الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلن تجدَ له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصَح الأمة، وجاهَد في الله حقَّ جِهاده حتى أتاه اليقين، ورضي الله تعالى عن الصحابة الأعلام، وأتباعه الذين قعَّدُوا للسنة وكائد، وحفظوها وحافظوا عليها من الأقارب والأباعد، وبذلوا في تحقيق ذلك كلَّ نفيس من كلّ كريم وماجد، فجزاهم الله خيرًا عن الأمة والإسلام، ورزقنا السير على منهاجهم، لبلوغ المرام، أما بعد:
فإن السنة النبوية هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد كتاب الله، فهي موضّحة لأحكام القرآن، ومبيّنة لمعانيه، وقد بدأ بجمع السنة النبوية بشكل رسميٍّ من قِبل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وذلك في آخر القرن الأول الهجري، أو أوّل الثاني؛ امتثالًا لِمَا جاء في السنة النبوية من الحث على جمع السنة وطلب الحديث وفضل أهله، قال رسول الله صلى عليه وسلم: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاة» (^١).
_________________
(١) أخرجه الترمذي، في أبواب الوتر، باب: ما جاء في فضل الصلاة على النبي ﷺ (٤٨٤) وقال: هذا حديث حسن غريب، والبخاري في تاريخه (٥/ ١٧٧) (٥٥٩)، والبغوي في "شرح السنة" (٣/ ١٩٦) (٦٨٦) وقال: هذا حديث حسن غريب، والخطيب في "شرف أصحاب الحديث" ص (٣٤) وذكره العجلوني في "كشف الخفاء" ص (٢٦٧)، ومن قبله السخاوي في "المقاصد الحسنة" ص (٢٢١) وقال: وفي سنده موسى بن يعقوب الزمعي، وقد تفرد به فيما قاله الدارقطني مع الاختلاف عليه فيه، فقيل عن عبد اللَّه بن شداد عن ابن مسعود بلا واسطة، وهي رواية الترمذي والبخاري في تاريخه الكبير، وابن أبي عاصم وآخرين. وقيل: بإثبات أبيه بينهما. وهي رواية أبي بكر بن أبي شيبة، ومن طريقه ابن حِبان في "صحيحه"، وأبو نُعيم، وابن بشكوال، وآخرون. وهي أكثر وأشهر، والزمعي قال فيه النسائي: إنه ليس بالقوي لكن وثّقه ابن معين فحسبُك به، وكذا وثقه أبو داود، وابن حبان، وابن عَدي، وجماعة، وأشار البخاري في تاريخه إلى أن الزمعي رواه عن ابن كيسان. عن عتبة بن عبد اللَّه عن ابن مسعود. وفيه منقبة لأهل الحديث، فإنهم أكثرُ الناس صلاة عليه. وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (١١/ ١٦٧): حسّنه الترمذي، وصححه ابن حبان، وللحديث شاهد من حديث أبي أمامة بلفظ: «صلاة أمتي تعرض علي كل جمعة، فمن كان أكثرهم علي صلاةً كان أقربهم مني منزلة». أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" ولا بأس بسنده. والحديث في السنن الكبرى (٣/ ٢٤٩) (٦٢٠٨)، و"شعب الإيمان" (٣/ ١٦٤٢). وقال الألباني: حسنٌ لغيره، وقال: رواه البيهقي بإسناد حسن إلا أنّ مكحولًا قيل لم يسمع من أبي أمامة. "صحيح الترغيب" (١٦٦٨).
[ ١ ]
وعن ابن مسعود مرفوعًا: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» (^١).
قال القاضي أبو بكر بن العربي: قال علماءُ الحديث: (ما مِن رجل يَطلب الحديثَ إلا كان على وجهه نُضْرة) (^٢).
_________________
(١) أخرجه بلفظه أبو داود، كتاب العلم، باب: فضل نشر العلم (٣٦٦٢)، والترمذي، كتاب العلم، باب: ما جاء في الحث على تبليغ السماع (٢٦٥٧) و(٢٦٥٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح،، وابن ماجه، كتاب افتتاح الكتاب في الإيمان ، باب: من بلغ علمًا (٢٣٢)، وأحمد في "مسنده" (٤١٥٧) في مسند عبد الله بن مسعود، وأبو يعلى في "مسنده" (٥١٢٦) و(٥٢٩٦) وقال محققه الأستاذ حسين سليم: إسناده حسن. قال الحافظ الجورجاني في "الأباطيل والمناكير والمشاهير" (١/ ٢٤١) (٩٨): هذا حديث صحيح، رواه عن عبد الله جماعةٌ. وهو الذي أخرجه الترمذي برقم (٢٦٥٧)، وقال الجورجاني أيضًا عقب حديث (٩٥): هذا حديث مشهور، ورواته ثقات. وهو الذي أخرجه الترمذي برقم (٢٦٥٨). وعدَّه السيوطي متواترًا في "قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة" ص (٢٨) وذكره بلفظ: «نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، فأداها إلى مَن لم يَسمعها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ غير فقيهٍ، ورب حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه». وذكر ستة عشر صحابيًا قاموا بروايته. هذا، وقد وصححه الألباني في "صحيح وضعيف ابن ماجه" (٣٠٤).
