هناك مصطلحات كثيرة تستخدم في مقارنة المرويات، يأتي بعضها في مباحثه الخاصة، ولكن هناك مصطلحات يكثر دورانها ولا تختص بقضية معينة، ومن هذه المصطلحات: المدار، والوجه، والمتابعة، والشاهد.
فأما المدار فهو راو تدور عليه أسانيد أحاديث معينة، أو أسانيد حديث واحد، ومعنى دورانها عليه أنها كلها تجتمع عنده، وترجع إليه.
فلو نظرنا في حديث أبي هريرة الماضي في الفصل السابق، وهو حديث: «كلمتان خفيفتان على اللسان …» لوجدنا أن له طرقا كثيرة، كلها ترجع إلى أحد رواة الإسناد، وهو محمد بن فضيل، ومن محمد إلى أبي هريرة إسناده واحد، فنقول عن محمد بن فضيل: عليه مدار طرق حديث أبي هريرة.
وحديث أنس: «أن أبا طلحة سأل النبي - ﷺ - عن أيتام ورثوا خمرا …»، له طرق في طبقاته الأولى، حتى وصل الحديث إلى يحيى بن عباد راويه عن أنس، فلم يشاركه أحد في الرواية عن أنس، فيحيى بن عباد إذن يقال عنه إنه مدار حديث أنس هذا.
وحديث أنس: «كان النبي - ﷺ - قاعدا في المسجد، إذ جاء أعرابي فبال في المسجد …»، له أيضا طرق في جميع طبقاته، فمداره إذن هو صحابيه أنس بن مالك.
فإن لم يكن للحديث سوى إسناد واحد فليس له حينئذ مدار.
وما تقدم هو المدار المطلق، ومعناه أن الحديث كل طرقه ترجع إلى صاحب المدار، ولا يخرج عن هذا الإطلاق شيء، وفي المقابل هناك مدارات نسبية، ليس
[ ١ / ٤٣ ]
لها ضابط معين، فالمدار بالنسبة لشيء معين، كأن يكون أحد رواة الإسناد، فلو افترضنا مثلا أن هناك حديثا عن ابن عمر، ورواه عن ابن عمر جماعة، كسالم ابنه، ونافع، وعبدالله بن دينار، وسالم يرويه عنه الزهري فقط، ومن الزهري تفرعت الأسانيد، فنقول حينئذ عن إسناد سالم: مداره على الزهري، وهكذا في إسناد نافع لو تفرد بالحديث عنه مالك، فهذا كله مدار نسبي، وإلا فأصل الحديث مداره المطلق صحابيه، وهو ابن عمر.
ومثل هذا يقال في المصادر، فلو كان للحديث راو واحد تعود إليه الأسانيد في مصادر مخصوصة، كـ «الصحيحين»، أو الكتب الستة، فيقال: هذا الحديث أخرجه الشيخان، ومداره عندهما على فلان، أو أخرجه الستة، ومداره عندهم على فلان، وقد يكون له طرق أخرى خارج هذه الكتب.
وكذلك قد يكون لبعض الحديث مدار، فيروي الحديث جماعة، وينفرد واحد منهم بلفظة فيه، يرويها عنه جماعة، فيقال: زيادة كذا مدارها على فلان، وإن كان قد توبع في بقية الحديث.
وكذلك قد يشتهر الحديث عن راو، فيعبر عنه بأنه مداره، مع وجود متابعات له تحتاج إلى نظر، كما في قول الحاكم عن حديث صفوان بن عسال في طلب العلم: «ومدار هذا الحديث على حديث عاصم بن بهدلة، عن زر …، وله عن زر بن حبيش شهود ثقات غير عاصم بن بهدلة، فمنهم المنهال بن عمرو …» (^١).
_________________
(١) «المستدرك» ١: ١٠٠.
[ ١ / ٤٤ ]