في حال الحديث، وفيما يثبته الباحث منها في التخريج، وكيفية صياغته، وسيأتي هذا كله في أماكنه من هذا الكتاب.
والذي يهمنا هنا ما يتعلق بمرحلة جمع الطرق، فالمطلوب من الباحث أن يحتفي بالطرق المعلقة كاحتفائه بالطرق المسندة، ويقيدها أثناء جمعه للطرق، بالغة ما بلغت، والحاجة إليها قد تكون في بعض الأحاديث أشد من أسانيد للحديث وجدها الباحث مسندة.
والباحث إذا وصل إلى مكان الحديث في المصدر ووجده قد ساق إسناده ولم يعلقه لا يكتفي بتقييد إسناده، وعليه أن يقرأ ما قبله وما بعده، خشية أن يكون المؤلف أضاف شيئا من الطرق لم يسندها، وإذا كان الباحث مستعجلا ربما فاته شيء منها.
ومن جهة ثانية، فتعليق الطرق يختلف عند المؤلفين والنقاد بصفة عامة عن ذكرها مسندة، إذ يحرصون على اختصارها ما أمكن، ولهذا فالمطلوب من الباحث حين يريد جمعها أن يتمعن فيها جيدا قبل إثباتها في رسمه التوضيحي، ولا يثبتها فيه حتى يتضح له مسار هذه الطرق.
فالمؤلف أو الناقد وهو يذكر الرواة عن المدار ربما زاد في بعض الرواة عن المدار بذكر من دونه أيضا، وذلك في سياق واحد، بغرض بيان حال الإسناد قبله، أو لكونه قد روي عنه رواية أخرى، فيريد الناقد بيان من روى هذه عنه، ومن روى هذه.
[ ١ / ٧٩ ]
وممن يفعل هذا كثيرا الدارقطني في «علله»، لكونه يسوق طرقا كثيرة، واختلافات عالية ونازلة، وسوقه للأسانيد في الغالب لا غموض فيه، كما في قوله وقد سئل عن حديث زيد بن يثيع، عن علي ﵁، عن النبي - ﷺ -: «إن تستخلفوا أبا بكر تجدوه زاهدا في الدنيا …» الحديث، قال: «هو حديث يرويه زيد بن يثيع، واختلف عنه، فرواه أبو إسحاق، واختلف عن أبي إسحاق أيضا، فقال يونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل -من رواية عبدالحميد بن أبي جعفر الفراء عنه-، وفضيل بن مرزوق، وجميل الخياط: عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي …، وقال إسرائيل: عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع مرسلا، لم يذكر عليا …» (^١).
فذكر في هذا النص روايتين عن إسرائيل، الأولى من رواية عبدالحميد بن أبي جعفر الفراء عنه، وهي الموصولة بذكر علي، والثانية المرسلة، ولم يذكر الدارقطني من رواها عن إسرائيل، ولعل ذلك لكونها هي المشهورة عن إسرائيل.
وربما كان في السياق شيء من الغموض، فيحتاج الباحث إلى حسن التعامل مع النص حينئذ، وذلك بالاستعانة بطبقات الرواة، ومصادر التخريج.
مثال ذلك أن الليث بن سعد روى عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: «قالوا لرسول الله - ﷺ -: أصحاب الحمر؟ قال: لم ينزل علي في الحمر شيء، إلا هذه الآية الفاذة …» الحديث.
_________________
(١) «علل الدارقطني» ٣: ٢١٤.
[ ١ / ٨٠ ]
سئل عنه أبو زرعة فقال: «هذا وهم، وهم فيه الليث، إنما الصحيح كما رواه مالك، وحفص بن ميسرة، وابن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -» (^١).
فظاهر النص أن الثلاثة -وهم: مالك، وحفص، وابن أبي فديك- يروونه عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، وليس هذا هو المقصود، فالمقصود أن مالكا، وحفص بن ميسرة، وكذا هشام بن سعد، فيما يرويه عنه ابن أبي فديك، الثلاثة يروونه عن زيد بن أسلم بهذا الإسناد (^٢).
ومراد أبي زرعة أن الليث خالفه ابن أبي فديك في الرواية عن هشام بن سعد، عن زيد، وكذلك مالك، وحفص بن ميسرة، حين روياه عن زيد بن أسلم، فخولف الليث في طبقتين.
وقد مر عدد من الباحثين بعبارة أبي زرعة فاستشكلوها، وحملها بعضهم أولا على ظاهرها، ووجد في المصادر أن مالكا، وحفص بن ميسرة، إنما يرويان الحديث عن زيد مباشرة، فنصب اختلافا على مالك، وحفص بن ميسرة، على وجهين، أحدهما ما في المصادر، وهو كونهما يرويانه عن زيد مباشرة، والثاني ما ذكره أبو زرعة، وهو أنهما يرويانه عن هشام بن سعد، عن زيد، ثم عاد الباحث وأبدى احتمالا آخر، وهو أن يكون في النسخ تحريف وسقط، وقال:
_________________
(١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢١٨.
(٢) «صحيح البخاري» حديث (٢٣٧١)، و«صحيح مسلم» حديث (٩٨٧)، و«سنن أبي داود» حديث (١٦٥٩)، و«موطأ مالك» ٢: ٤٤٤.
[ ١ / ٨١ ]