يتبين لنا من خلال ما تقدم في المبحثين السابقين:
* الأول: في سياق الأحاديث النبوية، في إذنه أو أمره ﷺ بكتابة الحديث، والتي بلغ عددها تسعة أحاديث، رواها خمسةٌ من الصحابة، هم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وأنس، ورافع بن خديج، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين، خرَّج بعضها صاحبا الصحيحين أو أحدهما، وتم الحكم على باقي الأحاديث منفردةً.
* والثاني: في ذكر بعض الصحائف التي وُجدت في عهده ﷺ منسوبة للصحابة الذين كتبوها، حيث أذن لهم النبي ﷺ في ذلك، أو بعض الكتب التي أمر النبي ﷺ بكتابتها، أو بعثها لبعض أصحابه وعماله في البلدان، في بيان أصول الإسلام وشرائعه، وذكر بعض أحكامه وحدوده، والتي خرَّج بعضها البخاريُّ ومسلمٌ في "صحيحيهما" وبعض أصحاب السنن والصحيح، وقد ذكرتُ ثنتي عشرة صحيفةً وكتابًا، أحسب أنها من أحسن ما يذكر في هذا الباب (١)، وكذا مكاتباته ﵊ الكثيرة إلى الملوك والأمراء وقبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام، وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك ما هم عليه من الكفر والشرك، والتي بلغ بها بعض أهل العلم قرابة الخمسين
_________________
(١) ذكر بعض الباحثين كثيرًا من الصحف المنسوبة لبعض الصحابة مما لم أذكره في هذا البحث؛ لاحتمال أن يكون قد كتبها بعض تلاميذهم عنهم، أو أنهم كتبوها بعد عصر النبوة، وقد ذكر الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه القيم "دراسات في الحديث النبوي، وتاريخ تدوينه" ١: ٩٢ اثنين وخمسين صحابيًا ممن كان يكتب الحديث أو كان له صحيفة أوكتاب.
[ ٤١ ]
كتابًا (١)، وقد سقت سبع نماذج من هذه المكاتبات، هي من أشهرها، خرَّج بعضها صاحبا الصحيحين أو أحدهما، والباقي موجودٌ مشتهرٌ عند أهل السير – كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في موضعه – من مجموع ما تقدم يتبين لنا بوضوح ما يلي:
١. أنَّ الأحاديث والروايات في كتابة الحديث، والصحائف والكتب والمكاتبات في إثبات وقوع الكتابة للحديث النبوي في عهده ﷺ كثيرةٌ جدا، وبمجموعها يمكن القول: إن وقوع الكتابة في عهده يبلغ رتبة التواتر – يعني: المعنوي – المفيد للعلم اليقيني القطعي.
٢. أنَّ ما كتب في عهده ﷺ قد تناول قسمًا كبيرًا من حديثه، يبلغ في مجموعه ما يضاهي مصنفًا كبيرًا من المصنَّفات الحديثية، ويكفي في إثبات ذلك أن نمثل بمثالين: الأول: صحيفة عبد الله بن عمرو "الصادقة"، والتي قيل: إنها تشتمل على ألف حديث (٢)، والثاني: كتاب عمرو بن حزم الأنصاري الذي اشتمل على كثيرٍ من الأحكام: في الزكاة، وفي التحذير من الكبائر والظلم، وفي ذكر الحج والعمرة، والوضوء، وفي ذكر الجمعة والغسل لها، وفي النهي عن مس القرآن لمن ليس بطاهر، وفي الطلاق، وفي العتق، وفي الصلاة وبيان أوقاتها، وفي الديات، والجزية، وغير ذلك (٣)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر: المبحث السابق: ٣٣.
(٢) انظر: المبحث السابق: ٢٦.
(٣) انظر: "صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان" ١٤: ٥٠١: ح ٦٥٥٩، "إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين": ١٣٨.
[ ٤٢ ]