[ ٧ ]
الحديث الحسن: وسطٌ بين الصحيح والضعيف، قال ابن القطّان في " بيان الوهم والإيهام " (١١١٨): «الحسن معناه الذي له حال بين حالي الصحيح والضعيف» وبنحوه قال عقيب (١١٧٣) . وقال عقيب (١٤٣٢): «ونعني بالحسن: ما له من الحديث منْزلة بين منْزلتي الصحيح والضعيف، ويكون الحديث حسنًا هكذا؛ إما بأن يكون أحد رواته مختلفًا فيه، وثقّه قوم وضعّفه آخرون، ولا يكون ما
ضعّف به جرحًا مفسرًا، فإنّه إن كان مفسرًا قدّم على توثيق من وثّقه، فصار به الحديث ضعيفًا»؛ ولما كان كذلك عَسُر على أهل العلم تعريفه.
قال الحافظ ابن كثير: «وذلك لأنّه أمر نسبيٌ، شيءٌ ينقدح عند الحافظ، ربّما تقصر عبارته عنه» (اختصار علوم الحديث: ٣٧) .
وقال ابن دقيق العيد: «وفي تحرير معناه اضطرابٌ» . (الاقتراح: ١٦٢) .
وذلك لأنّه من أدق علوم الحديث وأصعبها؛ لأنّ مداره على من اخُتلف فيه، وَمَن وهم في بعض ما يروي. فلا يتمكن كل ناقدٍ من التوفيق بين أقوال المتقدّمين أو ترجيح قولٍ على قولٍ إلا من رزقه الله علمًا واسعًا بأحوال وقواعد هذا الفن ومعرفةٍ قوية بعلم الجرح والتعديل، وأمعن في النظر في كتب العلل، ومارس النقد والتخريج والتعليل عمرًا طويلًا، ومارس كتب الجهابذة النقاد حتى اختلط بلحمه ودمه، وعرف المتشددين والمتساهلين من المتكلمين في الرجال، ومن هم وسطٌ في ذلك؛ كي لا يقع فيما لا تحمد عقباه؛ ولذلك قال الحافظ الذهبي: «ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدةً تندرج كل الأحاديث الحسان فيها؛ فأنا على إياسٍ من ذلك، فكم من حديثٍ تردد فيه الحفاظ هل هو حسنٌ أو ضعيفٌ أو صحيحٌ؟» .
(الموقظة: ٢٨) .
[ ٨ ]
وللحافظ ابن حجر محاولةٌ جيّدةٌ في وضعه تحت قاعدة كليةٍ فقد قال في النخبة: «وخبر الآحاد بنقل عدلٍ تامّ الضبط، متصل السند غير معللٍ ولا شاذٍ: هو الصحيح لذاته فإن خفّ الضبط، فالحسن لذاته» . (النخبة ٢٩، ٣٤) .
وهي محاولةٌ جيدةٌ. وقد مشى أهل المصطلح على هذا من بعده. وحدّوا الحسن لذاته: بأنه ما اتصل سنده بنقل عدلٍ خف ضبطه من غير شذوذٍ ولا علةٍ» . وشرط الحسن لذاته نفس شرط الصحيح، إلا أنّ راوي الصحيح تامّ الضبط، وراوي الحسن لذاته خفيف الضبط. وسمّي حسنًا لذاته؛ لأنّ حسنه ناشئ عن توافر شروط خاصّة فيه، لا نتيجة شيء خارج عنه.
وقد تبين لنا: أنَّ راوي الحسن لذاته هو الراوي الوسط الذي روى جملة من الأحاديث، فأخطأ في بعض ما روى، وتوبع على أكثر ما رواه؛ فراوي الحسن: الأصل في روايته المتابعة والمخالفة، وهو الذي يطلق عليه الصدوق، لأنّ الصدوق هو الذي يهم بعض الشيء فنزل من رتبة الثقة إلى رتبة الصدوق. فما أخطأ فيه وخولف فيه فهو من ضعيف حديثه، وما توبع عليه ووافقه من هو بمرتبته أو أعلى فهو من صحيح حديثه. أما التي لم نجد لها متابعة ولا شاهدًا فهي التي تسمّى بـ (الحسان)؛ لأنّا لا ندري أأخطأ فيها أم حفظها لعدم وجود المتابع والمخالف؟
وقد احتفظنا بهذه الأحاديث التي لم نجد لها متابعًا ولا مخالفًا وسمّيناها حسانًا؛ لحسن ظننا بالرواة؛ ولأنّ الأصل في رواية الراوي عدم الخطأ، والخطأ طارئٌ؛ ولأنّ الصدوق هو الذي أكثر ما يرويه مما يتابع عليه. فجعلنا ما تفرد به من ضمن ما لم يخطأ فيه تجوزًا؛ لأنَّ ذلك هو غالب حديثه، ولاحتياجنا إليه في الفقه. وبمعنى هذا قول الخطّابي: « وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء» .
