أكتب حديثا ليس عندي» (^١).
وفي لفظ له: «لأن أعرف علة حديث هو عندي، أحب إلي من أكتب عشرين حديثا ليس عندي» (^٢).
ولهذا السبب استحب أئمة النقد الإكثار من كتابة الحديث، وكتابة الجميع دون انتقاء وانتخاب، مسند الحديث، ومرسله، مرفوعه وموقوفه، ومقطوعه، وأحاديث الضعفاء، ليعرض بعضه على بعض، فيتبين الصواب من الخطأ.
قال ابن المبارك: «ما جاء من منتقٍ -يعني منتقي الحديث- خير قط» (^٣).
وقال أيضا: «ما انتخبت على عالم قط إلا ندمت» (^٤).
وقال أيضا: «إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض» (^٥).
وروى الميموني، قال: «تعجب إلي أبو عبدالله -يعني أحمد بن حنبل- ممن يكتب الإسناد، ويدع المنقطع، ثم قال: وربما كان المنقطع أقوى إسنادا وأكبر، قلت: بينه لي، كيف؟ قال: يكتب الإسناد متصلا وهو ضعيف، ويكون المنقطع أقوى إسنادا منه، وهو يرفعه ثم يسنده، وقد كتبه هو على أنه متصل، وهو يزعم
_________________
(١) «علل الحديث» لابن أبي حاتم ١: ١٠.
(٢) «معرفة علوم الحديث» ص ١١٢، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٩٥، وانظر أيضا: ٢: ١٩١.
(٣) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٨٧.
(٤) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٥٦.
(٥) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٩٦.
[ ١ / ١١ ]
أنه لا يكتب إلا ما جاء عن النبي - ﷺ -، معناه: لو كتب الإسنادين جميعا عرف المتصل من المنقطع، يعني ضعف ذا، وقوة ذا» (^١).
ومراده أن الحديث الواحد يختلف على أحد رواته، فيروى عنه مرة متصلا، ومرة منقطعا، وقد يكون المنقطع أقوى إسنادا إليه، فإذا لم يكتب الإسناد المنقطع وكتب المتصل فقط لم تتبين هذه العلة.
وذكر أحمد بعض قرنائه في الطلب، ومتى عرفهم، فذكر إسحاق بن راهويه، فقال: «عند عبدالرزاق، وكان ربما انتخب الكتب، ثم أعود أنا فأكتب ما تركه» (^٢).
وقال يحيى بن معين: «اكتب الحديث خمسين مرة، فإن له آفات كثيرة» (^٣).
وقال أيضا: «لو لم نكتب الشيء من ثلاثين وجها ما عقلناه» (^٤).
وقال أيضا: «من لم يكتب حديث معاوية بن سلام مسنده ومنقطعه فليس هو صاحب حديث» (^٥).
وقال ابن المديني: «الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين لك خطؤه» (^٦).
وهكذا يقال في فهم الحديث والاستنباط منه، هو بحاجة إلى جمع طرقه
_________________
(١) «الكفاية» ص ٣٩٥، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٩١.
(٢) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٢٥٦.
(٣) «الجامع لأخلاق الراوي»، ٢: ٢١٢.
(٤) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٦٥٨، و«المجروحين» ١: ٣٣، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢١٢.
(٥) «الجرح والتعديل» ٨: ٣٨٣.
(٦) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢١٢.
[ ١ / ١٢ ]