وهو إذا وجد حديثان متعارضان ولم يمكن الجمع بينهما نلجأ إلى الترجيح، ووجوه الترجيح كثيرة ذكرها الحازمي في كتابه " الاعتبار " ومنها كثرة الطرق، وهي مؤثرة في باب الرواية، لأنها تقرب مما يوجب العلم، وهو التواتر. (^١)
مثال ذلك ما رواه مسلم: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، سَمِعَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ:
(بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) (^٢).
* * *
وعند أبي عوانة: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَيَّارٍ (^٣)، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ (^٤) قَالَ: أنبا سُفْيَانُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرًا يُحَدِّثُ حِينَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ (فَإِنِّي بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي هَذِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَاشْتَرَطَ عَلَيَّ النُّصْحَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ). فَوَرَبِّ الْكَعْبَةِ إِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ أَجْمَعِينَ. وَاسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ (^٥).
_________________
(١) انظر: "صيانة صحيح مسلم" لابن الصلاح ص (٨٨)، و"تدريب الراوي" (١/ ١١٥).
(٢) أخرجه مسلم (٥٦).
(٣) هو إسحاق بن سَيَّار بن محمد أبو يعقوب النصيبِيُّ. نعته في "السير" بقوله: الإمام الحافظ الثبت. وفي"تاريخ الإسلام" بقوله: وكان من كبار العلماء. قال ابن أبي حاتم: كان صدوقًا ثقة. ترجمته في: "تاريخ الإسلام" (٢٠/ ٣٠١)، و"سير أعلام النبلاء" (١٣/ ١٩٤).
(٤) هو عُبَيد الله بن موسى بن أَبي المختار، واسمه باذام العبسي، مولاهم أبو محمد الكوفي. نعته في "السير" بقوله: الإمام الحافظ العابد، وكان من حفَّاظ الحديث، مجوِّدًا للقرآن. وقال أبو حاتم: صدُوقٌ ثقة حَسَنُ الحديث، وأبو نعيم أتقنُ منه، وأبو عبيد الله أثبتهم في إسرائيل، كان يأتيه فيقرأ عليه القرآن. وقال في "التقريب": ثقة كان يتشيع (ع). توفي سنة ٢١٣ هـ. ترجمته في: "تاريخ الإسلام" (١٥/ ٢٨٣)، و"سير أعلام النبلاء" (٩/ ٥٥٣)، و"تهذيب الكمال" (١٩/ ١٦٤)، و"تهذيب التهذيب" (٧/ ٥٠)، و"التقريب" ص (٣٧٥)، و"هدي الساري" ص (٤٢٣) و(٤٦٠).
(٥) أخرجه أبو عَوانة (١٠٦).
[ ٦٧ ]
أبو عَوَانة في هذا الحديث لم يلتق فيه بمسلم في شيخه، ولا في شيخ شيخه ابن عُيينة، إنما في شيخ ابن عُيينة، ومن الفوائد في الإسناد أن مسلمًا روى هذا الحديث من حديث سفيان بن عيينة، ورواه أبو عَوانة من رواية سفيان الثوري متابعةً لابن عُيينة، كلاهما عن زياد، وذلك يعني زيادة طرق للحديث. أما المتن فإنّ مسلمًا لم يروِ هذا الحديث بهذا التمام، وجاء عند أبي عوانة زيادة في الحديث من أن الحديث قيل بعد وفاة المغيرة بن شعبة عندما كان واليًا على الكوفة، وأنه قام خطيبًا بالناس، ودعَاهم إلى تقوى اللهِ والتزام السَّكينة والوقار حتى لا يكون فوضى ولغط، وذكر أنه بايع النبي ﷺ وشرط عليه النصيحة للمسلمين.
* * *
[ ٦٨ ]
ومن ذلك أيضًا حديث أصحاب الغار في "صحيح مسلم".
قال مسلم في "صحيحه": حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيِّبِيُّ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ أَبَا ضَمْرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ، فَادْعُوا اللهَ تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ اللهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَامْرَأَتِي، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ، حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ، فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ، فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ مِنْهَا فُرْجَةً، فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ، وَقَالَ الْآخَرُ: اللهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ،
فَجِئْتُهَا بِهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ عَنْهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، فَفَرَجَ لَهُمْ، وَقَالَ الْآخَرُ: اللهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَظْلِمْنِي حَقِّي، قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا، فَخُذْهَا فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا، فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ اللهُ مَا بَقِيَ» (^١).
