قد سبق أن ذكرت أن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- قد أذن له الرسول ﷺ بأن يكتب عنه كل ما يصدر منه في كافة أحواله من الغضب والرضا، وأن العلماء استدلوا بهذا على جواز ذلك أيضًا لغير عبد الله ابن عمرو من الصحابة.
وقد جاء عن عبد الله بن عمرو نفسه ما يفيد وقوع ذلك فعلًا، فعن أبي قبيل المعافري قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص -﵁- وسُئِل: أي المدينتين تفتح أولًا: القسطنطينية (١) أو رُومِيَّة؟ (٢)، قال: فدعا عبد الله بن عمرو بصندوق له حَلَق، قال: فأخرج منه كتابًا فجعل يقرؤه، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب، إذ سئل رسول الله ﷺ أي المدينتين تفتح أولًا: قسطنطينية أو رومية؟
فقال النبي ﷺ: "بل مدينة هرقل أولًا تفتح" (٣) يعني القسطنطينية.
_________________
(١) هي «إسطنبول» الموجودة في تركيا، حاليا. ينظر: معجم البلدان لياقوت (٤/ ٢٤٧) .
(٢) ذكر ياقوت الحموي أن «رومية» تطلق على بلدتين إحداهما تقع شمال غربي القسطنطينية السابق ذكرها، والثانية بالمدائن – يعني من بلاد فارس. ينظر: معجم البلدان ٣/ ١٠٠.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/٣٢٩- ٣٣٠ كتاب) الجهاد، واللفظ له، والباقون بنحوه. وأحمد في المسند (٢/١٧٦) حديث (٦٦٤٥) . والدارمي في سننه (١/١٣٣) حديث (٤٩٢) كتاب العلم. والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٢٢، ٥٥٥) كتاب الفتن. أربعتهم من طرق، عن يحيى بن أيوب عن أبي قبيل – حيي بن نافع المعافري – عن عبد الله بن عمرو، به. وصححه الحاكم في الموضع الأول على شرط الشيخين، وفي الموضع الثاني قال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي في الموضعين. وأخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر (٢٨٥) بتحقيق الأخ الدكتور علي عمر -حفظه الله- من طريق سعيد بن عفير عن يحيى بن أيوب به. وقال الذهبي: «هذا حديث حسن غريب» السير (٣/٨٧) .
[ ١٠ ]
وتقدم في حديث عبد الله بن عمرو هذا أيضًا: قلت: يا رسول الله إنا نسمع منك أحاديث لا نحفظها، أفلا نكتبها؟ قال: "بلى فاكتبوها" فمن قول عبد الله بن عمرو -﵁- "أفلا نكتبها"، وقوله ﷺ "اكتبوها". ومن قوله في الحديث السابق "بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب" يستفاد أن الكتابة للسنة كانت تقع بين يدي رسول الله ﷺ مباشرة، بعلمه وموافقته، وأن عبد الله بن عمرو استأذن الرسول ﷺ لنفسه ولجماعة معه، وأذن الرسول ﷺ لجماعتهم فقال: "اكتبوها". وبمقتضى هذا الإذن كانوا يجتمعون حوله ﷺ ويكتبون كتابة جماعية، كما يستفاد من الحديث الأول أن عبد الله بن عمرو كان يعتني بصيانة ما كان يكتبه عن رسول الله ﷺ في صندوق خاص حتى لا يتطرق إليه تلف أو ضياع أو دخيل، وهذا يعد تأصيلًا لما ذكره علماء المصطلح في ضبط الكتاب، دون أن يذكروا له مثالًا كهذا، ويستفاد كذلك أن عبد الله بن عمرو كان يخرج المكتوبات التي في هذا الصندوق، ويحدث منها بقراءته ويسمع منه جماعة الحاضرين، ومنهم من يسأله، كما يفيده قول الراوي عنه: "كنا عند عبد الله بن عمرو -﵁- وسئل" وقول الراوي: إن الصندوق الذي أخرج عبد الله منه المكتوب الذي حدثهم به كان له "حلق" إشارة منه لتأكده من مناسبة الحديث وملابساته، ووجود تلك الحَلَق في الصندوق تفيد، إما كبر حجمه، بحيث وُضع له حَلَق تُسهل حملَه ونقلَه، وإما مزيد العناية بوضع حلق فيه لإحكام إغلاقه.
