وطلبته، لا يصح له أن يهمله، وهكذا، في صور وتشعبات لا تنتهي، أسها الأول هذه المرحلة -مرحلة جمع الطرق وتنسيقها-.
وإذا أدركنا أن المدار-مطلقا كان أو نسبيا- هو محل نظر الباحث أثناء جمعه للطرق، فمن المهم هنا التأكيد على ضرورة اعتنائه بصفة الإسناد والمتن بعد المدار، فيدقق جيدا في الإسناد الذي وقف عليه، ويتمعن فيه من جهة صفة الرواية الموجودة فيه، هل هي موقوفة، أو مرفوعة؟ وهل هي موصولة، أو مرسلة؟ وهل فيها زيادة راو، أو حذف راو؟ ونحو ذلك.
فهذا التدقيق في صفة الروايات له أثره البالغ في المراحل اللاحقة، فأي زلة فيه قد تنهي عمله برمته، ومع كثرة الأسانيد، وسعة المصادر، وتنوعها، قد يغفل الباحث لحظة فيقع في الخطأ، خاصة إذا كان في ابتداء أمره، في مرحلة الماجستير، أو الدكتوراه -مثلا-.
ومما يلزم لإتقان ذلك أن يكون لدى الباحث خبرة بصيغ الرواية والتحديث، ومصطلحاتها، يفرق بين الرواية عن الشخص، والرواية لقصة الشخص، وبين أن يكون الاسم موجودا في الإسناد، أو موجودا في المتن، يعرف الفرق بين صيغ الرفع الصريحة، وغير الصريحة، وصيغ الوقف.
والمتأمل في عمل الباحثين يرى خللا في هذا الجانب، فتسرد الروايات والطرق دون تمييز، وأكثر ما يكون ذلك -كما أسلفت- في بداية الطريق.
مَرّ بي في تحقيق كتاب ابن الجوزي: «التحقيق في أحاديث التعليق» حديث
[ ١ / ٩١ ]
أيوب السختياني، عن سليمان بن يسار: «أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت، فأمرت أم سلمة أن تسأل رسول الله - ﷺ - …» الحديث، وقد ساقه ابن الجوزي من طريق معلى بن أسد، عن وهيب بن خالد، عن أيوب (^١).
فقمت بتخريجه من طريق موسى بن إسماعيل، وعفان بن مسلم، عن وهيب، وفي روايتهما: عن أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة بالقصة (^٢)، هكذا فيها: سليمان بن يسار، عن أم سلمة، صورته أنه يرويه عنها، ولم أبين ذلك في التخريج.
وخرجته أيضا من طريق إسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وعبدالوارث بن سعيد، عن أيوب السخيتاني، وفي رواية سفيان بن عيينة خاصة: عن أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة أنها قالت: «كانت فاطمة بنت أبي حبيش تستحاض …» (^٣)، ولم أبين ذلك.
ثم خرجته من طريق نافع، عن سليمان بن يسار، وقد اختلف فيه على نافع، وعلى من دونه، وموضع الشاهد هنا أنني ذكرت من طرقه طريق أنس بن عياض، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن رجل، عن أم سلمة، هكذا ذكرته، والصواب أنه عن رجل من الأنصار: «أن امرأة كانت
_________________
(١) «التحقيق في أحاديث التعليق» حديث (٣٣٦).
(٢) «سنن أبي داود» حديث (٢٧٨)، و«مسند أحمد» ٦: ٣٢٢.
(٣) «مسند الحميدي» حديث (٣٠٢).
[ ١ / ٩٢ ]
تهراق الدماء …» (^١).
وقرأت لأحد الباحثين تخريجا لهذا الحديث، صنع فيه مثل ما صنعت سواء بسواء.
والخطأ الذي وقعنا فيه في صميم مشكلة البحث، فمشكلته تدور حول الصواب في رواية سليمان له عن أم سلمة، هل هو يرويه عنها مباشرة، أو بواسطة رجل، أو يرسله فيروي القصة بنفسه؟ .