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم كتاب الرقاق، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتّوسل بصالح الأعمال (٢٧٤٣).
[ ٦٩ ]
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (^١)، قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، ح وحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ (^٢)، عَنْ عُبَيْدِ
اللهِ، ح وحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ الْبَجَلِيُّ (^٣)، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَرَقَبَةُ بْنُ مَسْقَلَةَ، ح وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ يَعْنُونَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي ضَمْرَةَ، عَنْ مُوسَى ابْنِ عُقْبَةَ وَزَادُوا فِي حَدِيثِهِم: «وَخَرَجُوا يَمْشُونَ»، وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ «يَتَمَاشَوْنَ» إِلَّا عُبَيْدَ اللهِ فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ: «وَخَرَجُوا» وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهَا شَيْئًا (^٤).
* * *
_________________
(١) هو عبد بن حميد. ويقال: اسمه عبد الحميد بن حميد، ولكن خُفِّف. الكَشّي كذا في "لب اللباب" ص (٢٢٢). بالفتح والتشديد نسبة إلى كش، قرية على ثلاث فراسخ من جرجان. وفي "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه" (٣/ ١٢١٧) بيَّن أن (كش) تُعَرَّب إلى (كس) فينسب إليها فيقال: (الكِسيّ) بكسر الكاف وإهمال السين. نعته في "السير" بقوله: هو الإمام الحافظ الحجة الجوَّال. ونعته في " تاريخ الإسلام" بقوله: صنّف "المسْنَد الكبير" الذي وقع لنا منتخبه، و"التّفسير"، وغير ذلك. وكان أحد الحفّاظ بما وراء النّهر. علّق له الْبُخَارِيّ فِي دلائل النُّبُوة من" صحيحه". وقال ابن حبان في كتاب " الثقات": وكان ممن جمع وصنف، مات سنة تسع وأربعين ومائتين. وقال في "التقريب": ثقة حافظ. ترجمته في: "تاريخ الإسلام" (١٨/ ٣٤١)، "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٢٣٥)، "تهذيب الكمال" (١٨/ ٥٢٤)، "التقريب" ص (٣٦٨).
(٢) هو عليّ بن مسهر أبو الحسن القُرشيُّ من أنفسهم. نعته الذهبي في "السير" بقوله: العلامة الحافظ. وقال: كان من مشايخ الإسلام. وقال أبو زرعة: صدوق ثقة. وقال العقيلي: قال أبو عبد الله، يعني أحمد، لما سئل عنه: لا أدري كيف أقول، قال: كان قد ذهب بصره فكان يحدثهم من حفظه. وقال في "التقريب": ثقة له غرائب بعد أن أضر، من الثامنة مات سنة تسع وثمانين (ع). ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" (٨/ ٤٨٤)، "تهذيب الكمال" (٢١/ ١٣٥)، "التقريب" ص (٤٠٥).
(٣) هو محمد بن طريف بن خليفة البجلي أبو جعفر الكوفي. قال أبو زرعة: محله الصدق. وفي موضع آخر: لا بأس به. وقال الخطيب: كان ثقة. وقال في " الكاشف": ثقة صاحب حديث. وفي "التقريب": صدوق. تُوُفِيَّ سنة ٢٤٢. ترجمته في: "تهذيب الكمال" (٢٥/ ٤٠٩)،"الكاشف" (٢/ ١٨٣)، "التقريب" ص (٤٨٥).
(٤) أخرجه مسلم (٢٧٤٣).
[ ٧٠ ]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِهْرَامَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ - قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا - أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى غَارٍ» وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: «اللهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، فَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا»، وَقَالَ: «فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى
أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ» وَقَالَ: «فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ، فَارْتَعَجَتْ». وَقَالَ: «فَخَرَجُوا مِنَ الْغَارِ يَمْشُونَ» (^١).
فهذه القصة رواها أبو عوانة من طريق ثلاثين من شيوخه عن عدد من الصحابة، هم عبدالله بن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك وأم المؤمنين عائشة والنعمان بن بشير وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وعقبة بن عامر.
