والمراد به: أنّ أحاديث النهي الأربعة منسوخةٌ بأحاديث الإذن الثابتة الكثيرة، والتي تدل على القطع بوقوع الكتابة للأحاديث في عهده ﷺ، ومما يدل على ذلك ويقويه تأخر أحاديث الإذن، ووقوع بعضها في أواخر حياته ﷺ. قال ابن القيم في كتابه القيم "تهذيب السنن" (١): قد صح عن النبي ﷺ
_________________
(١) ٥: ٢٤٥.
[ ٥٩ ]
النهي عن الكتابة والإذن فيها، والإذن متأخر فيكون ناسخًا لحديث النهي:
- فإن النبي ﷺ قال في غزاة الفتح: "اكتبوا لأبي شاه". يعني: خطبته التي سأل أبوشاه كتابتها.
- وأذن لعبد الله بن عمرو في الكتابة، وحديثه متأخر عن النهي؛ لأنه لم يزل يكتب، ومات وعنده كتابته، وهي الصحيفة التي كان يسميها الصادقة، ولو كان النهي عن الكتابة متأخرًا لمحاها عبد الله؛ لأمر النبي بمحو ما كتب عنه غير القرآن، فلما لم يمحها وأثبتها دل على أن الإذن في الكتابة متأخرٌ عن النهي عنها، وهذا واضحٌ، والحمد لله،
- وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال في مرض موته: "ائتوني باللوح والدواة والكتف لأكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده أبدًا" ،
وإنما نهى النبي عن كتابة غير القرآن في أول الإسلام؛ لئلا يختلط القرآن بغيره، فلما علم القرآن وتميز، وأفرد بالضبط والحفظ، وأمنت عليه مفسدة الاختلاط أذن في الكتابة. أ. هـ كلامه ﵀. وهو كلامٌ نفيسٌ في بابه، وهذا القول هو الذي مال إليه كثيرٌ من الأئمة: كابن شاهين، كما في "ناسخ الحديث ومنسوخه" (١)، وابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث " (٢)، والخطابي في "معالم السنن " (٣)، والمنذري في "مختصر سنن أبي داود " (٤)، والنووي في "شرح مسلم" (٥)، وابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٦)، وتلميذه ابن القيم –كما
_________________
(١) ٤٧٢.
(٢) ٢٨٦.
(٣) ٤: ٦١.
(٤) ٥: ٢٤٧.
(٥) ١٨: ١٣٠.
(٦) ٢٠: ٣٢٢.
[ ٦٠ ]
تقدم – وابن حجر في "فتح الباري" (١) فإنه بعد أن ختم الأقوال في هذه المسألة بالنسخ قال: " وهو أقربها مع أنه لا ينافيها". يعني أن القول بالنسخ لا ينافي الأقوال السابقة، التي قيلت في الجمع بين الأحاديث، بل ينسجم معها، فيستفاد منها معرفة علة النهي التي كانت في أول الأمر، ثم لما زالت أبيحت الكتابة، والله تعالى أعلم، وقد مال إلى هذا القول من المحدثين المعاصرين: الشيخ أحمد شاكر كما في "الباعث الحثيث" (٢)، والشيخ الألباني في "تعليقه على الباعث الحثيث" والشيخ الدكتور محمد أبوشهبة في كتابه "دفاع عن السنة" (٣)، ومما يزيد الأمر وضوحا وتأكيدًا استقرار الأمر بين الأمة على الإجماع على جواز كتابة الأحاديث واستحباب ذلك، وهذا قرينةٌ قاطعة على أن آخر الأمرين عنه ﷺ هو الإذن بكتابة الحديث. قال السخاوي " وبالجملة، فالذي استقر الأمر عليه الإجماع على الاستحباب، بل قال شيخنا: إنه لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان، ممن يتعين عليه تبليغ العلم" (٤)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١: ٣٠٨.
(٢) ٢: ٣٨٠.
(٣) ٢٠.
(٤) انظر: "فتح المغيث" للسخاوي ٣: ٣٨، و"فتح الباري" لابن حجر ١: ٢٠٤.
[ ٦١ ]