هو: أبو عبد الله، المدني، الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومائة "١٧٩هـ"، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين. وقال الواقدي: بلغ تسعين سنة.
وهبه الله تعالى علمًا وفقهًا، وامتن عليه كثرة الحفظ وسيلان الذهن، وأسبغ عليه جزيل نعمه، حتى بلغ إمام الأئمة وشيخ الإسلام وحجة الأمة، وإمام دار الهجرة، ضرب له العلماء أكباد الإبل من كل حَدَب وصوب؛ لينهلوا من فقهه وعلمه، ونال تقدير الأئمة والعلماء المعاصرين له واللاحقين به، وأثنوا عليه ثناء لم يحظَ به غيره.
روى الحميدي عن سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة".
قال ابن عبد البر معلقًا على هذا الحديث: "وهذا الحديث لا يرويه أحد
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: سير أعلام النبلاء "٨/ ٤٨ - ١٣٥"، تهذيب الكمال "٢٧/ ٩١- ١٢٠"، تاريخ خليفة بن خياط "١/ ٤٣٢"، "٢/ ٧١٩"، طبقات خليفة "ص٢٧٥"، الحلية "٦/ ٣١٦"، أنساب العرب لابن حزم "١/ ٤٣٥، ٤٣٦"، الانتقاء لابن عبد البر "ص٩ - ٣٦"، ترتيب المدارك "١/ ١٠٢- ٢٥٤"، تذكرة الحفاظ لابن عبد الهادي "٤٩/ ٢"، صفة الصفوة "٢/ ١٧٧- ١٨٠"، تهذيب الأسماء واللغات "٢/ ٧٥- ٧٩"، وفيات الأعيان "٤/ ١٣٥ - ١٣٩"، تذكرة الحفاظ "١/ ٢٠٧- ٢١٣"، العبر للذهبي "١/ ٢٧٢"، مرآة الجنان لليافعي "١/ ٣٧٣- ٣٧٧"، البداية والنهاية "١٠/ ١٧٤- ١٧٥"، الديباج المذهب "١/ ٥٥- ١٣٩"، تهذيب التهذيب "١٠/ ٥"، النجوم الزاهرة "٢/ ٩٦- ٩٧"، التاريخ الكبير "٧/ ٣١٠"، التاريخ الصغير "٢/ ٢٢٠"، الطبقات الكبرى للشعراني "ص٤٥"، شذرات الذهب "٢/ ١٢- ١٥"، الكاشف "٣/ ١١٢"، تاريخ ابن معين "٢/ ٥٤٣- ٥٤٦"، الأنساب "١/ ٢٨٧"، اللباب "١/ ٦٩"، مروج الذهب "٣/ ٣٥٠"، طبقات الحفاظ "ص٨٩"، طبقات القراء "٢/ ٣٥"، الكامل لابن الأثير "٥/ ٥٣٢"، "٦/ ٥٠، ١٤٧، ٢٢٦، ٢٣٤، ٤٣٦"، "٩/ ٢٥٧"، "١١/ ٢٩٢"، ثقات ابن حبان "٧/ ٤٥٩"، رجال البخاري للباجي "٢/ ٦٩٦"، الجمع بين رجال الصحيحين "٢/ ٤٨٠".
[ ٢٣٢ ]
بهذا الإسناد وهم أئمة كلهم: سفيان بن عيينة إمام، وابن جريج مثله وأجل منه، وأبو الزبير حافظ متقن، وإن كان بعض الناس تكلم فيه، وأبو صالح السمان أحد ثقات التابعين"١.
وروى ابن عبد البر بسنده عن سفيان بن عيينة أنه قال: نرى هذا الحديث الذي يروى عن رسول الله -ﷺ- أنه مالك بن أنس. وفي رواية قال: أراه مالكًا، وأقام سفيان على ذلك زمانًا ثم رجع عنه بعد ذلك فقال: أراه عبد الله بن عبد العزيز العمري العابد، قال ابن عبد البر: ليس العمري هذا ممن يلحق في العلم والفقه بمالك بن أنس، وإن كان عابدًا شريفًا٢.
وقال علي بن المديني: قال سفيان بن عيينة: رحم الله مالكًا ما كان أشد انتقاءه للرجال٣.
وروى ابن عبد البر بسنده عن يحيى بن معين يقول: قال سفيان بن عيينة: وما نحن عند مالك بن أنس؟ إنما كنا نتتبع آثار مالك وننظر الشيخ إذا كان كتب عن مالك كتبنا عنه٤.
وروى ابن عبد البر عن سفيان بن عيينة أنه ذكر مالك بن أنس -﵁- فقال: كان لا يبلغ من الحديث إلا صحيحًا ولا يحدث إلا عن ثقات الناس وما أرى المدينة إلا ستخرب بعد موت مالك بن أنس٥.
وروى ابن عبد البر بسنده عن الشافعي قوله: إذا جاء الحديث عن مالك فشُدَّ به يديك.