(٢) في "أحكام القرآن" (٤/ ١٤٢). وعزا الإدريسي في "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" ص (٦) لسفيان بن عيينة قوله: "ليس أحد من أهل الحديث إلا وفي وجهه نَضْرة؛ لهذا الحديث" والنضرة: نعيم الوجه.
[ ٢ ]
وعن إبراهيم بن عبد الرحمن العُذْري مرفوعًا: «يَحملُ هذا العلمَ مِن كل خَلفٍ عُدولُهُ، يَنفُون عنه تَحْريفَ الغَالِين، وانتحالَ المُبطِلين، وتأويلَ الجاهِلين» (^١).
وذلك في جمع السنة.
وفي الصحيح من حديث معاوية بن أبي سفيان: «لا تزالُ طائفة من أمتي ظاهرين على الحقِّ، لا يَضرُّهم مَن خالفَهم» (^٢).
قال علي بن المديني: "هم أصحاب الحديث" (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في "الكامل" (١/ ١٤٧)، وابن أبي حاتم في "الجرح" (٢/ ١٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ٢٠٩)، والعقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٢٥٦)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٥٩)، والخطيب في "شرف أصحاب الحديث" (٥٥) من حديث إبراهيم بن عبد الرحمن العذري معضلًا، قال العقيلي في ترجمة معان بن رفاعة: لا يعرف إلا به، وقد رواه قوم مرفوعًا من جهة لا تثبت. وعدّ رواية إبراهيم عن النبي ﷺ مرسلة، ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧/ ٣٧)، وابن حبان في "الثقات" (٤/ ١٠)، وابن حجر في "الإصابة في تمييز الصحابة" (١/ ٤٢٩). قال الذهبي في "الميزان" (١/ ٤٥): رواه غير واحد عن معان بن رفاعة، ومعان ليس بعمدة، ولا سيما أتى بواحد لا يدري من هو. قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (١/ ٧٧): حديثه قد رواه ابن عدي في "الكامل" من رواية الوليد بن مسلم عن معان ابن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، ثنا الثقة من أشياخنا فذكره. وقال مهنا بن يحيى: قلت لأحمد: حديث معان بن رفاعة كأنه كلام موضوع!! قال: لا. بل هو صحيح، فقلت له: ممن سمعتَه أنت؟ قال: مِن غير واحد. قلتُ: مَن هم؟ قال: حدثني به مِسكين، إلا أنه يقول: معان عن القاسم ابن عبد الرحمن. قال أحمد: معان بن رفاعة: لا بأس به. قال الحافظ العلائي في "بغية الملتمس" (١/ ٣٤) في حديث أسامة: هذا حديث حسن غريب صحيح تفرد به من هذا الوجه معان بن رفاعة، وقد وثقه علي بن المديني ودحيم، وقال فيه أحمد بن حنبل: لا بأس به. قلت: تعدًّدُ طرقه يقضي بحُسنه، وقد جمع ابن عبد البر طرقه في " التمهيد" (١/ ٢٨) و(١/ ٥٩)، وابن القيم في "مفتاح دار السعادة" (١/ ٢٠٦)، وابن مفلح في " الآداب الشرعية" (٢/ ١٤٨). انظر " الحطة في ذكر الصحاح الستة" ص:٧٠ و٧١، و"شرف أصحاب الحديث"ص ١١ - ٢٨ - ٢٩.
(٢) أخرجه البخاري (٧١) و(٣١١٦) و(٧٣١٢)، ومسلم (١٠٣٧) (١٠٠) وأحمد (١٦٩١٢).
(٣) "شرف أصحاب الحديث" (١/ ١٢٧) و"فتح الباري" (١٣/ ٢٩٣) وقال الحافظ: أخرج الحاكم في علوم الحديث بسند صحيح عن أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم!.
[ ٣ ]
وقد عُني أئمة الحديث بجمعهِ في مصنفات، وكتب، وجوامع، تتفاوتُ دقة وصحة في الرواية، وفي ضبط الرواة، ومن هذه المصنفات: (المستخرجات)، فما هي هذه المستخرجات؟ ولماذا أُفرِدتْ تصنيفًا؟ وما أشهر هذه المستخرجات؟ هذه الأسئلة وغيرها هي ما كانت دوافع لنا في عقد هذه الرسالة حيث سنعرِّف بـ (المستخرجات) ومصنفيها، والفائدة التي ذكرها أهل العلم من تصنيفها
نسأل الله العلي القدير التوفيقَ والسداد، وأن يجعل عملنا هذا
_________________
(١) وغيره خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به. وكتبه نايف بن ناصر المنصور عام ١٤٣٥
[ ٤ ]