[ ١١ ]
كما أن هذا يدل على أن ما كتبه عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ لم يكن صحيفته المشهورة فقط، والتي كان يعتز بها، ويسميها (الصادقة) كما سيأتي ذكره، ولكن كان ما كتبه عنه ﷺ أكثر، بحيث احتاج في حفظه وصيانته إلى صندوق له حَلَق مما يدل على أنه كان كبير الحجم.
وقد حكم الذهبي بتحسين حديث الصندوق المذكور، ثم قال: "وهو دال على أن الصحابة كتبوا عن النبي ﷺ بعض أقواله، ثم قال: وكتبوا عنه كتاب الديات، وفرائض الصدقة، وغير ذلك" (١) .
وقال أيضًا عن عبد الله بن عمرو -﵁-:"وكَتَبَ الكثيرَ بإذن النبي ﷺ وترخيصه له في الكتابة بعد كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن، وسوَّغ ذلك النبيُّ ﷺ ثم انعقد الإجماع بعد اختلاف الصحابة -﵃- على الجواز والاستحباب لتقييد العلم ثم قال الذهبي أيضًا: والظاهر أن النهي كان أولًا لتتوافر هممهم على القرآن وَحْدَه، وليمتاز القرآن بالكتابة عما سواه من السنة النبوية، فيؤمن اللبس، فلما زال المحذور واللبس ووضح أن القرآن لا يشتبه بكلام الناس، أذن في كتابة العلم، والله أعلم" (٢) .
وقد تقدم أن مجمل مرويات عبد الله بن عمرو بن العاص بلغت (٧٠٠) حديث أو أقل، ولو أننا استعرضنا ما توافر لدينا من أدلة معتد بها على ما كتبه عبد الله بن عمرو بنفسه، وما كتبه عنه بعض من سمع منه، فسنجد أن ذلك يكوِّنُ نسبة غير قليلة من مجموع ما تقدم ذكره من أحاديثه المدونة في كتب الحديث الأصلية من الصحيحين والسنن والمسانيد وغيرها.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٣/٨٧- ٨٨) ونصب الراية للزيلعي (٢/٣٣٥، ٣٤٤) .
(٢) السير (٣/ ٨٠- ٨١) .
[ ١٢ ]
كما جاءت عنه بعض روايات أنه كان يحتفظ ببعض الآثار الموقوفة:
فروى عمرو بن شعيب قال: وجدنا في كتاب عبد الله بن عمرو، عن عمر بن الخطاب قال: "إذا عبث المعتوه (١) بامرأته، أُمر وَليُّهُ أن يُطلِّق" (٢) .
وفي رواية أن عمر كتب إلى عمرو بن العاص: "أنه يُؤجَّل سَنَةً، فإن برئ، وإلا فرق بينه وبين امرأته" (٣) .
وجاء عن عبد الله بن عمرو -﵁- أن مما كتبه عن رسول الله ﷺ صحيفة سماها (الصادقة) فعن مجاهد قال: أتيت عبد الله بن عمرو فتناولت صحيفة من تحت مفرشه، فمنعني، قلت: ما كنت تمنعني شيئًا، قال: "هذه الصادقة، هذه ما سمعت من رسول الله ﷺ ليس بيني وبينه (فيها) أحد، إذا سلمتْ لي هذه، وكتاب الله - ﵎- والوَهْط (٤) فما أبالي ما كانت
_________________
(١) أي المجنون، وشبهه.
(٢) أخرجه الإمام الدارقطني في سننه (٤/٦٥) حديث (١٥٩-١٦١) من طرق عن سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن عمرو بن شعيب قال: وجدنا في كتاب عبد الله بن عمرو عن عمر بن الخطاب (الحديث) . ومدار طرق الحديث كما ترى على حبيب بن أبي ثابت، ومع ثقته وجلالته، فإنه يدلس، تدليسًا قادحًا/ ينظر التقريب (١٠٨٤)، وطبقات المدلسين (ص٨٤) ولم يذكر هنا ما يفيد الاتصال، فتكون روايته ضعيفة لانقطاعها، لكن للحديث طريق آخر يعضده، وهو الآتي عقب هذا، حاشية (٣)، وبمجموع الطريقين يرتقي الحديث إلى الحسن لغيره.
