السنة النبوية في ميزان الشرع
هي الأصل الثاني بعد القرآن الكريم، والتطبيق العملي لِمَا جاء فيه، وهي الكاشفة لغوامضه، المجلِّيَة لمعانيه، الشارحة لألفاظه ومبانيه، وإذا كان القرآن قد وضع القواعد والأسس العامة للتشريع والأحكام، فإن السنة قد عُنيت بتفصيل هذه القواعد، وبيان تلك الأسس، ولذا فإنه لا يمكن للدين أن يكتمل وأن يتم إلا بأخذ السنة جنبًا إلى جنب مع القرآن، وقد جاءت الآيات الكثيرة والأحاديث المتواترة آمرة بطاعة الرسول ﷺ، والاحتجاج بسنته والعمل بها، وقد أمر ﷾ باتّباع السنة والتمسك بها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
[ ١١ ]
وجاء في الحديث الصحيح عن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وَجلتْ منها القلوبُ، وذرَفتْ منها العُيونُ، فقلنا: يا رسولَ الله، كأنها مَوعظةُ مُودِّع، فأوصِنَا، فقال: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُم وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ (^١)».
رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
_________________
(١) أبو داود في كتاب السنة، باب: في لزوم السنة (٤٦٠٧)، والترمذي في كتاب العلم عن رسول الله ﷺ باب: ما جاء في الأخذ بالسُّنّة واجتناب البدع (٢٦٧٦)، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح، وابن ماجة في المقدمة (٤٢). والبغوي في "شرح السنة" (١/ ٢٠٥) وقال: هذا حديث حسن، وأحمد (١٧١٤٢)، (١٧١٤٤)، (١٧١٤٥)، والجوزجاني في "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير" (٢٨٨) وقال: هذا حديث صحيح ثابت مشهور، حدَّث به الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي عاصم مثله. وقد روى هذا الحديث عن العرباض بن سارية جماعة من التَّابعين، منهم: حَجَرُ بن حَجَرٍ، ويحيى بن أبي مطاع، وجبير بن نفير وعبد الله بن أبي بلال، والمهاجر بن حبيب وغيرهم، بعضهم مطوَّلًا، وبعضهم مختصرًا. = = وفي "بيان الوهم والإيهام" (٤/ ٨٨) لأبي الحسن ابن القطان قال: "فأما عبد الرَّحمن بن عمرو السّلمِيّ فترجم البخاريّ وابن أبي حاتم باسمه؛ فأما ابن أبي حاتم فلم يقل فيه شيئًا. وأما البخاريّ، فإنه ذكر روايته عن العرباض، ورواية خالد بن معدان وضمرة بن حبيب، وعبد الأعلى بن هلال عنه، ولم يزدْ. فالرجل مجهول الحال، والحديث من أجله لا يصح. وَقد روى هَذَا الحَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم بِإِسْنَاد آخر قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن العَلَاء بن زبر عَن يحيى بن أبي المطاع، عَن العِرْبَاض مثله. ذكره البَزَّار واختاره، وهو أيضًا لا يصح، فإن يحيى بن أبي المطاع لا يعرف بغيره، وهو في شيءٍ من أهل الشَّام". وقال ابن حجر في "التقريب " ص (٣٤٧) في شأن عبد الرَّحمن بن عمرو السّلمِيّ: مقبول. والحديث قال فيه الشيخ الألباني: صحيح. كما في تعليقه على حديث أبي داود وابن ماجه. وقال حسين سليم في حكمه على حديث الدارمي: صحيح. وقال شعيب الأرناؤوط في حكمه على حديث أحمد (١٧١٤٢): "حديث صحيح بطرقه وشواهده، وهذا إسناد حسن، عبد الرحمن بن عمرو السلمي روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في " الثقات"، وقال الذهبي في "الكاشف": صدوق، وقد صحّح حديثه الترمذي، والحاكم، والذهبي، وأبو نعيم فيما نقله ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (٢/ ١٠٩)، والبزار فيما نقله ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" ص (٤٨٣)،، وقد تابع عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي هذا حُجر بن حجر الكلاعي فيما سيرد برقم (١٧١٤٥)، وعبدُ الله بن أبي بلال الخزاعي فيما سيرد (١٧١٤٦)، وثمة طرق أخرى للحديث تأتي في موضعها في التخريج، وباقي رجاله ثقات ".
[ ١٢ ]
وقال ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» (^١) رواه البخاري. إضافة إلى ما ورد من إجماع الأمة وأقوال الأئمة في إثبات حُجيتها ووُجوب الأخذ بها.
_________________
(١) البخاري (٧٢٨٠)، وأحمد (٨٧٢٨)، والحاكم (١/ ٥٥) من حديث أبي هريرة. وفي الباب من حديث أبي أمامة عند أحمد (٢٢٢٢٦)، ومن حديث أبي سعيد الخدري عند الطبراني في الأوسط (٨١٢). وقوله: أطاعني .. أي: بقبول دعوتي.
[ ١٣ ]