«والصواب -والله أعلم- في العبارة: إنما الصحيح كما رواه مالك، وحفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، وما رواه ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم».
وما ذكر الباحث أنه الصواب هو مراد أبي زرعة بلا شك، غير أن العبارة مستقيمة، لا سقط فيها ولا تحريف، وهي طريقة للنقاد، لا بد للباحث أن يدركها لئلا يستشكل كلامهم، وليتقن مسار الأسانيد حين يستخدمونها، وأيضا يتعود عليها ليستخدمها هو، حيث يحتاج لتلخيص الطرق، وعرضها للقارئ، كما سيأتي معنا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب.
ومما ينبغي التنبه له كذلك فيما يورده النقاد من طرق معلقة - أنهم يحذفون من وسط الإسناد بعد المدار بعض رواته، لكون السياق دالا عليهم، يفعلون هذا كثيرا، من باب الاختصار، وتلخيص الكلام.
ومن صور ذلك أن يقول الناقد -مثلا-: روى هذا الحديث هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ورواه أبان بن يزيد، عن أبي سلمة مرسلا، ورواه الأوزاعي، عن أبي سلمة، عن عائشة.
فرواية أبان بن يزيد، والأوزاعي، ليست عن أبي سلمة مباشرة، والمقصود أن أبان بن يزيد رواه عن يحيى بن أبي كثير فجعله عن أبي سلمة مرسلا، وأن الأوزاعي رواه عن يحيى بن أبي كثير، فجعله عن أبي سلمة، عن عائشة، وأسقط ذكر يحيى في عرض روايتيهما للعلم به، فإن أبان بن يزيد، والأوزاعي، من
[ ١ / ٨٢ ]
أصحاب يحيى بن أبي كثير، وقد تقدم ذكره في الإسناد الأول، فالمدار عليه.
وأكتفي هنا بمثال واحد، قال الدوري: «حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: «نهى عن عسيب الفحل»، قال يحيى: وحدث به ابن أبي شيبة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، وهذا خطأ، إنما هو حديث ابن أبي ليلى» (^١).
فقول ابن معين: وحدث به ابن أبي شيبة، عن ابن جريج، عن عطاء، مراده: حدث به عن وكيع، عن ابن جريج، عن عطاء، فابن أبي شيبة لم يدرك ابن جريج.
وربما أسقط الناقد أكثر من راو، فيقول مثلا: ورواه الأوزاعي، عن عائشة، أي عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة.
وربما وقع بسبب الاختصار شيء من الغموض، إما بسبب الاختصار الشديد، أو لمخالفته شيئا مما وقف عليه الباحث خارج كلام الناقد، فيحتاج حينئذ إلى التأمل في السياق، والنظر في المصادر الأخرى، وكلام النقاد الآخرين، وغير ذلك، مثله مثل قضايا هذا الفن الأخرى، قد تكون ظاهرة لا تحتاج إلى عناء، وقد تحتاج إلى نظر الباحث واجتهاده، والغالب في اختصار النقاد للأسانيد وضوح غرضهم ومقصدهم، فهذا يكون الأمر فيه بدهيا بالنسبة للباحث المتخصص، وما يندر منه يعالجه الباحث وفق ما يحف به من قرائن.
فمن ذلك قول أبي داود: «سمعت أحمد ذكر له حديث جرير، عن منصور،
_________________
(١) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٣: ٤٩٣.
[ ١ / ٨٣ ]
عن ربعي، عن حذيفة، عن النبي - ﷺ -: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة …»، قال: هذا: سفيان وغيره، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - يعني يرويه سفيان وغيره، عن منصور، عن ربعي، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - … -» (^١).
فاحتاج أبو داود إلى بيان مراد أحمد في صفة رواية سفيان الثوري ومن معه، حيث اختصرها أحمد جدا.
وقال أبو داود أيضا: «سمعت أحمد سئل عن حديث عقبة بن عامر: «أن أخته نذرت أن تحج حافية …»، قال: روح يقول: يحيى بن أيوب، وابن بكر، وعبدالرزاق يقولان: سعيد بن أبي أيوب -يعني: يقولون عن ابن جريج، عنهما-» (^٢).