(٣) أخرجه الإمام الدارقطني أيضًا في سننه كتاب النكاح - باب المهر (٣/ ٢٦٧) حديث (٨٦) من طريق هشيم بن بشير عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب في مسلسل يخاف على امرأته منه، فكتب إليه (الحديث) وهذا إسناد رجاله ثقات إلى حجاج، وهو ابن أرطاة وهو صدوق كثير الخطأ -كما في التقريب (١١١٩) فيكون ضعيفًا من جهة ضبطه، كما أنه يدلس تدليسًا قادحًا / طبقات المدلسين (١٢٥)، وقد عنعن هنا، فتكون روايته هذه ضعيفة لأجله، ولكن تعضدها الرواية السابقة في الحاشية رقم (٢) كما قدمت، فتكون حسنةً لغيرها.
(٤) سيأتي تفسير معناه في الرواية الآتية.
[ ١٣ ]
عليه الدنيا" (١)، ومن ذلك يفهم أن عنايته بكتابة السنة، لم تشغله عن عنايته بالقرآن الكريم.
وجاءت عنه رواية أخرى قال فيها: أما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله ﷺ وأما الوَهْط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص، وكان يقوم عليها (٢) .
ونقل الذهبي عن بعض العلماء قوله: ينبغي أن تكون تلك الصحيفة أصح من كل شيء؛ لأنها مما كتبه عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ والكتابة أضبط من حفظ الرجال (٣) .
ويذكر الدارسون: أن هذه الصحيفة الصادقة هي التي رواها عمرو بن
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤/٢٦٢) والخطيب في تقييد العلم (٨٤) كلاهما من طريق إسحق بن يحيى عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به. وليس في رواية ابن سعد قوله: إذا سلمت لي هذه (الحديث) . وفي هذا الإسناد إسحق بن طلحة التيمي، وهو ضعيف/ التقريب (٣٩٠) . وأخرج ابن سعد أيضًا عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن صفوان بن سليم عن عبد الله بن عمرو قال: استأذنت النبي ﷺ في كتابة ما سمعته، فأذن لي، فكتبته، فكان عبد الله يسمي صحيفته تلك الصادقة / الطبقات (٤/٢٦٢) . ورجال هذا الإسناد ثقات غير شيخ ابن سعد، (أبو بكر بن عبد الله) فلم أقف على ترجمته. وأيضًا هناك رواية أخرى ستأتي في حاشية (٣) من طريق آخر، وبمجموع تلك الطرق يرتقي الحديث إلى الحسن لغيره.
(٢) أخرجه الدارمي في سننه -كتاب العلم- باب من رخص في كتابة العلم ١/حديث (٥٠٢) والخطيب في تقييد العلم (٨٤) من طريق شريك عن ليث عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو، به وأخرجه الخطيب في تقييد العلم (٨٥) من طريق عنبسة بن سعيد عن ليث، به، ومن طريق الحسن بن عرفة عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي راشد الحبراني عن عبد الله بن عمرو، به بمعناه مع زيادة في آخره. وهذان الطريقان مع ماتقدم في حاشية رقم (٢)، يرتقي بطرق الحديث إلى الحسن لغيره.
(٣) تاريخ الإسلام (وفيات سنة -١١٨؟. ص٣٣٤) .
[ ١٤ ]
شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو (١) .
فإذًا ومَنْ يقف على وصف محتوياتها يظهر له أن تسميتها صحيفة ليس معناه أنها عبارة عن ورقة واحدة كما هو المتبادر؛ بل كانت أوراقًا كثيرة، فقد وقف ابن حبان على نسخة منها ورواها عن شيخه أبي يعلى الموصلي وقال: في نسخة كتبناها عنه طويلة (٢) .
فالمراد بالصحيفة أو النسخة في اصطلاح المحدثين: مجموعة الأحاديث التي رُويت بإسناد واحد ولو بلغت أوراقًا كثيرة مثل صحيفة أو نسخة عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده (٣) .
وقد أطلق ابن معين وغيره على صحيفة عمرو بن شعيب اسم "الكتاب" (٤) .
