خف عليك فأعلم أبا حاتم -عافاه الله- ومن سألك من أصحابنا، فإنك في ذلك مأجور -إن شاء الله- والعار خير من النار» (^١).
الثالثة: الراوي إذا ظهر غلطه، وأصر على روايته ولم يرجع عنها، أثر ذلك في درجته في الرواية، وربما وصل الأمر إلى تركه، كما توارد على تقرير هذا عدد من النقاد (^٢)، فهذا جانب مهم على الراوي أن يراعيه حين ينبه على شيء ما في روايته.
ويتجاذب هذا جانب آخر مؤثر أيضا في درجة الراوي، وهو أن عليه التريث وعدم العجلة في الرجوع عن روايته إلى ما يقال له، وإن فعل ذلك وتكرر منه وصف بأنه يقبل التلقين، كما تقدم قول يحيى بن سعيد القطان: «إذا كان الشيخ يثبت على شيء واحد -خطأ كان أو صوابا- فلا بأس به، وإذا كان الشيخ كل شيء يقال له يقول، فليس بشيء».
وقوله: «إذا كان الشيخ إذا لقنته قبل فذاك بلاء، وإذا ثبت على شيء واحد
_________________
(١) «الجرح والتعديل» ١: ٣٣٦، والحديث رواه أيضا أحمد ٣: ٥٩، عن عبدالرحمن بن مهدي فجعله عن أبي سعيد كذلك، وهذا هو المشهور عن سفيان الثوري، ثم عن الأعمش، ولكن قد روي عن الثوري، وعن الأعمش، من حديث أبي هريرة، وكأن المحفوظ حديث أبي سعيد، انظر: «صحيح البخاري» حديث (٥٣٨)، (٣٢٥٩)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٦٧٩)، و«مسند أحمد» ٣: ٥٢، ٥٣، ٥٩، و«شرح معاني الآثار» ١: ١٨٦، و«سنن البيهقي» ١: ٤٣٧، و«فتح الباري» ٢: ١٩.
(٢) انظر: ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص ٧٩، ٢٧١، ويضاف من مراجع المسألة: «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٣٨ - ٤٥.
[ ١ / ١٥٨ ]
فذاك ليس به بأس» (^١).
وهذا هو الذي يفسر لنا تراجع الراوي أحيانا عن روايته إذا نبه عليها، وثباته على روايته أحيانا أخرى، وربما التزم -مع ثباته- الإشارة إلى الرواية المخالفة، وقد يصاحب ذلك تقويته لها، وترجيحه إياها على روايته.
روى شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعا حديث (كفارة من أتى امرأته وهي حائض)، ثم بلغ شعبة أن بعض أصحاب الحكم يرويه موقوفا، فرواه شعبة مرة وقال: «أما حفظي فهو مرفوع، وأما فلان وفلان، فقالا: غير مرفوع»، فقال له بعض جلسائه: «حدثنا بحفظك، ودع ما قال فلان وفلان»، فقال شعبة: «والله ما أحب أني عمرت في الدنيا عمر نوح، وأني حدثت بهذا وسكت عن هذا» (^٢).
وروى سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عبدالله بن عمرو بن العاص: «أن النبي - ﷺ - دخل على جويرية بنت الحارث يوم جمعة، فقالت: إني صائمة …» الحديث، قال سعيد في بعض الطرق عنه: «ووافقني عليه
_________________
(١) تقدم هذا في الكلام على تلقين الراوي في «الجرح والتعديل» ص ٥٤.
(٢) «سنن الدارمي» حديث (١١١٢)، وانظر: «سنن أبي داود» حديث (٢٦٤)، (٢١٦٨)، و«سنن النسائي» حديث (٢٨٨)، (٣٦٨)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٦٤٠)، و«مسند أحمد» ١: ٢٢٩، ٢٨٦، و«سنن الدارمي» حديث (١١١١)، و«المنتقى» حديث (١٠٨ - ١١٠)، و«سنن البيهقي» ١: ٣١٤ - ٣١٥، و«الكفاية» ص ٢٢٤.
[ ١ / ١٥٩ ]
مطر، عن سعيد بن المسيب» (^١).
ومراده أن مطرا الوراق رواه عن قتادة فجعله عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، كما رواه هو، يشير بذلك إلى مخالفة جماعة من أصحاب قتادة لهما في الإسناد، قال يحيى القطان: «كان ابن أبي عروبة إذا سئل عن حديث جويرية قال: يخالفوني فيه …، كأنه يتقيه» (^٢).
وقد رواه شعبة، وهمام، وغيرها، عن قتادة، عن أبي أيوب العتكي، عن جويرية: «أن النبي - ﷺ - دخل عليها …»، ومنهم من يقول: عن أبي أيوب: «أن رسول الله - ﷺ - دخل على جويرية …» (^٣).
وروى شعبة، عن قتادة، عن داود السراج، عن أبي سعيد الخدري قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة …».
هكذا هو موقوف في أكثر الطرق إلى شعبة، ومنهم من رواه عنه مرفوعا،
_________________
(١) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٧٥٣)، و«مسند أحمد» ٢: ١٨٩، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٣: ٤٣، و«شرح معاني الآثار» ٢: ٧٨، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٢١٦١ - ٢١٦٢)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٣٦١١). وقد رواه كذلك معمر، عن قتادة، لكنه أرسله فلم يذكر عبدالله بن عمرو، أخرجه عبدالرزاق حديث (٧٨٠٤).
(٢) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٢٣٠، وانظر أيضا: ٣: ٩١.
