وَيكون الطعْن فِيهِ بِعشْرَة أَشْيَاء مرتبَة على الأشد فالأشد فِي مُوجب الرَّد على سَبِيل التدلي
فَمِنْهَا كذب الرَّاوِي على رَسُول الله ﷺ عمدا وَحَدِيثه يُسمى الْمَوْضُوع سَوَاء عرف وَضعه
بِإِقْرَارِهِ أَو بِقَرِينَة تُؤْخَذ من حَال الرَّاوِي كاتباعه فِي الْكَذِب هوى بعض الرؤساء أَو وُقُوعه فِي أثْنَاء إِسْنَاده وَهُوَ كَذَّاب لَا يعرف ذَلِك الْخَبَر إِلَّا من جِهَته وَلَا يُتَابِعه عَلَيْهِ أحد وَلَيْسَ لَهُ شَاهد
أَو من حَال الْمَرْوِيّ كركاكة أَلْفَاظه ومعانيه
أَو لمُخَالفَته لبَعض الْقُرْآن أَو السّنة المتواترة أَو الْإِجْمَاع الْقطعِي أَو صَرِيح الْعقل
وَسَوَاء اخترع مَا وَضعه أَو أَخذه من كَلَام غَيره أَو كَانَ حَدِيثا ضَعِيف الْإِسْنَاد فَركب لَهُ إِسْنَادًا / صَحِيحا ليروج
[ ٧٣ ]
وَسَوَاء وَضعه إضلالا أَو احتسابا أَو تعصبا أَو إغرابا أَو اتبَاعا لهوى بعض الرؤساء
أَو يكون الْوَضع وهما وغلطا وَقَالَ ابْن الصّلاح إِنَّه شبه الْوَضع
وَحكم رِوَايَة الْمَوْضُوع مُطلقًا تَحْرِيمهَا على من علم أَو ظن أَنه مَوْضُوع إِلَّا مَعَ بَيَان حَاله فَإِن جهل أَنه مَوْضُوع فروى فَلَا إِثْم عَلَيْهِ
- وَمِنْهَا تُهْمَة الْكَذِب على رَسُول الله ﷺ
بِأَن يكون حَدِيثه مُخَالفَة للقواعد الْمَعْلُومَة غير مَرْوِيّ إِلَّا من جِهَته
أَو بِأَن يكون كذبه فِي كَلَام النَّاس خَاصَّة وَيعرف بِهِ وَهَذَا دون الأول وَإِن اشْتَركَا فِي اقْتِضَاء التُّهْمَة الْمَذْكُورَة وَيُسمى حَدِيثه حنيئذ الْمَتْرُوك
- وَمِنْهَا فحش غلطه
- وَمِنْهَا غفلته عَن الإتقان
- وَمِنْهَا فسقه بِغَيْر الْكَذِب على رَسُول الله ﷺ من فعل أَو قَول مِمَّا لَا يبلغ الْكفْر وَحَدِيث هَؤُلَاءِ حنيئذ يُسمى الْمُنكر على رَأْي
[ ٧٤ ]
وَمِنْهَا غلطة من غير فحش وَهُوَ إِن اطلع عَلَيْهِ بالقرائن كوصل مُرْسل أَو مُنْقَطع أَو إِدْخَال حَدِيث فِي حَدِيث أَو غير ذَلِك من الْأُمُور القادحة الْخفية الَّتِي لَا يطلع النَّاقِد عَلَيْهَا إِلَّا بالقرائن وَمِنْهَا جمع الطّرق وَاعْتِبَار بَعْضهَا بِبَعْض فَحَدِيث صَاحبه هُوَ الْمُعَلل
- وَمِنْهَا مُخَالفَته للثقات فَإِن كَانَت بتغيير سِيَاق الْمَتْن بدمج مَوْقُوف أَو مَقْطُوع بمرفوع بِدُونِ مَا يرفع توهم أَن الْجَمِيع مَرْفُوع فَالْحَدِيث مدرج الْمَتْن
سَوَاء وَقع المدموج فِي أول المدموج بِهِ أَو أَثْنَائِهِ أَو آخِره وَهُوَ الْأَكْثَر وَسَوَاء كَانَ الدمج بعطف أَو بِدُونِهِ
أَو بتغيير سِيَاق الْإِسْنَاد على وُجُوه مَخْصُوصَة