ومن آخر البحوث المتخصصة عن عدد أحاديثها ما قرر فيه صاحبه أنها تبلغ (٢٣١) حديثًا غير المكرر أكثر من مرة، وذلك بعد إحصائه لها من عدد من كتب السنن والمسانيد، وعلم الرجال حيث روى كل منها بعض أحاديثها (٥) .
لكن بعض تلاميذ عبد الله بن عمرو غير: شعيب والد عمرو هذا،
_________________
(١) ينظر كتاب «صحيفة عمرو بن شعيب، وبهز بن حكيم عند المحدثين والفقهاء» للأستاذ محمد علي بن الصديق (١٠-١١، و١٢٩- ١٣٤) .
(٢) المجروحين لابن حبان (٢/٧٢) .
(٣) ينظر تهذيب التهذيب (١/ترجمة) (٩٢٤) و(٣/١٢) .
(٤) الميزان للذهبي (٣/٢٦٣- ٢٦٥) .
(٥) ينظر كتاب صحيفة عمرو بن شعيب وبهز بن حكيم (ص: ١٣٢- ١٣٤) وتحفة الأشراف للمزي (٦) حديث (٨٦٥٥- ٨٨١٧) . وإتحاف المهرة لابن حجر (٩/حديث ١١٧٠٠- ١١٨٧١) .
[ ١٥ ]
ومحمد بن عبد الله بن عمرو، جد شعيب، جاء عنهم أيضًا ما يفيد وجود مكتوبات متعددة عنده، وكان يُسمعهم منها.
فتلميذه أبو راشد الحمراني (١) قال: أتيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت له: حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ فألقى بين يدي صحيفة فقال: هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ فنظرت فيها فإذا فيها: أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال له رسول الله ﷺ: "يا أبا بكر قل: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، لا إله إلا أنت " الحديث (٢) وقوله: "هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ" أي: أذن لي بكتابته عنه، كما في الروايات الأخرى التي سبق بعضها.
وكلام أبي راشد هذا، يفيد أنه كان بمفرده عندما جاء إلى عبد الله بن عمرو وأطلعه على صحيفة مما كتبه، ويعتبر صنيع عبد الله بن عمرو هذا مع تلميذه أبي راشد، من تأصيل التحمل بالمناولة، حيث ألقى بين يديه الصحيفة المكتوب فيها الحديث، وأخبره بأنها مما أذن له الرسول ﷺ بكتابته عنه، ثم مكنه من النظر فيها، وقراءة الحديث المذكور منها. ويبدو أن جماعة غير أبي راشد قد رأوا هذه الصحيفة أيضًا، وتحملوا منها رواية الحديث السابق نفسه بلفظ مقارب، فقد قال أبو عبد الرحمن الحُبلي المصري، تلميذ عبد الله بن عمرو أيضًا: أخرج لنا عبد الله بن عمرو قرطاسًا (٣) وقال: كان رسول الله ﷺ
_________________
(١) تهذيب التهذيب (١٢/٩١) .
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٩٦) حديث (٦٨٥٢) بإسناد حسن.
(٣) القرطاس: ما يكتب فيه. انظر المفردات للراغب الأصفهاني، مادة قرطس.
[ ١٦ ]
يعلمنا، يقول: "اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت رب كل شيء" الحديث (١) .
فقول أبي عبد الرحمن الحبلي: "أخرج لنا" يفيد أنهم كانوا جماعة، وأن عبد الله بن عمرو قرأ عليهم المكتوب. ومن تلاميذه من روى بعض الأحاديث التي كتبها عبد الله بن عمرو وأرسل بها إليه، فأرض "الوهْط" التي كانت ل عبد الله بن عمرو - كما تقدم - كان له فيها عامل زراعيّ يقال له: "سالم مولى عبد الله بن عمرو" وعرض عليه جيرانه أن يشتروا منه ما يفيض عن حاجة عبد الله بن عمرو من المياه، قال سالم: أعطَوْنِي بفضل الماء من أرضه بالوهْط ثلاثين ألفًا، قال: فكتبت إلى عبد الله بن عمرو، فكتب إلي: لا تبعه، ولكن أقِمْ قِلْدَك (٢) ثم اسق الأدنى فالأدنى، فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع فضل الماء (٣) .
