إن من ينكر السنة النبوية الصحيحة ويرفض الأخذ بها فهو متمرد على القرآن الكريم نفسه، ومنكر لأوامره، التي جاءت تأمر بالأخذ بما جاء به الرسول ﷺ ثم نسأل أولئك المنكرين.
أَنَّى لنا معرفة كيفية الصلاة؟ وعدد ركعاتها؟ لولا السنة النبوية الشارحة للقرآن الكريم المفصلة لمجمله، والمقيدة لمطلقه، والمخصصة لعامه.
وأَنَّى لنا معرفة الحج وأحكامه؟ وأنصبة الزكاة؟ إلى غير ذلك من الأحكام؟ إن القرآن الكريم جاء بالأصول والقواعد العامة الكلية وإن الحديث النبوي فصل وفسر وشرح ووضح.
والآية القرآنية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] . هي الأصل لكل ما جاء به الحديث الصحيح، والسنة المطهرة مما لم يرد ذكره في القرآن، روي عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه كان جالسًا في المسجد الحرام يحدث الناس فقال: لا تسألوني عن شئ إلا أجبتكم فيه من كتاب الله، قال رجل: ما تقول في المحرم إذا قتل "الزنبور" أي "الدبور" وهو ذكر النحل، فقال: لا شئ عليه، فقال الرجل: أين هذا من كتاب الله؟
فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، ثم ذكر إسنادًا إلى (سيدنا) عمر ﵁، أنه قال: "للمحرم قتل الزنبور" (١) .
_________________
(١) رواه البيهقي في سننه (٥/٢١٢) .
[ ٤٥ ]
وهكذا نرى وجوب الأخذ بالسنة النبوية وأن منكرها ومنكر ما جاءت به منكر لأمر معلوم من الدين بالضرورة.
وعن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إنني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فعليه أن يعقبهم (١) بمثل قراه" (٢) .
يقول الإمام الخطابي: قوله "أوتيت الكتاب ومثله معه" يحتمل وجهين:
أحدهما: أن معناه أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أعطي من الظاهر المتلو.
الثاني: أنه أوتي الكتاب وحيًا يتلى، وأوتي من البيان مثله، أي أذن أن يبين ما في الكتاب فيعم ويخص ويزيد عليه ويشرح ما في الكتاب فيكون في وجوب العمل به ولزوم قبوله كالظاهر المتلو من القرآن. ومعنى قوله ﷺ في الحديث: "يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته" أنه رجل من المترفين أهل الترف والدعة الذين لزموا بيوتهم ولم يرحلوا في طلب العلم،
_________________
(١) أي أن يأخذ منهم بقدر قراه من أموالهم.
(٢) رواه أبو داود (٤/١٩٩) برقم ٤٦٠٤) .
[ ٤٦ ]
ولم يطلبوه من أهله ولا من مظانه.
وهذا الحديث يعد معجزة من معجزات رسول الله ﷺ فقد حدث ما تنبأ به، وأخبر عنه وظهرت منهم فئة قديمًا، وظهرت أخرى حديثًا تدعو بهذه الدعوة الظالمة منادية بالاقتصار على القرآن الكريم وترك الحديث النبوي، وهم بهذه الدعوة يحاولون ضرب الإسلام والإتيان عليه من القواعد، فإذا تركت السنة النبوية استعجم القرآن ولم يعد مشروحًا مفصلًا.
ولذا يؤكد الرسول ﷺ الحرص على حديثه وسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده فيقول ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" (١) .
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خطب في حجة الوداع فقال: "إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أمركم فاحذروا، إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنة نبيه" (٢) .
وأما الحديث الذي حاول بعض القائلين بالاكتفاء بالقرآن أن يستدلوا به والذي يعتبر مستند القائلين بعدم استقلال السنة النبوية بالتشريع فهو: "إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فما
_________________
(١) رواه أبو داود (٤/٢٠٠) برقم ٤٦٠٧ والترمذي ٥/٤٤ برقم ٢٦٧٦ وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) تقدم تخريجه في ص ١٥ مختصرًا.
[ ٤٧ ]
وافق فخذوه وما خالف فاتركوه"، فقد وضح أئمة الحديث أنه موضوع مختلق لم يقله الرسول ﷺ.
وقد وضعته الزنادقة ليصلوا إلى ما يريدون من إهمال الأحاديث، وعارض هذا الخبر بعض الأئمة فقالوا: عرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله فوجدناه مخالفًا له؛ لأنا وجدنا في كتاب الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] . ووجدنا فيه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، ووجدنا فيه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] .
[ ٤٨ ]