لم يكن هناك مجال للخلاف في عهد النبي ﷺ، ولا خوف على السنة الشريفة؛ لأن الصحابة كانوا إذا ظهر بينهم خلاف في مسألة من المسائل يرجعون إلى النبي ﷺ، وإذا عنَّ لهم أمر يسألونه فيه. فلما انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى خيف العبث بالسنة، خصوصًا والحديث لم يدون بعد في كتاب، والإسلام تتسع رقعته يومًا بعد يوم ويدخل فيه الكثير وفيهم من لا يؤمن جانبهم على الدين والمنافقين ونحوهم؛ لذا كان من الضروري أن يتثبت الصحابة في سنة نبيهم ﷺ الذي وضع لهم الأساس الأول في قاعدة التثبت فبنوا عليها منهجهم في الرواية وذلك بما بينه لهم ﷺ من خطر الكذب عليه حين قال: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (١) وقال: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (٢)، وكان أول من وضع قوانين الرواية فيهم أبو بكر الصديق رضوان الله تعالى عليه وتبعه عمر بن الخطاب ﵁ وسائر الصحابة، ويتلخص منهجهم في أنهم أقلوا من رواية الحديث؛
_________________
(١) رواه البخاري ج١ ص١٧٩ فتح الباري بلفظ (من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار) ورواه مسلم ج١ ص٥٥ ط الشعب عن أبي هريرة، والترمذي ج٤ ص١٤٢ - عن عبد الله وأخرجه الزهري عن أنس بن مالك، وقال الترمذي حديث حسن غريب، صحيح من هذا الوجه من حديث الزهري عن أنس بن مالك، والدارمي ج١ ص٦٦ عن جابر.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ج١ ص٥١ عن سمرة بن جندب وعن المغيرة بن شعبة ط الشعب، والترمذي ج٤ ص١٤٣ عن المغيرة بن شعبة وقال: حسن صحيح ورواه ابن ماجة ج١ ص١٠.
[ ٢٤ ]
كراهية أن يشتغل الناس برواية الحديث وينصرفوا عن تلاوة القرآن، وخشية الوقوع في الخطأ أو تسرب التحريف إلى السنة، والإقلال من الرواية كان سيرًا سليمًا على ما رسمه لهم نبيهم ﷺ، عن أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع" (١) . كما سار الصحابة على طريق التثبت من الراوي والمروي فما اطمأنوا إليه قبلوه وما لم يطمئنوا إليه طلبوا عليه شاهدًا، وما لم تقم البينة على صدقه ردوه، وكان تثبتهم قائمًا على ميزان النقد العلمي الصحيح. ومنع الصحابة الرواة من أن يحدثوا بما يعلو على فهم العامة؛ لأن في هذا مدعاة إلى تكذيبهم للمحدث بما لا يفهمونه، ومدعاةً للخطأ والارتياب في الدين، فامتنعوا عن ذلك خشية أن يستغل أصحاب الأهواء ظاهر النصوص لصالح بدعهم وأهوائهم.
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن مسعود قال: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" (٢) .
ومن أمثلة التثبت عند الصحابة ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: "كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ فقلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ج١ ص٦٠ ط الشعب.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ج١ ص٦٣ ط الشعب.
[ ٢٥ ]
ﷺ: "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع" فقال: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحدٌ سمعه من النبي ﷺ؟ فقال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم، وقمت معه فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك، فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ (١) .
وقد سار على سنة التثبت التابعون ومن جاء بعدهم وعنوا بالأسانيد والنقد العلمي الدقيق، ولما كان الصحابة متفاوتين في العلم فلم يكن عند الجميع ما قاله الرسول ﷺ فقد بدأت الرحلات العلمية فقام الصحابة والتابعون بالرحلات إلى كثير من البلاد حتى كان يتميز البعض بكثرة الرحلات والانتقال إلى أكثر من بلد، وكانت الرحلة سبيلًا إلى طلب الحديث والتثبت منه.
كما كانت أيضًا تدعيمًا لوحدة المسلمين وتعرفًا على الجو العلمي في شتى الأقطار الإسلامية، ومعرفة وإلمامًا بطرق الحديث الكثيرة.
_________________
(١) صحيح البخاري (مع فتح الباري) ج١١ ص٢٢، شرح الزرقاني على الموطأ ج٤ ص١٨٨، الرسالة ص٤٣٥ برقم ١١٩٨ مختصرًا.
[ ٢٦ ]