وجاء عن أحد تلاميذ عبد الله أنه أملى عليه بعض حديثه وكتبها عنه في صحيفة وهو: أبو سبرة الهذلي، فقد قال لعبيد الله بن زياد - لما سمعه يجادل في حوض رسول الله ﷺ الذي جعله الله له في الآخرة -: ألا أحدثك حديثًا فيه شفاء هذا، إن أباك بعث معي بمالك إلى معاوية، فلقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فحدثني مما سمع من رسول الله ﷺ وأملى عليَّ، فكتبت بيدي فلم أزد حرفًا، ولم أنقص حرفًا، حدثني أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله لا يحب
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٧٨) حديث (٦٥٩٧) وإسناده حسن لغيره.
(٢) يعنى اسق ما عندك من نوبتك من الماء، ثم أعط ما زاد لمن يليك دون بيع.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٨٣) حديث (٦٧٢٢)، والإمام البيهقي في سننه (٦/١٦)، وله شاهد عند الإمام النسائي في سننه (٧/٣٠٧) بإسناد صحيح.
[ ١٧ ]
الفحش، أو يبغض الفاحش والمتفحش، قال: ولا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش وقطيعة الرحم وسوء المجاورة، وحتى يؤتمن الخائن، ويُخوَّن الأمين، وقال: "ألا إن موعدكم حوضي عرضه وطوله واحد وهو كما بين أيلة (١) ومكة".. الحديث وفيه: "من شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا" فقال عبيد الله: ما سمعت في الحوض حديثًا أثبت من هذا، فصدق به، وأخذ الصحيفة فحبسها عنده (٢) .
وفي رواية أخرى للحديث: أنه لما حبس عبيد الله بن زياد الكتاب عنده، قال أبو بُسرة: فجزعت عليه، فلقيني يحيى بن يعمر، فشكوت إليه، فقال: والله لأنا أحفظ له من السورة من القرآن فحدثني به كما كان في الكتاب سواء (٣) .
وهذه الرواية تفيد أن حفظ الصدور، وحفظ الكتاب كانا متضافرين على صيانة السنة وتعويض أحدهما ما فُقد من الآخر، وأن حفظ الصدور كان من القوة بحيث يطمأن إلى نيابته عن الكتابة عند افتقادها.
وجاء أيضًا عن أحد تلاميذ عبد الله بن عمرو من التابعين المصريين، وهو شُفَى بن ماتع الأصبحي المصري (٤): أنه سمع من عبد الله بن عمرو كتابين:
_________________
(١) هي المعروفة الآن باسم «العقبة» في جنوب الأردن على شاطئ البحر الأحمر، وفيها ميناء العقبة.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٦٢- ١٦٣) حديث (٦٥١٤) . والحاكم في المستدرك من طريق الإمام أحمد وغيره (١/١٧٥) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجها الإمام أحمد في المسند (٢/١٩٩) حديث (٦٨٧٢) .
(٤) تهذيب الكمال (١٥/٣٥٧-٣٥٩ و١٢/٥٤٣- ٥٤٤) .
[ ١٨ ]
أحدهما: عبارة عن أحاديث قولية وفعلية مرفوعة.
والآخر: فيه ما يتعلق بما يقع آخر الزمن من الفتن وعلامات الساعة إلى يوم القيامة، وذكر ابن يونس: أن نسختي هذين الكتابين قد افتقدتا بإلقاء أحد الناس لهما في النيل (١) ووصفهما بأنهما كتابان، مع بيان مشتملاتهما إِجمالًا، يستفاد منه أن حجمهما كان كبيرًا، لكن قد عوضنا الله - تعالى- عنهما بما حفظه لنا بعض تلاميذ شُفَي هذا، إما صدرًا، وإما كتابة، ووصل إلينا مدونًا في بعض كتب السنن (٢) والمسانيد وغيرها (٣) .
وهكذا يظهر لنا من خلال ما تقدم: أن ماكتبه عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ كان قدرًا كبيرًا، فمنه ما كان يحفظه في صندوق ذي حلقات، ومنه ما كان يعتز به أكثر فيحفظه تحت فراشه؛ ليكون قريبًا منه.
وبلغت نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحدها قرابة مائتين وخمسين حديثًا مرفوعًا بدون المكرر منها مرة فأكثر لما قدمت.