_________________
(١) ١ الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء، لابن عبد البر "ص١٩" طبع مطبعة المعاهد بمصر - الناشر مكتبة القدسي. ٢ المصدر السابق "ص١٩، ٢١". ٣ المصدر السابق "ص٢١". ٤ المصدر السابق "ص٢١، ٢٢". ٥ المصدر السابق "ص٢١، ٢٢".
[ ٢٣٣ ]
وقوله: إذا جاءك الخبر فمالك النجم.
وقوله: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمن عليَّ من مالك بن أنس.
وقوله: مالك بن أنس معلمي، وعنه أخذت العلم.
وقوله: كان مالك بن أنس إذا شك في الحديث طرحه كله١.
وروى ابن عبد البر بسنده عن علي بن المديني، عن عبد الرحمن بن مهدي يقول: أخبرني وهيب بن خالد، وكان من أبصر الناس بالحديث والرجال، أنه قدم المدينة قال: فلم أرَ أحدًا إلا يعرف وينكر إلا مالكًا ويحيى بن سعيد الأنصاري. قال عبد الرحمن بن مهدي: لا أقدم على مالك في صحة الحديث أحدًا٢.
وروى ابن عبد البر بسنده عن علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما في القوم أصح حديثًا من مالك -يعني بالقوم: الثوري والأوزاعي وابن عيينة- قال: ومالك أحب إلَيَّ من معمر٣.
وقال يحيى بن سعيد: سفيان وشعبة ليس لهما ثالث إلا مالك٣.
وبنفس الإسناد عن يحيى بن سعيد القطان قال: "كان مالك بن أنس إمامًا في الحديث"٣.
وروى ابن عبد البر بسنده عن عبد الله بن وهب قال: لولا أني أدركت مالكًا والليث بن سعد لضللتُ، وفي رواية قال أبو جعفر الأيلي: سمعت ابن وهب ما لا أحصي يقول: لولا أن الله أنقذني بمالك والليث لضللت.
وفي رواية قال هارون بن سعيد الأيلي: سمعتُ ابن وهب -وذكر اختلاف الأحاديث والروايات- فقال: لولا أن لقيتُ مالكًا لضللت٤.
_________________
(١) ١ راجع هذه الروايات بأسانيدها في الانتقاء "ص٢٣". ٢ المصدر السابق "ص٢٥". ٣ المصدر السابق "ص٢٦". ٤ المصدر السابق "ص٢٧، ٢٨".
[ ٢٣٤ ]
وقال عبد الرحمن بن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة١.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما رأيت أحدًا أعقل من مالك بن أنس ﵁ وأرضاه٢.
وسأل أبو زرعة الدمشقي الإمام أحمد بن حنبل عن سفيان ومالك إذا اختلفا في الرواية، فقال: مالك أكبر في قلبي، فقال له: فمالك والأوزاعي إذا اختلفا، فقال: مالك أحب إلَيَّ وإن كان الأوزاعي من الأئمة٣.
وأول ما حفظ أبو زرعة الرازي حفظ حديث مالك، ووعاه كله وكذا رأي٤.
وقال ابن أبي مريم: قلت ليحيى بن معين: الليث أرفع عندك أو مالك؟ قال: مالك. قلت: أليس مالك أعلى أصحاب الزهري؟ قال: نعم، قلت: فعبيد الله أثبت في نافع أو مالك؟ قال: مالك أثبت الناس.
وقال يحيى بن معين: كان مالك من حجج الله على خلقه٥.
وروى ابن عبد البر بسنده عن البخاري قوله: مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، كنيته أبو عبد الله، كان إمامًا، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري٦.
وروى ابن عبد البر بسنده عن أحمد بن شعيب النسائي قوله: أمناء الله -﷿- على علم رسوله ﵇: شعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، ويحيى بن
_________________
(١) ١ المصدر السابق "ص٢٨". ٢ المصدر السابق "ص٢٩". ٣ المصدر السابق "ص٣٠". ٤ المصدر السابق "ص٣٢". ٥ المصدر السابق "ص٣١". ٦ المصدر السابق "ص٣١".
[ ٢٣٥ ]
سعيد القطان، قال: والثوري إمام إلا أنه كان يروي عن الضعفاء، قال: وما أحد عندي بعد التابعين أنبل من مالك بن أنس، ولا أحد آمن على الحديث منه، ثم شعبة في الحديث، ثم يحيى بن سعيد القطان، ليس بعد التابعين آمن على الحديث من هؤلاء الثلاثة، ولا أقل رواية عن الضعفاء منهم١.
وقال أبو زرعة الرازي: أول شيء أخذ نفسي بحفظه من الحديث حديث مالك، فلما حفظته ووعيته طلبت حديث الثوري وشعبة وغيرهما، فلما تناهيت في حفظ الحديث نظرت في رأي مالك والثوري والأوزاعي وكتبت كتب الشافعي٢.
وقال أبو داود السجستاني: رحم الله مالكًا كان إمامًا، رحم الله الشافعي كان إمامًا، رحم الله أبا حنيفة كان إمامًا٣.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "ص٣١". ٢ الانتقاء لابن عبد البر "ص٣٢". ٣ المصدر السابق "ص٣٢".
[ ٢٣٦ ]