وذكر ابن حجر طرق حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: «لا حسد إلا في اثنتين …» الحديث، فقال محققه مستدركا عليه: «ويزاد: أحمد ٢/ ٤٧٩: ثنا محمد بن جعفر، وروح بن عبادة، كلاهما عن شعبة، وعن يحيى بن آدم، عن يزيد بن عبدالعزيز، كلاهما عن الأعمش، عنه، به» (^٢).
كذا قال الباحث، ورواية يزيد بن عبدالعزيز هي عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري.
وتعرض أحد الباحثين لتخريج رواية الدراوردي، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
ثم قال الباحث: «وأخرجه البيهقي في «السنن» ١٠/ ١٩٢، وفي «الشعب» (٧٩٧٧)، من طريق يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان به».
_________________
(١) «سنن أبي داود» حديث (٢٧٦).
(٢) «إتحاف المهرة» ١٤: ٥٠٤.
[ ١ / ٩٣ ]
ورواية يحيى بن أيوب هذه من مرسل ابن عجلان، ليس فيها ذكر القعقاع بن حكيم، ومن بعده، والبيهقي ساقها علة لحديث الدراوردي (^١).
وذكر أحد الباحثين رواية إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، عن مروان بن الحكم، عن عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، عن أبي بن كعب، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن من الشعر حكمة».
قال الباحث في تخريجه: «وأخرجه الطيالسي (٥٥٦)، والشافعي ٢/ ١٨٨ - ومن طريقه البيهقي ١٠/ ٢٣٧ - عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، عن مروان بن الحكم، عن عبدالرحمن بن الأسود مرسلا».
كذا قال الباحث، ورواية أبي داود الطيالسي موصولة، ليست مرسلة.
وتعرض باحث آخر لرواية يونس بن يزيد، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين»، فقال الباحث: «ورواه عنبسة بن خالد -فيما أخرجه يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» ٣/ ٤، ومن طريقه البيهقي في «السنن» ١٠/ ٦٩ - عن يونس، عن ابن شهاب، حدث أبو سلمة بن عبدالرحمن، عن عائشة مرفوعا، قال البيهقي: هذا يدل على أنه لم يسمعه من أبي سلمة، وإنما سمعه من سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة».
كذا نقل الباحث عن المصدرين، والذي في «المعرفة والتاريخ» هكذا: عن
_________________
(١) «سنن البيهقي» ١٠: ١٩٢، و«شعب الإيمان» حديث (٧٦٠٨ - ٧٦٠٩).
[ ١ / ٩٤ ]
ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن …، ثم هو فيه من كلام عائشة، ففيه: أن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين».
وقام أحد الباحثين بتخريج حديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، أو عن أبي بردة، عن الأغر المزني، عن النبي - ﷺ -، قال: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة»، فارتكب في تخريج الوجه الثاني
-وهو عن أبي بردة، عن الأغر المزني، عن النبي - ﷺ - عدة أخطاء في العزو، وفي صفة الروايات.
منها أنه خرج رواية جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، عن أبي بردة، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، عن النبي - ﷺ -، من «سنن النسائي الكبرى» (٦/ ١١٦ ح ١٠٢٧٧)، والذي في «السنن»: عن أبي بردة، عن رجل من أصحابه، عن النبي - ﷺ -.
وعزا إلى النسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ١١٦ ح ١٠٢٨١) طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي بردة، عن الأغر المزني، عن النبي - ﷺ -، والذي فيه بهذا الرقم من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي بردة، عن الأغر المزني، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -، وهو وجه لم يذكره الباحث، وأما رواية شعبة بدون ذكر ابن عمر فهي عند النسائي برقم (١٠٢٨٠).
وخرج أيضا من «مسند البزار» (٨/ ١٢٠ ح ٣١٢٣)، طريق أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، وهذا الموضع عند البزار ليس من هذا الطريق، وإنما هو من طريق المغيرة بن أبي الحر، عن سعيد بن أبي بردة، عن
[ ١ / ٩٥ ]