ابن عباس، قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن كل ذي ناب من السباع …» الحديث (^١).
ورواه بعض أصحاب شعبة عنه موقوفا، ثم يقول شعبة: «رفعه الحكم، وأنا أكره أن أحدث برفعه، حدثني غيلان، والحجاج، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، لم يرفعه» (^٢).
ومما يجدر التنبيه عليه هنا أن معرفة الراوي بمخالفة غيره له ليس بالأمر اليسير عليه، فالراوي حين يبلغه ذلك يكون قد وضع في موقف دقيق عليه أن يتجاوزه بإتقان، وإلا زَلَّت به قدمه.
وبيان ذلك من ثلاث جهات، الأولى: أن الراوي قد يتراجع عن روايته إلى رواية مخالفه، مع أن الصواب كان معه، فيضطر مرة أخرى إلى الرجوع إلى روايته الأولى.
ومن أمثلة ذلك أن سفيان الثوري، وزائدة بن قدامة، وشريك، وغيرهم، رووا عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي حديث صفة الوضوء (^٣).
ورواه شعبة فسمى خالد بن علقمة: مالك بن عرفطة، وقد خطأه النقاد في ذلك (^٤).
_________________
(١) «صحيح مسلم» حديث (١٩٣٤)، و«مسند أبي عوانة» ٥: ١٨، ١٩.
(٢) «مسند أحمد» ١: ٢٨٩، و«مسند أبي عوانة» ٥: ١٩.
(٣) «سنن أبي داود» حديث (١١٢)، و«سنن الترمذي» حديث (٤٩)، و«سنن النسائي» حديث (٩١)، و«مسند أحمد» ١: ١١٥، ١٢٣، ١٢٥، ١٣٥، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٥٦، و«سنن الدارقطني» ١: ٨٩، و«علل الدارقطني» ٤: ٤٦.
(٤) «سنن أبي داود» حديث (١١٣)، و«سنن الترمذي» حديث (٤٩)، و«سنن النسائي» حديث (٩٣)، و«مسند أحمد» ١: ١٢٢، ١٣٩، و«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٥١٥، و«التاريخ الكبير» ٣: ١٦٣، و«مسند البزار» حديث (٧٩٣)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٥٦، و«سنن الدارقطني» ١: ٦٣، و«علل الدارقطني» ٤: ٤٩، و«موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢: ٧٩، و«تهذيب التهذيب» ٣: ١٠٨.
[ ١ / ١٥٤ ]
وكان أبو عوانة الوضاح بن عبدالله يرويه أولا كرواية الجماعة، ثم تابع شعبة على قوله، ثم قيل له: إن شعبة يخطئ فيه، فرجع إلى الصواب، قال أبو داود: «قال أبو عوانة يوما: حدثنا مالك بن عرفطة، عن عبد خير، فقال له عمرو الأغضف: رحمك الله يا أبا عوانة، هذا خالد بن علقمة، ولكن شعبة يخطئ فيه، فقال أبو عوانة: هو في كتابي: خالد بن علقمة، ولكن قال لي شعبة: هو مالك بن عرفطة».
ثم قال أبو داود: «حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا أبو عوانة، عن مالك بن عرفطة، وسماعه قديم، حدثنا أبو كامل، قال: حدثنا أبو عوانة، عن خالد بن علقمة، وسماعه متأخر، كان بعد ذلك (يعني أبا عوانة) رجع إلى الصواب» (^١).
ونحو هذا لابن المديني، وأبي حاتم (^٢).
وروى نوح بن حبيب قال: «حضرنا عبدالرحمن بن مهدي فحدثنا عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، في قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، فقال رجل: يا أبا سعيد حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان،
_________________
(١) «تحفة الأشراف» ٧: ٤١٧، وانظر: «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢: ٧٨.
(٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٩، و«موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢: ٧٩. ورواية أبي عوانة كرواية الجماعة أخرجها أبو داود حديث (١١١)، والنسائي حديث (٩٢)، وأحمد ١: ١٥٤، وعبدالله بن أحمد في زوائد المسند ١: ١٤١، وكرواية شعبة أخرجها الخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢: ٧٨.
[ ١ / ١٥٥ ]
عن أبيه، عن أبي الضحى، قال: فسكت عبدالرحمن، وقال له آخر: يا أبا سعيد حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، قال: فسكت، وقال: حافظان! !، ثم قال: دعوه.
ثم أتوا به يحيى بن سعيد، فأخبروه أن عبدالرحمن بن مهدي حدث بهذا الحديث عن الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى، فأخبر أنك تخالفه، ويخالفه وكيع، فأمسك عنه، وقال: حافظان، فدخل يحيى بن سعيد ففتش كتبه فخرج وقال: هو كما قال عبدالرحمن: عن سفيان، عن منصور، فأخبر وكيع بقصة عبدالرحمن والحديث، وقوله: حافظان، فقال وكيع: عافى الله أبا سعيد، لا ينبغي أن يقبل الكذب علينا، ثم نظر وكيع فقال: هو كما قال عبدالرحمن، اجعلوه عن منصور» (^١).
وقال أبو زرعة: «كنا عند أبي بكر بن أبي شيبة، ومعنا كيلجة، فقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا ابن عيينة، عن عبدالله بن أبي بكر، عن أنس، أنه قال: «يتبع الميت ثلاث …»، فقال كيلجة: هو عن عبيدالله بن أبي بكر، فقال: عن عبيدالله بن أبي بكر، فقلت: يا أبا بكر تركت الصواب وتلقنت الخطأ، إنما روى هو عن عبدالله بن أبي بكر، وسفيان لم يلق عبيدالله بن أبي بكر، فقال: لقنني هذا، فقلت: كلما لقنك هذا تريد أن تقبله؟» (^٢).
_________________
(١) «الجرح والتعديل» ١: ٢٥٥، وقد أخرجه الطبري في «تفسيره» ١٣: ١٠٦، عن أبي كريب، عن وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى قال: «محمد هو المنذر وهو الهاد».
(٢) «الجرح والتعديل» ١: ٣٣٨، والحديث أخرجه البخاري حديث (٦٥١٤)، ومسلم حديث (٢٩٦٠)، والترمذي حديث (٢٣٧٩)، من طرق عن سفيان، عن عبدالله بن أبي بكر، عن أنس مرفوعا.
[ ١ / ١٥٦ ]