فقد كان لقدوته ﷺ آثارها الفاعلة في صحابته الكرام، فكتب بعضهم إلى بعض بما تلقوه منه ﷺ، تبليغا أو استدلالا أو تذكيرا، وأيضا كتب بعضهم عن بعض، ولو جمع الآن ما هو متفرق في دواوين السنة من تلك الكتابات، لظهر لنا أن كميته أكثر جدا مما جمع من كُتبه ﷺ التي تقدم ذكرها في المبحث السابق، ولكن يكفينا في الدلالة على ذلك بعض الأمثلة فمن ذلك ما جاء عن القعقاع بن حكيم أن عبد العزيز بن مروان كتب إلى عبد الله بن عمر أن ارفع إليَّ حاجتك، قال: فكتب إليه عبد الله: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ابدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى" (١) .
وكان لعبد الله بن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه، فكتب إليه مرة عبد الله بن عمر: أنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر فإياك أن تكتب إليَّ، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر" (٢) .
وعن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي: أنه كان مع عقبة بن فرقد بأذربيجان أو بالشام قال: جاءنا كتاب عمر: أما بعد يا عتبة بن فرقد الحديث وفيه: كان رسول الله ﷺ نهى عن لبوس الحرير إلا هكذا،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ١٥٢- ح ٦٤٠٢) وإسناده حسن.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٩) حديث (٥٦٣٩) بإسناد حسن، ومن طريقه أخرجه الحاكم في المستدرك (١/٨٤) . ومن طريق غيره أيضًا وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
[ ٣٦ ]
ورفع لنا رسول الله ﷺ إصبعه الوسطى والسبابة وضمهما (١)، قال زهير: قال عاصم: هذا في الكتاب (٢) .
وفي رواية لأحمد: عن أبي عثمان النهدي أيضا، كنا مع عتبة بن فرقد، فكتب إليه عمر بأشياء يحدثه عن النبي ﷺ فكان فيما كتب إليه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يلبس الحرير في الدنيا إلا من ليس له في الآخرة من شيء، إلا هكذا وقال: بإصبعه السبابة والوسطى" (٣) .
ومن ذلك ما أخرجه الحميدي بسند صحيح أن الشعبي قال: كتب معاوية بن أبي سفيان إلى عائشة -﵂ - أن اكتبي إليَّ بشيء سمعتيه من رسول الله ﷺ قال فكتبت إليه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه من يعمل بغير طاعة الله يعود حامده من الناس ذامًّا (٤) .
وأخرج البخاري في الصحيح من طريق ورَّاد -كاتب المغيرة بن شعبة- قال: أملى عليَّ المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية:"أن النبي ﷺ كان يقول في دُبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له " الحديث (٥) .
ومن هذا يظهر أن تلك المكاتبات شارك فيها الصحابة والصحابيات، ولاسيما عائشة -﵂ أم المؤمنين-.
_________________
(١) إشارة إلى أنه لا يحل إلا مقدار أصبعين فقط.
(٢) رواه الإمام مسلم في صحيحه من طرق عن أبي عثمان النهدي حديث (٢٠٦٩) مكررًا.
(٣) المسند للإمام أحمد (١/٣٦) حديث (٢٤٣) .
(٤) أخرجه الحميدي في مسنده (١/ حديث (٢٦٥) ومن طريقه أخرجه البيهقي في الزهد الكبير له حديث (٨٨٦) وتنظر رواية أخرى مما كتبت به لمعاوية –﵄- في مسند أحمد ٦/ ٨٦- ٨٧ حديث (٢٤٥٦٦) .
(٥) صحيح البخاري مع الفتح كتاب الأذان (٢/٣٢٥) حديث (٨٤٤) .
[ ٣٧ ]