أوضح أبو داود أن روح بن عبادة، ومحمد بن بكر، وعبدالرزاق، يروون هذا الحديث عن ابن جريج، فسمى روح شيخ ابن جريج: يحيى بن أيوب، وسماه الآخران: سعيد بن أبي أيوب (^٣).
_________________
(١) «مسائل أبي داود» ص ٣٩١، وحديث حذيفة أخرجه أبو داود حديث (٢٣٢٦)، والنسائي حديث (٢١٢٥)، وحديث الرجل أخرجه النسائي حديث (٢١٢٦)، والدارقطني ٢: ١٦١، وقد قيل فيه عن منصور، عن ربعي مرسلا، وهذه رواية الحجاج بن أرطاة، أخرجه النسائي حديث (٢١٢٧).
(٢) «مسائل أبي داود» ص ٤٤٤.
(٣) وقد وافق محمد بن بكر، وعبدالرزاق: هشام بن يوسف، وحجاج بن محمد، كما وافق روح بن عبادة: أبو عاصم الضحاك بن مخلد، انظر هذه الروايات في: «صحيح البخاري» حديث (١٨٦٦)، و«صحيح مسلم» حديث (١٦٤٤)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٢٩٩)، و«سنن النسائي» حديث (٢٣٣٨)، و«مسند أحمد» ٤: ١٥٢.
[ ١ / ٨٤ ]
وسأل الترمذي البخاري عما رواه أزهر بن سعد، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي: «أن فاطمة شكت إلى النبي - ﷺ - مَجل يديها …» الحديث، فقال البخاري: «يقولون: هو في كتاب أزهر، عن ابن عون، عن عبيدة، عن النبي - ﷺ -، مرسل» (^١).
فقد يفهم من كلام البخاري أن الإرسال في موضعين، بين ابن عون، وعبيدة، بإسقاط ابن سيرين، وبين عبيدة، ورسول الله - ﷺ -، بدون ذكر علي، غير أن هناك دلائل تشير إلى أن مقصوده بالإرسال عدم ذكر علي فقط، وأنه اختصر الإسناد، فاقتصر على ذكر محل الاختلاف، وهو ذكر علي أو حذفه.
فالنقاد الآخرون غير البخاري -وقد اتفقوا مع البخاري على تعليل الموصول بالمرسل- كلهم ذكر محمد بن سيرين، وإنما اختلفوا في صفة الإرسال بعد ذلك، هل هي بعدم ذكر عبيدة، أو بعدم ذكر علي؟ ومن ذلك قول البزار بعد أن أخرج الحديث بإسناده عن أزهر، وأشار إلى حديث آخر وصله أزهر أيضا: «وأخرجه إلي بشر بن آدم -ابن بنت أزهر- من أصل كتاب أزهر، فإذا فيه: عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة مرسلا، وكذلك حديث: «جاءت فاطمة
_________________
(١) «العلل الكبير» ٢: ٩٠٩.
[ ١ / ٨٥ ]
﵂ …» مرسلا أيضا» (^١).
وعلى هذا فعبارة البخاري تكتب هكذا: «يقولون: هو في كتاب أزهر، عن ابن عون: عن عبيدة، عن النبي - ﷺ -، مرسل»، بوضع نقطتين بعد ابن عون، فما بعدهما هو مراد البخاري، وهو محل الاختلاف بين الموصول والمرسل.
وسئل الدارقطني عن حديث أبي سعيد الخدري، عن أبي بكر الصديق، أنه قال: «ألست أحق الناس بها؟ ألست أول من أسلم؟ …» الحديث، فقال: «يرويه الجريري، عن أبي نضرة، واختلف عنه، فرواه عقبة بن خالد، ويعقوب الحضرمي، عن شعبة، عن الجريري، عن أبي سعيد …، وغيرهما يرويه عن شعبة مرسلا، وكذلك رواه ابن علية، وابن المبارك، وعدة، عن سعيد (يعني الجريري) مرسلا، وهو الصحيح» (^٢).
وصفة المرسل في كلام الدارقطني الأقرب أن يكون قصد به إسقاط أبي سعيد، في مقابل الموصول بذكره، لكن وجدت رواية شعبة على صفتين في الإرسال، إحداهما بإسقاط أبي سعيد، وهذه رواية عبدالرحمن بن مهدي (^٣)، والثانية بإسقاط أبي سعيد، وأبي نضرة، وجعله عن الجريري مرسلا، وهذه رواية
_________________
(١) «مسند البزار» حديث (٥٥١).