قال ابن حجر عنه في "فتح الباري" (^٢): جمع أبو عوانة طرق هذا الحديث.
_________________
(١) المرجع السابق نفسه.
(٢) (٦/ ٥١٠).
[ ٧١ ]
وقد أوردت حديثًا واحدًا لكل صحابي اختصارًا للمسألة، ففي مسند أبي عوانة:
قال أبو عوانة: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُسْلِمٍ (^١)، قثناحَجَّاجٌ (^٢)، قَالَ: أنبا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا نَفَرٌ ثَلَاثَةٌ يَمْشُونَ أَخَذَهُمْ مَطَرٌ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى غَارِهِمْ صَخْرَةٌ
مِنَ الْجَبَلِ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً، فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدِانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَامْرَأَتِي وَصِبْيَةٌ صِغَارٌ فَكُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ صِبْيَتِي وَأَهِلِّي، وَإِنِّي أُحْتُبِسْتُ يَوْمًا فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، وَجِئْتُ بِالْحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي، وَدَأْبَهُمْ، حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فُرْجَةً فَرَأَوُا السَّمَاءَ،
_________________
(١) هو يوسف بن سعيد بن مُسَلَّم (بالتشديد، قاله النسائي) المصيصي، أَبُو يعقوب، نزيل أنطاكية. نعته في "السير" بقوله: الإمام الحافظ الحجة المُصَنِّف. قال النسائي: ثقة حافظ. وقال ابن أبي حاتم: كان ثقة صدوقًا. وقال مسلمة بن قاسم: ثقة حافظ وأبوه ثقة. وقال في "التقريب": ثقة حافظ. تُوُفِيَّ سنة ٢٧١، وقيل: قبلها. ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٦٢٢)،"تهذيب الكمال" (٣٢/ ٤٣٠)،"التقريب" ص (٦١١).
(٢) هو حجاج بن محمد المصيصي. نعته في "السير" بقوله: الإمام الحجة الحافظ. وفي "ميزان الاعتدال" قال: أحد الثقات. قال أحمد: ما كان أضبطه وأشد تعاهده للحروف ورفع أمره جدًّا. وقال: وكان صحيح الأخذ. وقال علي بن المديني والنسائي: ثقة. وذكره بن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: تحول إلى المصيصة، ثم قدم بغداد في حاجة له فمات بها سنة (٢٠٦) كان ثقة صدوقًا إن شاء الله، ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٤٤٧)، "تهذيب الكمال" (٥/ ٤٥١)، "التقريب" ص (١٥٣)، "الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات" (١/ ٤٥٦).
[ ٧٢ ]
وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرَّجُلُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ فِيهَا، حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَجِئْتُهَا بِهَا فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ عَنْهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فَفَرَجَ اللَّهُ لَهُمْ فُرْجَةً، وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ رُزٍّ فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ، قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ، فَتَرَكَ وَرَغِبَ عَنْهُ فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، ثُمَّ جَاءَنِي، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا، قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي، فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ خُذْ تِلْكَ الْبَقَرَ وَرَاعِيَهَا فَأَخَذَهَا، فَقَالَ: أَتَهْزَأُ بِي فَقُلْتُ: اذْهَبْ فَخُذْهَا فَذَهَبَ بِهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا فَفَرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ») (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو عوانة، مبتدأ كتاب البيوع، باب: ذكر الخبر الدّال على الإباحة لمتولِّي مال غيره أن يصرفه في تجارة، ومعاملة لمنفعة صاحبه، والإباحة لصاحبه أخذ ربحته ومنفعته (٥٥٤٩).
[ ٧٣ ]
وأما الحديث المروي عن أنس
فقد قال أبو عوانة: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ (^١)، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَلَدِيُّ (^٢) قثنا الْهَيْثَمُ ابْنُ جَمِيلٍ (^٣)، قثنا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ (^٤)، عَنِ الْحَسَنِ (^٥)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "أَنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ أَوَوْا إِلَى غَارٍ فَانْطَبَقَ الْغَارُ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (^٦).
_________________
(١) سبقت ترجمته.