مِنْهَا أَن يكون عِنْد جمَاعَة حَدِيث بأسانيد فيرويه عَنْهُم راو بأحدها من غير بَيَان اختلافها
وَمِنْهَا أَن يسمعهُ من شَيْخه بِلَا وَاسِطَة إِلَّا طرفا مِنْهُ فِيهَا فيرويه عَنهُ بكلا طَرفَيْهِ بِدُونِهَا
وَمِنْهَا أَن يكون عِنْد / وَاحِد حديثان بِإِسْنَادَيْنِ فيرويهما عَنهُ آخر مَعًا بِأَحَدِهِمَا
وَمِنْهَا أَن يروي حَدِيثا بِإِسْنَادِهِ وَلَكِن يزِيد فِيهِ من حَدِيث آخر شَيْئا لَيْسَ من رِوَايَته فَالْحَدِيث مدرج الْإِسْنَاد
[ ٧٥ ]
وَيعرف المدرج فِي الْمَتْن
باستحالة صدوره من النَّبِي ﷺ أَو تَصْرِيح الصَّحَابِيّ فِي رِوَايَة أُخْرَى قَوِيَّة بِعَدَمِ سَمَاعه من النَّبِي ﷺ أَو تَصْرِيح بعض الروَاة لفصله عَن الْمَرْفُوع
وَفِي الْإِسْنَاد بمجيء رِوَايَة مفصلة للرواية المدرجة مَقْبُولَة باقتصار بعض الروَاة على المدرج فِيهِ هَذَا
وَأما إِن سَاق مُجَرّد الْإِسْنَاد فَعرض لَهُ عَارض فَذكر كلَاما من قبل نَفسه فَظن بعض من سَمعه أَنه متن ذَلِك الْإِسْنَاد فَرَوَاهُ عَنهُ بِهِ فموضوع على مَا مر
وَإِن كَانَت بِتَقْدِيم أَو تَأْخِير وهما فإمَّا فِي الْإِسْنَاد بِجعْل اسْم الرَّاوِي لِأَبِيهِ أَو إسم أَبِيه لَهُ وَلم يكن أحد يُطلق عَلَيْهِ الْحَاصِل بِالْقَلْبِ فَهُوَ الإسم المقلوب
وَإِمَّا فِي الْمَتْن وَهُوَ قَلِيل فَهُوَ الحَدِيث المقلوب
[ ٧٦ ]
وَإِن كَانَت بِزِيَادَة راو فِي إِسْنَاد نَاقص فِيهِ صَرِيح السماع أَو مَا فِي حكمه وَمن زَاد أَيْضا مِمَّن نقص فالمزيد فِي مُتَّصِل الْأَسَانِيد وَقد صنف الْخَطِيب فِي هَذَا النَّوْع كتابا وَسَماهُ بذلك قَالَ بعض الْحفاظ وَفِي كثير مِمَّا فِيهِ نظر
وَإِن كَانَت بإبدال راو بآخر وَلَو فِي جَمِيع السَّنَد بِأَن أبدل سندا بِسَنَد وَلَا مُرَجّح لإحدى الرِّوَايَتَيْنِ أَو الرِّوَايَات على غَيرهَا أَو باضطراب لفظ الحَدِيث وَمَعْنَاهُ بِأَن رُوِيَ بلفظين ذَوي مَعْنيين متدافعين تدافعا لَا يحْتَمل التَّأْوِيل فَهُوَ الحَدِيث المضطرب وَقد يَقع الْإِبْدَال فِي جَمِيع السَّنَد عمدا لمصْلحَة وَشَرطه أَن لَا يسْتَمر عَلَيْهِ أَو للإعراب وَهُوَ حنيئذ من الْمَوْضُوع كَمَا مر
وَإِن كَانَت بتغيير بعض حُرُوف الْكَلِمَة مَعَ بَقَاء صُورَة الْخط فَإِن كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النقط
فَمَا هُوَ فِيهِ فَهُوَ / الْمُصحف
أَو الشكل وَالْمرَاد بِهِ الحركات والسكنات فالمحرف
[ ٧٧ ]
