هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب إلخ، فيجتمع مع النبي -ﷺ- في عبد مناف.
لم يظهر في علماء الإسلام مثله في فقه الكتاب والسنة، ودقة الاستنباط، وإقامة الحجة، وقوة البرهان والدليل، فكان مرجع أهل العلم في زمانه؛ حيث رحلوا إليه من كل حَدَب وصوب، ووفدوا إليه من كل فج عميق؛ لينهلوا من علمه، ويغترفوا من فقهه.
وتواترت أخباره بين علماء عصره، وبلغ في الفقه والاستنباط وقوة الحجة درجة تدعو إلى الدهشة والإكبار حتى نال -بكل جدارة- لقب "ناصر السُّنَّة"، وحتى قال الإمام أحمد بن حنبل: لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث.
رحل إلى مالك بن أنس في المدينة ولازمه وأخذ عنه الفقه والعلم، كما رحل إلى العراق ثلاث مرات٢ -حيث أبي حنيفة- فأخذ الفقه والعلم، فاجتمع له
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: تهذيب الكمال "٢٤/ ٣٥٥- ٣٨١"، سير أعلام النبلاء "١٠/ ٥- ٩٩"، التاريخ الكبير "١/ ٤٢"، التاريخ الصغير "٢/ ٣٠٢"، الجرح والتعديل "٧/ ٢٠١"، حلية الأولياء "٩/ ٦٣- ١٦١"، الانتقاء "ص٦٥- ١٢١"، تاريخ بغداد "٢/ ٥٦- ٧٣"، طبقات الفقهاء للشيرازي "ص٤٨ - ٥٠"، طبقات الحنابلة "١/ ٢٨٠"، ترتيب المدارك "٢/ ٣٨٢"، الأنساب "٧/ ٢٥١- ٢٥٤"، تاريخ ابن عساكر "١٤/ ٣٩٥ - ٤١٨"، "١٥/ ١- ٢٥"، صفة الصفوة "٢/ ٩٥"، تهذيب الأسماء واللغات "١/ ٤٤- ٦٧"، وفيات الأعيان "٤/ ١٦٣-١٦٩"، تذكرة الحفاظ "١/ ٣٦١-٣٦٣"، الكاشف "٣/ ١٧"، الوافي بالوفيات "٢/ ١٧١-١٨١"، مرآة الجنان "٢/ ١٣ - ٢٨"، البداية والنهاية "١٠/ ٢٥١- ٢٥٤"، الديباج المذهب "٢/ ١٥٦- ١٦١"، تهذيب التهذيب "٩/ ٢٥"، النجوم الزاهرة "٢/ ١٧٦، ١٧٧"، طبقات الحفاظ "ص١٥٢"، حسن المحاضرة "١/ ٣٠٣، ٣٠٤"، طبقات المفسرين "٢/ ٩٨"، مفتاح السعادة ٢/ ٨٨ - ٩٤"، طبقات الشافعية لابن هداية الله "١١- ١٤"، شذرات الذهب "٢/ ٩- ١١"، مناقب الشافعي للشيرازي. ٢ دخل الشافعي بغداد ثلاث مرات: الأولى في شبابه سنة "١٨٤هـ"، وقيل: قبلها في خلافة هارون الرشيد، والثانية سنة "١٩٥هـ" ومكث سنتين، والثالثة سنة "١٩٨هـ" فأقام بها شهرًا ثم خرج إلى مصر؛ حيث دخلها سنة "١٩٩هـ" وأقام بها حتى مات رحمة الله عليه.
[ ٢٣٧ ]
علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، وتصرف في ذلك حتى أصَّل الأصول وقعَّد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره.
كان -رحمه الله تعالى- ذا فصاحة وبلاغة وبيان وحسن أدب. قال الإمام داود بن علي الظاهري: قال لي إسحاق بن راهويه: ذهبت أنا وأحمد بن حنبل إلى الشافعي بمكة فسألته عن أشياء، فوجدته فصيحًا حسن الأدب، فلما فارقناه أعلمني جماعة من أهل الفهم بالقرآن أنه كان أعلم الناس في زمانه بمعاني القرآن، وأنه قد أُوتي فيه فهمًا، فلو كنت عرفته للزمته. قال داود: ورأيته يتأسف على ما فاته منه.
وقال يحيى بن سعيد القطان: إني لأدعو للشافعي في الصلاة وغيرها منذ أربع سنين لما أظهر من القول بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو فيها للشافعي٢.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: لولا الشافعي ما عرفت كيف أرد على أحد، وبه عرفت ما عرفت، وهو الذي علمني القياس -﵀- فقد كان صاحب سُنة وأثر وفضل وخير مع لسان فصيح طويل وعقل صحيح رصين٣.
وقال أيضًا: قال لي أبي: الزم هذا الشيخ -يعني محمد بن إدريس الشافعي- فما رأيت أبصر بأصول العلم، أو قال: أصول الفقه منه٤.
وقال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال لي: تعالَ حتى أريك رجلًا لم ترَ عيناك مثله، فأراني الشافعي٥.
_________________
(١) ١ الانتقاء في فضل الأئمة الثلاثة الفقهاء "ص٧٢". ٢ المصدر السابق "ص٧٦". ٣ المصدر السابق "ص٧٣" ٤ المصدر السابق "ص٧٣". ٥ المصدر السابق "ص٧٤".
[ ٢٣٨ ]
وقال إسحاق أيضًا: محمد بن إدريس الشافعي عندنا إمام١.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: يا أبة! أي رجل كان الشافعي؟ فإني أسمعك تكثر الدعاء الدعاء له، فقال: يا بني! كان الشافعي -﵀- كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من عوض أو خلف؟ ٢
وقال الإمام أحمد بن حنبل: ما أحد من أصحاب الحديث حمل محبرة إلا وللشافعي عليه مِنَّة٣.
وقال هارون بن سعيد الأيلي الثقة الفاضل: ما رأيت مثل الشافعي قط، ولقد قدم علينا مصر فقالوا: قدم رجل من قريش فقيه، فجئناه وهو يصلي، فما رأينا أحسن وجهًا منه ولا أحسن صلاة فافتتنَّا به، فلما قضى صلاته تكلم فما رأينا أحسن منطقًا منه٤.
وقال هارون أيضًا: لو أن الشافعي ناظر على أن هذا العمود الذي من الحجارة من خشب لأثبت ذلك؛ لقدرته على المناظرة٥.
وكان إذا جاء سفيان بن عيينة شيء من التفسير والفتيا التفت إلى الشافعي وقال: سلوا هذا، ولما بلغه خبر موت الشافعي قال -أي ابن عيينة: إن مات محمد بن إدريس فقد مات أفضل أهل زمانه٦.
وقد ولد -رحمه الله تعالى- بغزة سنة "١٠٥هـ" ومات ليلة الجمعة، ودفن بعد عصر ذاك اليوم الموافق آخر يوم من شهر رجب "٢٠٤هـ" ﵁.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "ص٧٧". ٢ المصدر السابق "ص٧٤، ٧٥". ٣ المصدر السابق "ص٧٦". ٤ المصدر السابق "ص٨٧، ٨٨". ٥ المصدر السابق "ص٨٨". ٦ المصدر السابق "ص٧٠".
[ ٢٣٩ ]