«رأيت النبي - ﷺ - يخطب على بغلة بمنى»، وروى الناس كلهم خطبة النبي - ﷺ - على ناقة، أو جمل، أفيضعف الصحابي بذلك؟» (^١).
وفي هذا السياق كثر من النقاد الإشارة إلى أخطاء الحفاظ الثقات، بعد بيان منزلتهم في الحفظ والإتقان، مثل الزهري، والثوري، ومالك، وحماد بن زيد، ويحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، وغيرهم.
ومن أغراضهم في النص على أن الرواة بشر، لا يمكن أن يسلم أحد منهم من الغلط، وكذلك النص على أغلاط كبار الثقات الحفاظ - شحذ همم الرواة لتجنب الوقوع في الخطأ والوهم، وأخذ الحيطة والحذر، ابتداء من السماع وإتقانه، والحرص على الكتابة، ثم العرض، وانتهاء بالأداء وإتقانه أيضا، وأهمية التحديث من كتاب، ومراجعته قبل التحديث، والحذر من الاعتماد على الحفظ وحده، وما يتخلل ذلك من محافظة الراوي على مسموعه، سواء كان مكتوبا ومحفوظا، من حين سماعه إلى حين أدائه، والاستعانة على ذلك بالمذاكرة، وكثرة المراجعة.
ومن الأغراض كذلك تهيئة نفوس الرواة، وضرورة استعدادهم لتقبل وقوعهم في الخطأ والوهم، وعدم الأنفة من ذلك.
وغرض ثالث مهم جدا -هو بيت القصيد هنا- وهو اليقظة التامة، والانتباه الشديد لما يقع من الرواة من أخطاء، وعدم السكوت عليها كائنا من كان المخطئ.
_________________
(١) «شرح علل الترمذي» ١: ٤٣٦.
[ ١ / ١٢٥ ]
والمتتبع لمسيرة الرواية في عصرها يلحظ بسهولة تحقق هذه الأغراض الثلاثة، ويهمنا منها هنا الحديث عن الغرض الثالث، وهو النقد، فالنقد سار جنبا إلى جنب مع الرواية، فنقاد الحديث وصيارفته هم أيضا من أساطين الرواية وحفاظ الحديث، والرواة -خاصة المكثرين منهم- هم نقاد أيضا، لديهم ملكة النقد، ولديهم الاستعداد له، وإن لم يكثروا منه، أو لم يشتهروا بذلك، وتدون أقوالهم، وتنقل إلينا، كما تقدم مثله في نقد الرواة أنفسهم (^١).
ومن غير المستغرب أن يحدث أحد الرواة بحديث، أمام جمع غفير من الآخذين عنه، فيخطئ في حديث، فيضج المجلس كله يناديه أنك أخطأت، فهذا الحديث ليس عن فلان، إنما هو عن فلان، أو هذا الحديث ليس من حديثك أصلا، فيتراجع الراوي عن التحديث به ويتوقف فيه (^٢).
ومن المهم بالنسبة للباحث أن يجتهد بقدر الإمكان ليقترب من ذلك العصر، ويتأمل ما يدور في مجالس التحديث، ومجالس المذاكرة والنقد، وسيتحقق له أغراض كثيرة بإذن الله تعالى، تتعلق بشخصيته النقدية، وسلوكه للمنهج الصحيح في النقد.
وقد رأيت أن أخصص هذا الفصل لنعيش في محيط ذلك المجتمع العلمي
_________________
(١) «الجرح والتعديل» ص ٣٨٥.
(٢) ينظر: «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٢٢٩ - ٢٣٠، و«سؤالات الآجري لأبي داود» ٢: ١٨٨، و«الجرح والتعديل» ١: ٣٣٦ - ٣٣٧، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٤٣ - ٤٥.
[ ١ / ١٢٦ ]
الرفيع، ونقترب من النظر إلى تلك المجالس الحافلة بالنشاط للوصول إلى الحقيقة، والبحث عنها، ونقترب كذلك من التمعن في شخصية الناقد، وكيف تأهل للنقد، والوسائل التي كانت متوافرة لهم في ذلك الوقت للوقوف على الخطأ، أو التحقق من وقوعه.
وأختم الفصل بالحديث عن الأغراض التي آمل أن تتحقق للباحث بعد قراءته لمباحثه.
[ ١ / ١٢٧ ]