وَلَا يجوز اخْتِصَار الحَدِيث بِأَن يكون الْمَذْكُور والمحذوف مِنْهُ بِمَنْزِلَة خبرين مستقلين فِي الْمَعْنى أَو يدل مَا ذكر على مَا حذف وَلَا رِوَايَة بِالْمَعْنَى بِأَن يُغير لَفظه بِوَجْه من الْوُجُوه دون مَعْنَاهُ إِلَّا لعالم بِمَا يحِيل مَعَاني الْأَلْفَاظ على الصَّحِيح فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ
وَقيل إِنَّمَا يجوز رِوَايَته بِالْمَعْنَى فِي الْمُفْردَات دون المركبات
وَقيل إِنَّمَا يجوز لمن يستحضر اللَّفْظ ليتَمَكَّن من التَّصَرُّف فِيهِ
وَقيل إِنَّمَا يجوز لمن كَانَ يحفظ الحَدِيث فنسي لَفظه وَبَقِي مَعْنَاهُ مرتسما فِي ذهنه فَلهُ أَن يرويهِ بِالْمَعْنَى لمصْلحَة تَحْصِيل الحكم مِنْهُ
[ ٨٢ ]
وَالأَصَح أَن الحَدِيث إِن كَانَ مُشْتَركا أَو مُجملا أَو متشابها أَو من جَوَامِع الْكَلم لم يجز نَقله بِالْمَعْنَى أَو محكما جَازَ للْعَالم باللغة أَو ظَاهرا يحْتَمل الْغَيْر كعام يحْتَمل الْخُصُوص أَو حَقِيقَة يحْتَمل الْمجَاز جَازَ للمجتهد فَقَط
ثمَّ مَتى خَفِي مَعْنَاهُ احْتِيجَ فِي معرفَة الْمعَانِي الأفرادية إِلَى الْكتب المصنفة فِي شرح الْغَرِيب ونعني بِهِ مُفردا يكون اسْتِعْمَاله بقلة فِي زَمَاننَا وَمَعْرِفَة الْمعَانِي التركيبية إِلَى الْكتب المصنفة فِي شرح مَعَاني الْأَخْبَار ونعني بهَا الْمعَانِي التركيبية المشكلة
- وَمِنْهَا الْجَهَالَة بالراوي
إِمَّا بِسَبَب كَثْرَة مَاله من الْأَسْمَاء أَو الكنى أَو الألقاب أَو الصِّفَات أَو الْحَرْف أَو الْأَنْسَاب وَذكره بِغَيْر مَا اشْتهر بِهِ مِنْهَا لغَرَض مَا
وَقد صنفوا فِيهِ الموضح لأوهام الْجمع والتفريق
أَو بِسَبَب وَحده الْأَخْذ عَنهُ لكَونه مقلا من الحَدِيث وَقد صنفوا فِيهِ الوحدان وهم من لم يرو عَن كل مِنْهُم إِلَّا وَاحِد
أَو بِسَبَب إِبْهَام الرَّاوِي عَنهُ اسْمه لاختصار أَو غَيره كَقَوْلِه أَخْبرنِي فلَان أَو شيخ أَو رجل أَو بَعضهم أَو ابْن فلَان وَهَذَا
[ ٨٣ ]
مَا أبهم من الْأَسْمَاء فِي الْإِسْنَاد وَقد صنفوا / فِيهِ وَفِيمَا أبهم من الْأَسْمَاء فِي الْمَتْن أَيْضا المبهمات
وَحَدِيث الْمُبْهم
قيل مَقْبُول مُطلقًا
وَقيل لَا وَلَو أبهم بِلَفْظ التَّعْدِيل كَأَن يَقُول الرَّاوِي عَنهُ أَخْبرنِي الثِّقَة وَاخْتَارَهُ قَاضِي الْقُضَاة وَقيل إِن وَصفه نَحْو الشَّافِعِي من أَئِمَّة الحَدِيث الرَّاوِي عَنهُ بالثقة فَالْوَجْه قبُوله وَاخْتَارَهُ الْمحلي
[ ٨٤ ]
وَقيل تعديله مَعَ الْإِبْهَام مَقْبُول مُطلقًا
وَقيل إِن كَانَ عَالما بِأَسْبَاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل فَهُوَ مجزىء فِي حق من يُوَافقهُ فِي مذْهبه
وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يكون مَذْهَبنَا قبُوله وَإِن أبهم بِغَيْر لفظ التَّعْدِيل وَلَكِن بِمثل الشَّرْط الَّذِي اعتبرناه فِي الْمُرْسل
وَأما حَدِيث غير الْمُبْهم فَإِن انْفَرد بالرواية عَنهُ وَاحِد وَيُسمى مَجْهُول الْعين فَهُوَ عِنْد قَاضِي الْقُضَاة كَحَدِيث الْمُبْهم إِلَّا أَن يوثقه من ينْفَرد عَنهُ أَو غَيره وكل متأهل للتوثيق
[ ٨٥ ]
وَإِن روى عَنهُ اثْنَان فَصَاعِدا وَلم يوثق قَالَ قَاضِي الْقُضَاة فَهُوَ مَجْهُول الْحَال وَهُوَ المستور
فالتحقيق عِنْده أَن رِوَايَته وَرِوَايَة من جرح بِجرح غير مُفَسّر مَوْقُوفَة إِلَى استبانة حَاله
وَعِنْدنَا أَن حكم الْمَجْهُول وَهُوَ من لم يعرف إِلَّا بِحَدِيث أَو حديثين مُطلقًا سَوَاء انْفَرد بالراوية عَنهُ وَاحِد أم روى عَنهُ اثْنَان فَصَاعِدا
أَنه إِمَّا أَن يظْهر حَدِيثه فِي الْقرن الثَّانِي أَو لَا فَإِن لم يظْهر جَازَ الْعَمَل بِهِ فِي الثَّالِث لَا بعده وَإِن ظهر فَإِن شهد السّلف لَهُ بِصِحَّة الحَدِيث أَو سكتوا عَن الطعْن فِيهِ قبل أَو ردُّوهُ رد أَو قبْلَة الْبَعْض ورده الْبَعْض مَعَ نقل الثِّقَات عَنهُ فَإِن وَافق حَدِيثه قِيَاسا مَا قبل وَإِلَّا رد
وَحكم الْمَعْرُوف بالرواية وَهُوَ من عرف بِأَكْثَرَ من حديثين مُطلقًا
أَنه إِن عرف بالفقه قبل مُطلقًا وَإِلَّا فَإِن وَافق قِيَاسا مَا قبل وَإِلَّا رد وَأما المستور وَهُوَ عندنَا من كَانَ عدلا فِي الظَّاهِر وَلم تعرف عَدَالَته فِي الْبَاطِن مُطلقًا سَوَاء انْفَرد بالرواية عَنهُ وَاحِد أم روى عَنهُ اثْنَان فَصَاعِدا / فَحكم حَدِيثه الِانْقِطَاع الْبَاطِن وَعدم الْقبُول إِلَّا فِي الصَّدْر الأول
[ ٨٦ ]
وَمِنْهَا الْبِدْعَة وَهِي
إِن كَانَت بمكفر فَالْمُعْتَمَد فِي حق صَاحبهَا عِنْد قَاضِي الْقُضَاة
رد من أنكر أمرا متواترا من الشَّرْع مَعْلُوما من الدّين بِالضَّرُورَةِ أَو اعْتقد مَا علم بِالضَّرُورَةِ أَنه لَيْسَ من الدّين مِنْهُ
وَقبُول من لم يكن بِهَذِهِ الصّفة وَلَكِن كَانَ ضابطا مَعَ ورعه وتقواه
وَإِن كَانَت بمفسق فالمختار عِنْد قَاضِي الْقُضَاة رد من روى مَا لَهُ تعلق ببدعته وَإِن كَانَ غير دَاعِيَة وَقبُول من روى مَا لَا تعلق بِهِ بهَا وَإِن كَانَ دَاعِيَة
وَعِنْدنَا إِن أدَّت إِلَى الْكفْر لم تقبل رِوَايَة صَاحبهَا وفَاقا لأكْثر الْأُصُولِيِّينَ وَإِن أدَّت إِلَى الْفسق فَقيل قبلت رِوَايَة صَاحبهَا إِذا كَانَ عدلا ثِقَة غير دَاعِيَة وَقيل إِذا كَانَ فسقه مظنونا أَو مَقْطُوعًا بِهِ وَلم يتدين الْكَذِب زَاد فَخر الْإِسْلَام فَقَالَ وَلم يدع إِلَى بدعته
[ ٨٧ ]
وَالْمُخْتَار هُوَ الأول