ثبت عن عدد كبير من الصحابة -رضوان الله عليهم- أنهم كتبوا عن رسول الله -ﷺ- مباشرة، ومن هؤلاء: عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال في الحديث الذي رواه الدارمي وغيره: "فأما الصادقة فصحيفة كتبتُها من رسول الله ﷺ"١، وصحيفته الصادقة مشهورة عند المحدثين٢.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثًا عنه مني؛ إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب٣.
وأبو هريرة تعلم الكتابة مؤخرًا ثم أتقنها بعد ذلك، فكان النهي في حقه في مرحلة مبكرة خشية الخطأ، ثم كتب بعد ذلك لما تمكن من الكتابة٤، فقد رُوي عنه قوله: "إنني أملك أحاديث مكتوبة تملأ خمسة أجولة"٥.
وكانت مع علي بن أبي طالب -﵁- صحيفة في جراب سيفه سأله أبو جحيفة عما فيها فقال: العقل "أي: الأحكام المتعلقة بالدية" وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر، وهذا الحديث رواه البخاري وغيره٦.
_________________
(١) ١ سنن الدارمي "١/ ١٢٧". ٢ راجع: طبقات ابن سعد "٢/ ٢/ ١٢٥"، "٤/ ٢/ ٨، ٩"، "٧/ ٢/ ١٨٩"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٥٨"، تقييد العلم "ص٨٤، ٨٥" وفيه نصوص منها. ٣ تقييد العلم "٨٢"، جامع بيان العلم "١/ ٧٠". ٤ راجع: صحيفة همام "ص٣٧"، دلائل التوثيق المبكر للسنة والحديث "ص٤٣٣-٤٣٨"، وقد رُوي أنه عرض كتابة الأحاديث على "ابن وهب" "فتح الباري ١/ ١٤٨". ٥ حلية الأولياء "١/ ٣٨١"، وذكرت مصادر عديدة أن بشير بن مالك كتب عن أبي هريرة مجموعة أحاديث، وأنه حصل على إجازة من أبي هريرة لنقلها للناس. راجع: "الكفاية ٣٩٩، ٤١١"، طبقات ابن سعد "٧/ ١/ ١٦٢"، تهذيب التهذيب "١/ ٤٧"، تقييد العلم "١٠١". ٦ راجع: صحيح البخاري "٤/ ٢٨٩" كتاب الفرائض "٤/ ٣٢٤" كتاب الديات "٤/ ٤٢٥" كتاب الاعتصام، وسنن الترمذي "٦/ ١٨١، ١٨٢" كتاب الديات، ورُوي أنه كان للإمام على كتاب وجد عند عبد الله بن عباس "صحيح مسلم ١/ ٧".
[ ٤٥ ]
وكانت لعبد الله بن عباس -﵄- كانت له كتب حمل بعير، وأنه ترك عددًا كبيرًا من المخطوطات كما قال ابن سعد في طبقاته الكبرى١، وسجل بعض الأحاديث عن رسول الله -ﷺ- وبعضها عن بعض كبار الصحابة مثل أبي رافع وغيره، كما صرح هو بذلك، فقد كان ابن عباس -﵄- يأتي أبا رافع -﵁- ويسأله: ما صنع النبي -ﷺ- يوم كذا؟ ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها٢، وقد شهدت بذلك سلمى مولاة رسول الله -ﷺ- فقالت: رأيت ابن عباس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئًا من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