[ ٩ ]
ولا بأس أن نحد ذلك بنسبة مئوية فكأنّ راوي الحسن من روى - مثلًا لا حصرًا - مائتي حديث، فأخطأ في عشرين حديثًا وتوبع في ثمانين. فالعشرون التي أخطأ فيها من ضعيف حديثه. والثمانون التي توبع عليها من صحيح حديثه. أما المائة الأخرى وهي التي لم نجد لها متابعًا ولا مخالفًا فهي من قبيل (الحسن) . ومن حاله كهذا: عاصم بن أبي النجود، فقد روى جملة كثيرة من الأحاديث فأخطأ في بعض وتوبع على الأكثر فما وجدنا له به متابعًا فهو صحيح، وما وجدنا له به مخالفًا أوثق منه عددًا أو حفظًا فهو من ضعيف حديثه. وما لم نجد له متابعًا ولا مخالفًا فهو (حسن) . وممن حاله كحال عاصم: «عبيدة بن حميد الكوفي، وسليمان بن عتبة وأيوب ابن هانئ، وداود بن بكر بن أبي الفرات، ومحمد بن عمرو بن علقمة، والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، ويونس بن أبي إسحاق، وسماك بن حرب» .
وهذا الرأي وإن كان بنحو ما انتهى إليه الحافظ ابن حجر العسقلاني إلا أننا لم نجد من فصّله هكذا. وهو جدير بالقبول والتداول بين أهل العلم. وقد يتساءل إنسانٌ بأن من قيل فيهم: صدوق أو حسن الحديث قد اختلف المتقدمون في الحكم عليهم تجريحًا وتعديلًا. وجواب ذلك: أنّ الأئمة النقاد قد اطّلعوا على ما أخطأ فيه الراوي وما توبع عليه فكأنَّ المُجَرِّح رأى أن ما خولف فيه الراوي هو الغالب من حديثه، والمُعَدِّل كذلك رأى أن ما توبع عليه هو غالب حديثه فحكم كلٌّ بما رآه غالبًا، غير أنا نعلم أنَّ فيهم متشددين يغمز الراوي بالجرح وإن كان خطؤه قليلًا، ومنهم متساهلين لا يبالي بكثرة الخطأ، وعند ذلك يؤخذ بقول المتوسطين المعتدلين.
ولذا نجد الحافظ ابن عدي في الكامل، والإمام الذهبي في الميزان يسوقان أحيانًا ما أنكر على الراوي الوسط ثم يحكمان بحسن رواياته الأخرى، والله أعلم.
[ ١٠ ]
وعلى هذا فالحديث الحسن: ما رواه عدل خف ضبطه عن مثله إلى منتهاه ولم يكن شاذًا ولا معلًا. وهذا هو الحسن لذاته. وهو يستوفي نفس شروط الصحيح خلا الضبط فراوي الصحيح تام الضبط وراوي الحسن خفيف الضبط.
أما الحسن لغيره: فهو الحديث الضعيف الذي تقوى بمتابعة أو شاهد.
مثال الحسن لذاته: حديث محمد بن عمرو السابق، لو لم يتابع لكان سند الحديث حسنًا لذاته فلما توبع ارتقى إلى الصحيح لغيره.
ومثاله أيضًا ما رواه الترمذي في شمائل النبي - ﷺ - (٢٣٧)، قال: حدثنا عباس بن محمد الدُّوري، قال: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله، إنك تداعبنا. قال: «إني لا أقولُ إلا حقًا» .
وهذا حديثٌ حسنٌ لذاته من أجل أسامة بن زيد الليثي فهو خفيف الضبط، وهو صدوقٌ حسن الحديث.
أما الحسن لغيره فمثاله: فمثاله ما رواه الترمذي في شمائل النبي - ﷺ - (٢٤٧) قال: حدثنا علي بن حُجْر، قال: حدثنا شَرِيك، عن سِماك بن حرب، عن جابر بن سَمُرة، قال: جالستُ النبيَّ - ﷺ - أكثر من مئة مرة وكان أصحابه يتناشدونَ الشِّعْرَ ويتذاكرون أشياءَ من أمر الجاهلية، وهو ساكتٌ وربما تَبَسَّمَ معهم.
فهذا حديثٌ حسنٌ لغيره؛ فإن شريك بن عبد الله ضعيفٌ عند التفرد بسبب سوء حفظه، لكن تابعه في هذا الحديث زهير أبو خيثمة فارتقى حديثه هذا من حيز الضعف إلى درجة الحسن
مظان الحديث الحسن:
[ ١١ ]
كثيرٌ من كتب الحديث هي مظان الحديث الحسن، ومنها: سنن أبي داود وجامع الترمذي، وقد أكثر الترمذي من ذكره، وقد ظن بعضهم أنَّ كل حديثٍ سكت عنه أبو داود فهو حديثٌ حسن أو صحيح، وهذا خطأ وقد اعتمدوا في ذلك على ما نسبه بعضهم لأبي داود: «وما سكت عنه فهو حسن» وهذا لم يصح عن أبي داود إنما قال أبو داود: «ذكرتُ في كتابي هذا الصحيح وما يشابهه وما يقاربه وما كان في كتابي من حديثٍ فيه وهنٌ شديدٌ فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهوصالح» وكلمة صالح تشمل صلاحية الاحتجاج وصلاحية الاعتبار، ويستفاد من قوله: «وهن شديد» أن ما كان وهنًا يسيرًا لا يبينه، ثم إنه يضعف راويًا فإذا تكرر في حديثٍ آخر يسكت عنه لسبقه الكلام عنه، ثم إنَّ روايات السنن مختلفة وفي بعضها من الكلام على الأحاديث والرواة ما لا يوجد في الأخرى، وأبو عبيد الآجري في سؤالاته ينقل تضعيف أبي داود لبعض الأحاديث، وهو قد سكت عنها في السنن.