كما يظهر لنا أن عددًا آخر من تلاميذ عبد الله بن عمرو من غير أهله، قد تلقوا عنه مدونات في أكثر من كتاب، مشتملة على سنن فعلية، أو قولية، في العقيدة والشريعة، كما اشتملت أيضًا على بعض سنن الخلفاء الراشدين.
ويظهر لنا أيضًا أن ما أملاه عبد الله بن عمرو، أو كتب عنه عمومًا، قد
_________________
(١) تهذيب التهذيب (٤/٣٦٠)، وخطط المقريزي (٢/٣٣٢)، وتذهيب تهذيب الكمال للذهبي: ١/ق ١٤٨ أ، ب (مخطوط) .
(٢) ينظر تحفة الأشراف (٦/ حديث ٨٨٢٥- ٨٨٢٧) .
(٣) ينظر إتحاف المهرة (٩/ حديث ١١٨٧٢، ١١٨٧٢ مكرر، ١١٨٧٣)، والمعجم الكبير للطبراني (١٣/ حديث ١٦- ١٩) .
[ ١٩ ]
انتشر بواسطة تلاميذه في أقطار الإسلام شرقًا وغربًا، كالشام، ومصر، والعراق، وغيرها.
ولم تقتصر عناية الصحابة على الكتابة الإجمالية لمروياتهم دون تنظيمها في مصنفات وأبواب موضوعية، بل وجدنا منهم من يجمع مما تلقاه عن رسول الله ﷺ أحاديث متعلقة بموضوع واحد في تصنيف خاص به.
من ذلك أن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري -﵁- المتوفى سنة ٧٨هـ بالمدينة المنورة قد عُرف بأنه حمل عن النبي ﷺ علما كثيرا نافعا، وعرف بالفقه والفتوى والرحلة في طلب الحديث، ومروياته المسندة -كما ذكر الحافظ الذهبي - (١٥٤٠) حديثًا.
ويعد من أول من صنف الحديث على الموضوعات من الصحابة حيث ذكر الذهبي أن له منسكًا (١) صغيرًا في الحج، أخرجه مسلم في صحيحه (٢) .
وعند مراجعة صحيح مسلم نجد مصداق ذلك فعلا حيث إنه في كتاب الحج باب حجة النبي ﷺ أخرج من طريق حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر ابن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، فسأل عن القوم (٣) حتى انتهى إلىَّ فقلت أنا محمد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي، فنزع زِرّي الأعلى (٤) ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثدْيَيَّ وأنا يومئذ غلام شباب فقال مرحبا بك يا بن أخي، سل عما شئت، فسألته وهو أعمى
_________________
(١) أي كتاب يتناول بيان أحكام مناسك الحج، كما يوضحه بقية عبارة الذهبي.
(٢) ينظر تذكرة الحفاظ (١/٤٣) وسير النبلاء (٣/ ١٨٩- ١٩٤) .
(٣) أي جماعة الرجال الداخلين عليه حينذاك.
(٤) زر قميصه الذي كان يلبسه.
[ ٢٠ ]
وحضر وقت الصلاة، فقام في نساجة (١) ملتحفا بها، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب (٢) فصلَّى بنا، فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ الحديث بطوله (٣)، ويقع في ست صفحات من المطبوع، ثم أخرج رواية أخرى هذه من طريق غياث بن طلق عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: أتيت جابر بن عبد الله فسألته عن حجة رسول الله ﷺ وأحال ببقية المتن على الرواية السابقة بنحوها، ثم ذكر زيادة في هذه الرواية تبلغ ثلاثة أسطر، وأتبعها برواية ثانية من طريق غياث أيضا بذكر زيادة نحو سطرين، ورواية ثالثة من طريق سفيان عن جعفر عن أبيه به بزيادة نحو سطرين، ورواية من طريق مالك وخامسة من طريق مالك وابن جريج كلاهما عن جعفر بن محمد عن أبيه، بزيادة تتعلق بالطواف (٤) وقد انفرد مسلم عن البخاري برواية هذا الحديث فعلا (٥) . ويلاحظ أن الحديث اشتمل على سنة فعلية في أوله وهي صلاة جابر ﵁ بجماعة الحاضرين عنده إمامًا وعليه لباس معين، كما اشتملت الرواية على وصفه في هذه الحالة بأنه كان أعمى، والمعروف أنه -﵁- عَمِيَ في آخر عمره - ومقتضاه أنه حدثهم الحديث بطوله من حفظه، لا من كتاب، لكن جاء في روايات أخرى أن راوي الحديث عن جابر وهو محمد بن علي بن الحسين كان يذهب مع مجموعة إلى جابر بن عبد الله -﵁-
_________________
(١) نوع من الملاحف المنسوجة.
