الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فهذا هو القسم الثالث من سلسلة نقد المرويات: (مقارنة المرويات)، يصدر الآن في جزأين، يتضمنان ثلاثة أبواب، الباب الأول للمسائل المتعلقة بأهمية جمع الطرق، ومصادرها، وكيف يرتبها الباحث، والتعريف ببعض ما يمر بالباحث من مصطلحات، وإلمامة سريعة بوسائل النقد في عصر الرواية، وهذه كلها مقدمات لا بد أن يدركها الباحث، ويحسن التعامل معها.
ثم بعد ذلك في الباب الثاني القضايا المتعلقة بتفرد الراوي بالحديث، وفي الباب الثالث -وهو أطولها- قضايا الاختلاف، وعلل الأحاديث.
سرت في هذا القسم على الطريقة السابقة في القسمين الأولين: التعرض لأكبر قدر ممكن من قضايا النقد، والإكثار من ضرب الأمثلة في القضية المعينة، وذكر ما يقع من مخالفات للمنهج الصحيح في النقد في مناسبات ذلك، والحرص على ربط مسائل هذا العلم بعضها ببعض.
وقد سألني بعض الإخوان ممن قرأ الكتابين الأولين «الجرح والتعديل»، و«الاتصال والانقطاع»، عن منهج تخريج الأحاديث في هذه السلسلة، فبعض الأحاديث يطول تخريجها، وبعضها يقصر، ثم قد يوجد الحديث في مصادر عالية وقد ذكر في التخريج ما هو دونها ولم تذكر، فأحببت أن أوضح ذلك للقارئ.
فمنهج التخريج -باختصار- يرتكز على الاكتفاء بتخريج الحديث في
[ ١ / ٥ ]
قضيته المقصودة عند ذكره، ولا يزاد عليها، فإذا كان المقصود طرق الحديث عن أحد رواته -مثلا-، كان التخريج لهذه الطرق فقط دون ما عداها.
يضاف إلى ذلك أن هذه الطرق إن كانت في شيء من الكتب الستة و«مسند أحمد»، فيكتفى بها، ولا يزاد عليها، مع الالتزام باستيعاب التخريج منها، وإن كان هناك طرق يحتاج إليها غير موجودة في هذه المصادر السبعة، يكون الخروج إلى غيرها من المصادر، وأذكر منها حينئذ ما يفي بالحاجة.
وعلى هذا فرب حديث في تخريجه مصادر نازلة، كالطبراني، والبيهقي، ونحوهما، مع أن الحديث موجود في مصادر عالية، مثل «مصنف عبدالرزاق»، و«مصنف ابن أبي شيبة»، و«مسند الحميدي»، وغيرها، والسبب هو ما ذكرته، أن ما في هذه المصادر من طرق موجود في الكتب الستة و«مسند أحمد»، فيكتفى بها، وما في المصادر النازلة غير موجود في هذه المصادر السبعة، فتضاف حينئذ.
وبهذين الضابطين في منهج التخريج أمكن تفادي إطالة الحواشي، فبها يتضخم الكتاب، وربما ضاع الغرض من التخريج، فعلى القارئ أن ينتبه لهذا حين يريد الاستفادة من التخريج.
وأود هنا أن أقدم شكري الجزيل للأخوين الفاضلين محمد بن صالح الدباسي، ومحمد بن عبدالله السريِّع، فقد تفضلا بقراءة هذا القسم، وتصحيحه بعد طباعته، ولفتا نظري إلى أشياء مهمة.
كما أشكر الباحثة الفاضلة الدكتورة سارة بنت عزيز الشهري، فقد كانت
[ ١ / ٦ ]
لها يد خفية في إعداد هذا القسم، وقصة ذلك أنها أحسنت الظن بي، فطلبت أن أكون مشرفا على رسالتها للدكتوراه، وموضوعها: «الأحاديث التي ذكر البزار علتها في مسنده» جزء من أول الكتاب، فكان في ذلك فائدة كبيرة بالنسبة لي، فقد طورت بحرصها وجدها طريقة الإشراف على الرسائل لدي في جوانب كثيرة.
وأيضا -وهو المقصود هنا- استفدت من أسئلتها ومباحثاتها معي في إعداد هذا القسم، فكنت أتلمس فيما تسأل عنه وتناقش فيه حاجة الباحث الناظر في طرق الأحاديث والمقارنة بينها، فأضفت قضايا لم تكن موجودة، وأعدت ترتيب بعض القضايا وموضعها في الكتاب.
ثم إنني تلقيت من كثير من الإخوان بعض الملاحظات على الكتابين الأولين، فلهم مني شكري وتقديري، وآمل أن أتلقى منهم ومن غيرهم ما أسدد به هذا الكتاب أيضا، فالمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه.
أسأل الله تعالى للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
كتبه
إبراهيم بن عبدالله اللاحم
[ ١ / ٧ ]