(٢) «علل الدارقطني» ١: ٢٣٤. والموصول له طرق أخرى عن شعبة، ينظر: «سنن الترمذي» حديث (٣٦٦٧)، و«فضائل الصحابة» لخيثمة بن سليمان حديث (١٢٩)، و«تاريخ ابن عساكر» ٣٠: ٣٧.
(٣) «سنن الترمذي» حديث (٣٦٦٧).
[ ١ / ٨٦ ]
عفان بن مسلم (^١)، فاحتملهما كلام الدارقطني، وإن كان الأقرب هو الأول.
والوقوف على روايتي ابن علية، وابن المبارك، يساعد كثيرا في إيضاح كلام الدارقطني.
وقد رأيت اضطرابا من بعض الباحثين في التعامل مع ما يعلقه النقاد، وفهم مسار الأسانيد، فمنهم من يبالغ في البيان، ويملأ حواشي الكتاب بالتنبيه على مراد الناقد حين ينقل نصه، فيقول في الحاشية: مراده كذا، مراده كذا، مع وضوح المراد، وسهولة فهمه من السياق، فهذا الصنيع غير مناسب.
ومن الباحثين من غابت عنه القضية من أساسها، أو حين يعالج نصا معينا، فقد ذكر أحد الباحثين قول ناقد: «روى سعيد: «من باع عبدا وله مال …»، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عمر، ورواه هشام، وهمام، عن عكرمة -وهو ابن خالد- عن الزهري».
فعلق عليه الباحث بكلام قال في نهايته: «أما الإسناد الثاني فعلته التعليق، والانقطاع أيضا، لأنه لم يثبت أن هشاما، وهماما، من تلاميذ عكرمة بن خالد، بل شيخهما في هذا الحديث هو قتادة، وقد سقط من الإسناد هنا، بدليل ما ذكره المزي …».
كذا قال الباحث، والناقد لم يرد أن هشاما، وهماما، رويا الحديث عن عكرمة بن خالد بلا واسطة، فمراده أنهما روياه عن قتادة، فجعلاه عنه، عن عكرمة بن خالد، عن الزهري، فلا انقطاع في الإسناد.
_________________
(١) «طبقات ابن سعد» ٣: ١٨٢.
[ ١ / ٨٧ ]
ونقل الترمذي عن البخاري قوله في حديث: «الصلاة مثنى، مثنى …»، وقد اختلف فيه شعبة، والليث بن سعد، على عبد ربه بن سعيد في الإسناد: «روى شعبة هذا الحديث عن عبد ربه بن سعيد، فأخطأ في مواضع، فقال: عن أنس بن أبي أنس، وهو عمران بن أبي أنس، وقال: عن عبدالله بن الحارث، وإنما هو: عبدالله بن نافع بن العمياء، عن ربيعة بن الحارث، وقال شعبة: عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي - ﷺ -، وإنما هو: ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، عن الفضل بن عباس، عن النبي - ﷺ - …» (^١).
فتصدى أحمد شاكر لتخريج رواية شعبة، وذكر أن شعبة يرويه عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، ثم قال: «ومن هنا تعرف خطأ البخاري -فيما نقله عنه الترمذي هنا … - من أن شعبة لم يذكر في الإسناد عبدالله بن نافع بن العمياء».
كذا قال، والبخاري لم يخطئ، غاية ما فعل أنه اختصر الإسناد بالنص على موضع الخطأ، وأما الصواب فطواه البخاري، فشعبة مشترك فيه مع الليث بن سعد، فكلاهما قد ذكر عبدالله بن نافع بن العمياء، لكن شعبة أخطأ فقال: عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن عبدالله بن الحارث، والصواب ما رواه الليث وقال فيه: عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن ربيعة بن الحارث، ونقل الترمذي كلام البخاري في «السنن»، و«العلل الكبير»، ولم يعترضه بشيء، وقد أخرج
_________________
(١) «سنن الترمذي» حديث (٣٨٥)، و«العلل الكبير» ١: ٢٥٨.
[ ١ / ٨٨ ]