(٢) ما يُعلق عليه الثياب.
(٣) صحيح مسلم – الحج- باب حجة النبي ﷺ (٢/ح ٨/ ١٢) .
(٤) ينظر صحيح مسلم (٢/ ٨٩٢- ٨٩٣) باب ما جاء أن عرفة كلها موقف وص٩٢١- باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة والطواف الأول في الحج.
(٥) ينظر الجمع بين الصحيحين للحميدي (٢/ ٣٧٢- ٣٧٧) .
[ ٢١ ]
ويتلقون عنه الحديث كتابة وتعلما فأخرج ابن عدي والخطيب من طريق يعقوب القُمي عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال: كنت أنطلق أنا ومحمد بن علي أبو جعفر ومحمد بن الحنفية إلى جابر بن عبد الله الأنصاري، فنسأله عن سنن رسول الله ﷺ وعن صلاته، فنكتب عنه ونتعلم منه (١) .
ويلاحظ أن هذه الرواية معبرة عما جاء في رواية مسلم السابقة لأنها ذكرت سؤال محمد بن علي ومن معه لجابر عن سنن رسول الله ﷺ التي منها مناسك حجته ﷺ التي أمر بأن تؤخذ عنه، وفيها الصلاة وفيها كتابة السائلين لما حدثهم به، وتعلمهم منه كيفية الصلاة. وفي لفظ آخر من طريق يعقوب القمي أيضا: أن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: كنا نأتي جابرا فنسأله عن سنن رسول الله ﷺ فنكتبها (٢) .
وفي رواية من طريق محمد بن علي السلمي عن ابن عقيل قال: كنت أختلف أنا وأبو جعفر إلى جابر بن عبد الله فنكتب عنه في الألواح (٣) وفي لفظ للخطيب "معنا ألواح نكتب فيها" (٤) .
ومن ذلك يستفاد أن جابرًا صنف منسكه هذا وهو مبصر، وكان مع ذلك يحفظه في صدره، ويسمعه إملاء لمن سأله عنه، وبذلك تلازم وتزامن الحفظان معا: حفظ الصدور وحفظ السطور. ولو من صحابي واحد.
_________________
(١) ينظر الكامل لابن عدي (٤/ ١٤٤٧) وتقييد العلم للخطيب (١٠٤) .
(٢) ينظر الكامل وتقييد العلم الموضع السابق.
(٣) ينظر الإحالة السابقة.
(٤) تقييد العلم (١٠٤) .
[ ٢٢ ]
ومما صنفه الصحابة أيضا كتاب الفرائض لزيد بن ثابت ﵁، وهو المعروف بكتابة الوحي القرآني أيضا بين يدي رسول الله ﷺ وممن قام بجمعه في مصحف واحد، وكان مبرزًا في علم الفرائض، وباشر القضاء وتوفي سنة ٤٥هـ على الراجح (١) وتعد وفاته مبكرة جدا عن وفاة جابر ﵁ كما تقدم ذكرها.
وقد أخرج الفسوي بسنده إلى الزهري قال: لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض رأيت أنها ستذهب من الناس (٢) .
فيعد كتاب زيد هذا مؤلفا مخصصًا لموضوع المواريث الشرعية، وتاريخ وفاة زيد سنة ٤٥هـ يجعل تأليفه هذا مبكرًا جدا، ومن الروايات التي توافرت عنه، يفهم أن زيدًا جمع في كتابه هذا بين الأحاديث المرفوعة، وبين الآثار التي رواها عن بعض الخلفاء الراشدين، وبين تفسير منه لبعض آيات المواريث، وبين اجتهاد منه هو (٣) .