(٢) هو إبراهيم بن الهيثم بن المهلب أبو إسحاق البلدي. قال ابن عدي: حدث ببغداد بحديث الغار عن الهيثم بن جميل عن مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكذبه فيه الناس وواجهوه به. وقال: إبراهيم بن الهيثم أحاديثه مستقيمة سوى هذا الحديث الواحد الذي أنكروه عليه، وقد فتشت عن حديثه الكثير فلم أر له منكرًا يكون من جهته إلا أن يكون من جهة من روى عنه. قال الخطيب البغدادي "تاريخ بغداد" (٧/ ١٦٤): قد روى حديث الغار عن الهيثم جماعة، وإبراهيم بن الهيثم عندنا ثقة ثبت لا يختلف شيوخنا فيه، وما حكاه ابن عدي من الإنكار عليه لم أر أحدًا من علمائنا يعرفه، ولو ثبت لم يؤثر قدحًا فيه؛ لأن جماعة من المتقدمين أنكر عليهم بعض رواياتهم، ولم يمنع ذلك من الاحتجاج بهم. وقال الدارقطنيّ: ثقة. ترجمته في: " تاريخ الإسلام" (٦/ ٥١٠)، " تاريخ بغداد " (٧/ ١٦٤)، " الثقات" " (٨/ ٨٨)، " الكامل" (١/ ٤٤٣).
(٣) هو الهيثم بن جَميل البغدادي أبو سهل نزيل أنطاكية. نعته في "السير" بقوله: الحافظ الإمام الكبير الثبت. وقال أحمد: ثقة. وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. وقال الدارقطني: ثقة حافظ. وقال ابن عدي: ليس بالحافظ يغلط على الثقات، وأرجو أنه لا يتعمد الكذب. وقال أبو نعيم الأصبهاني: إنه متروك، ذكر ذلك في "أماليه". قال الذهبي في "الكاشف": حجة صالح. وقال ابن حجر في "التقريب": ثقة من أصحاب الحديث وكأنه ترك فتغير. تُوُفِيَّ ٢١٣. ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" (١٠/ ٣٩٦)، " تهذيب الكمال" (٣٠/ ٣٦٥)، "تهذيب التهذيب" (١١/ ٩٠)، "التقريب" ص (٥٧٧).
(٤) هو مبارك بن فضالة بن أبي أمية أبو فضالة البصري. نعته في " السير" بقوله: الحافظ المحدِّث الصادق الإمام، من كبار علماء البصرة. وقال: هو حسن الحديث، ولم يذكره ابن حبان في "الضعفاء"، وكان من أوعية العلم. استشهد به البخاريّ في "الصحيح". وقال في "التقريب": صدوق يدلس ويسوي. تُوُفِيَّ ١٦٦. ترجمته في: " سير أعلام النبلاء" (٧/ ٢٨١)، " تهذيب الكمال " (٢٧/ ١٨٠)،"التقريب" ص (٥١٩).
(٥) هو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري الإمام، أبو سعيد. قال في "الكاشف": كان كبير الشأن رفيع الذكر رأسًا في العلم والعمل. وقال في "الميزان": كان ثقة في نفسه، حجة رأسًا في العلم والعمل، عظيم القدر، وقد بدت منه هفوة في القدر لم يقصدها لذاتها، فتكلموا فيه، فما التفت إلى كلامهم. وقال في "التقريب": ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيرًا ويدلس. قال البزار: كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ويقول: حدثنا وخطبنا يعني قومه الذين حُدِّثوا وخُطبوا بالبصرة. تُوُفِيَّ ١١٠ (ع). ترجمته في:"سير أعلام النبلاء" (٤/ ٥٦٣)،"تهذيب الكمال" (٦/ ٩٥)، "التقريب" ص (١٦٠)، "ميزان الاعتدال" (١/ ٥٢٧)، "الكاشف" (١/ ٣٢٢).
(٦) أخرجه أبو عوانة، مبتدأ كتاب البيوع، باب: ذكر الخبر الدَّالّ على الإباحة لِمُتَوَلِّي مال غيره أن يصرفه في تجارة، ومعاملة لمنفعة صاحبه، والإباحة لصاحبه أخذ ربحته ومنفعته (٥٥٧٠).
[ ٧٤ ]