخاري في "الصحيح"، وروى له فِي "رفع اليدين"، وفي "الأدب"، وروى لَهُ الباقون. انظر: "سير أعلام النبلاء" (٦/ ١٠٧)، و"تهذيب الكمال" (١٨/ ٣٢٢)، و"تهذيب التهذيب" (٦/ ٣٩٦)، و"التقريب" ص (٣٦٣).
(٦) أخرجه أبو عوانة مبتدأ كتاب الأشربة، من ذلك إباحة شرب النبيذ في جماعة ليوم، وليلة، وإباحة شرب الماء، وغيره في القدح، والسُّنَّة فيه، وإباحة السؤال بشرب الماء واللبن، والدليل على أنّ أفضل الشراب اللبن، باب: بيان الأخبار الموجبة تغطية الإناء، وإِيكاء السّقاء، وإطفاء المصابيح عند النوم، وغلق الأبواب، وإمساك الصبيان عند المساء، والدليل على أنّ تغطية الإناء، وإِيكاء السِّقاء، بالليل أوجب منه بالنهار (٨١٥٦).
[ ٦١ ]
فزاد هذه الأحكام والتوجيهات الوقائية حيث جاء النهي بالأكل بالشمال للتحريم لما جاء في السنة في وجوب الأكل باليمين عن النبي ﷺ: (إذا أكل أحدُكم فليأكُل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه)، وأيضًا في الحديث: (أن النبي ﷺ رأى رجلًا يأكُل بشماله، فقال له: كُلْ بيَمينك، قال: لا أستطيعُ، فقال: لا استطعت! فمَا رفعَها إلى فِيه بعدُ). وفيه إشارة إلى أنه ينبغي اجتنابُ الأفعال التي تُشبهُ أفعالَ الشيطان، وأن للشيطان يدين، وأنه يأكُل ويشرب بشماله.
وقيل: إن الرسول ﷺ نهَى أن نمشي في نعل واحدة؛ لأن النعل شُرعتْ وقاية الرِّجل عما يكون في الأرض مِن شَوك أو نحوه، فإذا انفرَدَت إحدى الرِّجْلين احتاج الماشِي أن يَتوقّى لإحدى رِجليه ما لا يَتوقى لأخرى، فيخرُجُ بذلك عن سجِيّة مشيهِ، ولا يأمَن مع ذلك مِن العَثَار.
وقيل: لأنه لم يعدل بين جوارحه، وربما نُسِب فاعل ذلك إلى اختلالِ الرأي، أو ضَعْفِهِ، وقيل: للكرَاهة فيه للشُّهرة، فتَمتدُّ الأبصار لمن تَرَى ذلك منه.
وجاء النهيُ عن الاحتباء، وهو: أن يقعد على إليتيه، وينصِب ساقيه، ويلف عليه ثوبًا. ويقال له: الحبوة، وكانت من شأن العرب (مُفضيًا بفَرْجهِ إلى السماء) أي: لم يكن بين فرْجهِ وبين السماء شيءٌ يواريه، فالنهي عن الاحتباء، إنما هو بقيدِ كشفِ الفَرْج، وإلا فهو جائز.
وجاء تفسير الصمّاء: أن يحتبي الرجل في ثوب واحد، وليس على فَرْجه منه. قال أهل اللغة: هو أن يُجلل جسدَه بالثوب لا يرفع منه جانبًا ولا يَبقى ما يخرج منه يده.
قال ابن قتيبة: سُميت صماء؛ لأنه يسُدُّ المنافذَ كلها فتصير كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق.
وقال الفقهاء: هو أن يلتحف بالثوب، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبيه، فيصير فرجه باديًا.
قال النووي: فعلى تفسير أهل اللغة يكون مكروهًا لئلا يعرض له حاجة، فيتعسَّر عليه إخراج يده، فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء يحرُم لأجل انكشاف العَورة
* * *
[ ٦٢ ]