كما يفهم أنه كتب بعض هذا الكتاب لعمر بن الخطاب ﵁ لما سأله في الجد، وقرأه عمر ﵁ ناسبًا إياه إلى زيد مع إقراره له (٤) .
_________________
(١) ينظر سير النبلاء وحواشيها (٢/٤٢٦) والمعجم الكبير للطبراني (٥/ ٤) (٤٧٤٨) .
(٢) المعرفة والتاريخ (١/٤٨٦) والسير (٢/ ٤٣٦) والمراد ذهاب ما لم يوجد عند غيره من أحاديث أو اجتهادات منه أو من غيره ممن أدركهم من الصحابة، لأن الفرائض أصولها في القرآن الكريم وتفاصيل الكثير منها مما شارك زيد في روايته غيره من الصحابة كما هو معروف.
(٣) ينظر المعجم الكبير للطبراني (٥/ حديث ٤٨٦٠، ٤٩٤١- ٤٩٥٧) والسنن الكبرى للبيهقي (٦/ ٢٢٥- ٢٢٧، ٢٢٩- ٢٣٤، ٢٣٦- ٢٣٩، ٢٤٥، ٢٤٧، ٤٤٩- ٤٥١) .
(٤) سنن البيهقي (٦/ ٢٤٦) .
[ ٢٣ ]
ثم كتب به إلى معاوية ﵁ - في خلافته، وذكر له فيه ما أقره عليه عمر وعثمان ﵄ (١) وقد صار الكتاب يُروَى وينقل مجموعا ومتفرقا بالأسانيد عن زيد بواسطة الرواة عنه وبخاصة كبراء أولاده وآله مثل سعيد بن سليمان بن زيد، عن أبيه عن جده (٢) وعن خارجة بن زيد عن أبيه، ومن هذا الطريق اشتهرت رواية الكتاب عند المتقدمين ومن بعدهم من المشارقة والمغاربة (٣) .
ويفهم من مراجعة نصوص هذا الكتاب المتفرقة في المصنفات الحديثية كما سبقت الإحالة عليها أن كتاب زيد -﵁- في الفرائض، كان أكبر حجما من كتاب جابر -﵁- في حجة رسول الله ﷺ.
أمّا ما أخرجه الطبراني من امتناع زيد بن ثابت عن كتابة مروان بن الحكم للحديث عنه، وروايته أن النبي ﷺ نهاهم أن يكتبوا حديثه (٤) فإنه لو صح عنه أو عن غيره فالجواب عنه مع مثله من أحاديث النهي، قد ذكره الحافظ ابن حجر حيث قال: إن هذه الأحاديث الصحيحة المفيدة لإذنه ﷺ في كتابة الحديث عنه، والأحاديث أيضًا التي اشتملت على نهيه عن ذلك كحديث أبي سعيد الخدري -﵁- عند مسلم، أنه ﷺ قال: "لا
_________________
(١) سنن البيهقي (٦/ ٢٤٥، ٢٤٦- ٢٤٩و ٢٥٠- ٢٥١) .
(٢) ينظر سنن البيهقي (٦/ ٢٤٧) .
(٣) تنظر الإحالات السابقة على المعجم الكبير للطبراني وسنن البيهقي الكبرى، وفهرس ابن خير الأشبيلي ص٢٦٣ وقد رواه من طريق سعيد بن منصور صاحب السنن، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه زيد بن ثابت -﵁-.
(٤) ينظر المعجم الكبير للطبراني (٥/ حديث ٤٨٧١) .
[ ٢٤ ]
تكتبوا عني شيئًا غير القرآن" (١) يمكن الجمع بينها بوجوه متعددة ومعتبرة، وقال الحافظ: إن أقربها أن النهي متقدم زمنا، والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس، ثم قال: وقيل إن النهي خاص بمن خُشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أُمِنَ منه ذلك، ثم قال الحافظ قال العلماء: كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظا، كما أخذوا حفظا، لكن لما قصرت الهِمَمُ وخشِيَ الأئمة ضياع العلم دونوه.
ثم قال: وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة، بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير، فلله الحمد (٢) .
_________________
(١) ينظر صحيح مسلم (٤/ حديث ٣٠٠٤) ولفظه لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه (الحديث) .
(٢) ينظر فتح الباري لابن حجر (١/٢٠٨) .
[ ٢٥ ]