(٣) «صحيح البخاري» حديث (١٩٨٦)، و«سنن أبي داود» حديث (٢٤٢٢)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٧٥٤)، و«مسند أحمد» ٦: ٣٢٤، ٤٣٠، و«شرح معاني الآثار» ٢: ٧٨.
[ ١ / ١٦٠ ]
والراجح وقفه من طريقه، وكان يقول بعد أن يرويه موقوفا: «وقال لي هشام
-وكان أحفظ عن قتادة، وأكثر مجالسة له مني-: هو عن النبي - ﷺ -» (^١).
وروى شعبة، عن عبدالله دينار، عن ابن عمر مرفوعا في ليلة القدر: «من كان متحريها فليتحرها في ليلة سبع وعشرين»، ثم قال: «وذكر لي رجل ثقة عن سفيان أنه كان يقول: إنما قال: «من كان متحريها فليتحرها في السبع البواقي»، فلا أدري قال ذا، أو ذا؟ -شعبة شك-» (^٢).
وروى جماعة من أصحاب سفيان بن عيينة، عنه، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نصلي بعد الجمعة أربعا»، قال الحميدي بعد أن رواه عن سفيان: «قال سفيان: وقال غيري: قال النبي - ﷺ -: «من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا»، وهذا أحسن، وأما الذي حفظت أنا فالأول» (^٣).
وممن رواه عن سهيل باللفظ الثاني: سفيان الثوري، وعبدالله بن إدريس، وخالد بن عبدالله الواسطي، وجرير بن عبدالحميد، وأبو عوانة، وإسماعيل بن
_________________
(١) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٩٠٧ - ٩٦١٠)، و«الجعديات» حديث (٩٨١)، ورواية هشام الدستوائي أخرجها النسائي في «السنن الكبرى» حديث (٩٦١١)، وأحمد ٣: ٢٣.
(٢) «مسند أحمد» ٢: ١٥٧، و«مسائل صالح» ص ٢٠٩، وذكر أحمد أن الثقة هو يحيى بن سعيد القطان، والحديث قد رواه جماعة عن عبدالله بن دينار كما رواه سفيان فهو المحفوظ، وانظر: «مسند أحمد» ٢: ٢٧، ٦٢، ٧٤، و«شرح معاني الآثار» ٣: ٨٤، ٩١، و«صحيح ابن حبان» حديث (٣٦٨١)، و«سنن البيهقي» ٤: ٣١١.
(٣) «مسند الحميدي» حديث (٩٧٦)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (١٨٧٣).
[ ١ / ١٦١ ]
زكريا، وغيرهم (^١)، وقد جاء عن ابن عيينة أيضا كروايتهم (^٢)، ووافق ابن عيينة على اللفظ الأول زهير بن معاوية، وعبدالعزيز الدراوردي، وكذا روي عن أبي عوانة (^٣).
وقضية ثبات الراوي أو تراجعه عن روايته بعد أن تبلغه رواية المخالف مسألة دقيقة، تستحق من يوليها عنايته، ويجمع أمثلتها، ويجتهد في استنباط الأسباب التي تدفع بالراوي إلى الثبات، أو الرجوع، وفي «مسند الحميدي» أمثلة كثيرة مما عرض لسفيان بن عيينة، أو لمن فوقه، ونقل الفسوي عن الحميدي أشياء ليست في «المسند» (^٤)، فيمكن أيضا تخصيص هذا الإمام بهذه الدراسة (^٥).
_________________
(١) «صحيح مسلم» حديث (٨٨١)، و«سنن أبي داود» حديث (١١٣١)، و«سنن النسائي» حديث (١٤٢٥)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٤٩٦)، (١٧٤٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١١٣٢)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٤٩، ٤٩٩، و«مسند الطيالسي» حديث (٢٥٢٨)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٢٤٧٧)، و(٢٤٧٩)، (٢٤٨١)، (٢٤٨٦)، و«الفصل للوصل المدرج في النقل» ١: ٣١١ - ٣١٨.
(٢) «سنن الترمذي» حديث (٥٢٣)، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٥٥٢٩)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (١٨٧٤)، و«شرح معاني الآثار» ١: ٣٣٦.
(٣) «سنن أبي داود» حديث (١١٣١)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (١٨٧٣)، و«الفصل للوصل المدرج في النقل» ١: ٣١٣. وانظر أمثلة أخرى بهذا المعنى في: «مسند الحميدي» حديث (٢٤٣)، (٢٧٠)، و«مسائل أبي داود» ص ٤٤٤، و«الكفاية» ص ٢٢٤ - ٢٢٦.
(٤) «المعرفة والتاريخ» ٢: ٧١٨ - ٧٤٥.
(٥) وانظر شيئا من الضوابط في هذه المسألة في: «مسائل أبي داود» ص ٤٢٩ - ٤٣٠، ٤٣١، و«الجرح والتعديل» ١: ٣٥٣ - ٣٥٤، ٣٥٦ - ٣٥٧، و«سؤالات السلمي للدارقطني» ص ٢٨٩ - ٢٩١، ٢٩١، ٢٩٢ - ٢٩٥، و«الجامع لأخلاق الرواي» ٢: ٣٨ - ٤٥، و«الكفاية» ص ١٤٣ - ١٤٧، ص ٢٤٧ - ٢٤٨، و«تاريخ بغداد» ٢: ٧، ٨: ٤٠٣، ١٢: ٢١٠، و«هدي الساري» ص ٤٠٢.
[ ١ / ١٦٢ ]