ذِكْرُ النَّوْعِ الرَّابِعِ مِنْ مَعْرِفَةِ عِلْمِ الْحَدِيثِ النَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ مَعْرِفَةُ الْمَسَانِيدِ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَهَذَا عِلْمٌ كَبِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ لِاخْتِلَافِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِغَيْرِ الْمُسْنَدِ، وَالْمُسْنَدُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنْ يَرْوِيَهُ الْمُحَدِّثُ عَنْ شَيْخٍ يَظْهَرُ سَمَاعُهُ مِنْهُ لِسِنٍّ يَحْتَمِلُهُ، وَكَذَلِكَ سَمَاعُ شَيْخِهِ مِنْ شَيْخِهِ إِلَى أَنْ يَصِلَ الْإِسْنَادُ إِلَى صَحَابِيٍّ مَشْهُورٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِثَالُ ذَلِكَ مَا
[ ١٧ ]
حَدَّثَنَاهُ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّمَّاكِ بِبَغْدَادَ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُكْرَمٍ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، ⦗١٨⦘ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ حَتَّى كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَتِهِ، فَقَالَ: «يَا كَعْبُ ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا»، وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَيِ الشَّطْرَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَضَاهُ وَبَيَانُ مِثَالِ مَا ذَكَرْتُ أَنَّ سَمَاعِي، عَنِ ابْنِ السَّمَّاكِ ظَاهِرٌ وَسَمَاعَهُ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ مُكْرَمٍ ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، وَسَمَاعُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ مِنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَهُوَ عَالٍ لِعُثْمَانَ، وَيُونُسَ مَعْرُوفٌ بِالزُّهْرِيِّ، وَكَذَلِكَ الزُّهْرِيُّ بِبَنِي كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَبَنُو كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ بِأَبِيهِمْ، وَكَعْبٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصُحْبَتِهِ، وَهَذَا مِثْلُ ضَرْبَتِهِ لِأُلُوفٍ مِنَ الْحَدِيثِ، يَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ عَلَى جُمْلَتِهَا مَنْ رُزِقَ فَهْمَ هَذَا الْعِلْمِ
[ ١٧ ]
وَضِدُّ هَذَا مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ بِمَكَّةَ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَقَالَ نَادِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ نَفْسَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَشَفَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا إِسْنَادٌ مَنْ نَظَرَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الصَّنْعَةِ لَمْ يَشُكَّ فِي صِحَّتِهِ، وَسَنَدِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ مَعْمَرَ بْنَ رَاشِدٍ الصَّنْعَانِيَّ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي صَالِحٍ، وَلِهَذَا الْحَدِيثِ عِلَّةٌ، يَطُولُ شَرْحُهَا وَهُوَ مَثَلٌ لِأُلُوفٍ مِثْلِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا أَهْلُ هَذَا الْعِلْمِ، ثُمَّ لِلْمُسْنَدِ شَرَائِطُ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ مَوْقُوفًا، وَلَا مُرْسَلًا، وَلَا مُعْضَلًا، وَلَا فِي رِوَايَتِهِ مُدَلِّسٌ، فَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ يَجِيءُ شَرْحُهَا بَعْدَ هَذَا فَإِنَّ مَعْرِفَةَ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا عَلَمٌ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَمِنْ شَرَائِطِ الْمُسْنَدِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي إِسْنَادِهِ أُخْبِرْتُ عَنْ فُلَانٍ، وَلَا حُدِّثْتُ عَنْ فُلَانٍ، وَلَا بَلَغَنِي عَنْ فُلَانٍ، وَلَا رَفَعَهُ فُلَانٌ، وَلَا أَظُنُّهُ مَرْفُوعًا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا يَنْفَسِدُ بِهِ، وَنَحْنُ مَعَ هَذِهِ الشَّرَائِطِ لَا نَحْكُمُ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الْحَدِيثِ لَهُ شَرْطٌ نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
[ ١٨ ]