وكتب سمرة بن جندب عن رسول الله -ﷺ- صحيفة مشهورة عند المحدثين٤.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح فتح البخاري "٥/ ٢١٦"، وذكرت بعض المصادر أنه في آخر حياته ذهب بصره واعتاد الناس أن يقرءوا له الكتب. راجع: سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٨"، الكفاية "ص٣٨٤". ٢ راجع: تقييد العلم "ص٩١، ٩٢". ٣ الطبقات لابن سعد "٢/ ١٢٤" وقد رُوي أن عبد الله بن عباس عين له كتبة ليسجلوا له الأحاديث "الإصابة ٢/ ٣٣٢ - رقم ٤٧٨١"، وكان يملي تلاميذه "تقييد العلم ١٠٢"، وكان كثيرًا ما ينصح الناس بتقييد العلم وتدوينه "تقييد العلم ٩٢، جامع بيان العلم ١/ ٧٢"، وأملى تلميذه "مجاهد بن جبير" تفسيره الشهير "تفسير الطبري ١/ ٩٠"، وكان يدون كل شيء سمعه "طبقات ابن سعد ٢/ ٢/ ١٢٣، تقييد العلم ٩٢"، ويروى أنه دون "١٦٦٠" حديثًا "تدريب الراوي" وبعد موت النبي -ﷺ- كان يسمع من الصحابة، واعتاد أن يحمل ألواحًا خشبية يدون عليها الأحاديث "طبقات ابن سعد ٢/ ٢/ ١٢٣"، تقييد العلم ٩١، ٩٢"، وقد كثرت كتبه وتضخمت لدرجة أنها كانت تتطلب جملًا ينقلها من مكان لآخر "طبقات ابن سعد ٥/ ٢١٦، تقييد العلم ١٣٦" وقد وصلت هذه الكتب تلميذه ومولاه "كريب" الذي أودعها بدوره عند موسى بن عقبة "تقييد العلم ١٩، ١٣٦، طبقات ابن سعد ٥/ ٢١٦"، وكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد بعض كتب والده كتب لكريب: "أرسل لي كتاب كذا وكذا، وحينئذ ينسخ كريب الكتاب المطلوب ويرسله إلى علي" "تقييد العلم ١٣٦، طبقات ابن سعد ٥/ ١٢٦، شذرات الذهب ١/ ١١٤"، وكانت لديه نسخة الإمام علي بن أبي طالب الخاصة بالأحكام القضائية والتي رآها معه طاوس ونسخها لأحد تلاميذه "صحيح مسلم ١/ ٧". ٤ راجع: تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين "ص٢٥٤"، توثيق السُّنَّة للدكتور رفعت فوزي "٥١، ٥٢". وقد جمعت صحيفة سمرة بن جندب أحاديث كثيرة، وذكر مرة أنها "كتاب" "طبقات ابن سعد ٧/ ١/ ١١٥" ومرة "صحيفة" "دراسات إسلامية لجولد تسيهر ٢/ ١٠/ ٢٣"، ومرة "رسالة" "تهذيب التهذيب ٤/ ٢٣٦"، وتذكرة الحفاظ "٤/ ٢٣٦، ٢٣٧"، وسلم هذه الأحاديث لابنه سليمان "تهذيب التهذيب ٤/ ١٩٨"، والحسن البصري "طبقات ابن سعد ٧/ ١/ ١١٥"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٢٦٨-٢٨٩".
[ ٤٦ ]
وكتب جابر بن عبد الله -﵄- صحيفة اشتهرت فيما بعد بصحيفة جابر بن عبد الله١، وأخرج الإمام مسلم منها في صحيحه ما يقرب من ثلاثين حديثًا في مناسك الحج، وأطولها حديث حجة الوداع٢.
وكان لمعاذ بن جبل -﵁- كتاب حمله معه إلى اليمن عندما عُين واليًا عليها من قِبَلِ النبي صلى الله عليه وسلم٣.
وكان لعمرو بن حزم الأنصاري -﵁- كتاب اشتمل على أحكام في الزكاة والدية والميراث وغيرها، حمله معه إلى نجران لما عينه الرسول واليًا عليها٤، وكان لسعد بن عبادة كتاب احتفظت به أسرته ورواه ابنه٥.
وكان لشمعون بن زيد بن أبي ريحانة الأزدي -﵁- "صحف"، وقد اعتاد أن يكتب على وجهي ورق البردي، ويقال: إنه أول من ثنى الورق العريض بضغط الأوراق وحياكتها مع بعضها٦.
وكانت لمحمد بن مسلمة الأنصاري "ت٤٦هـ" صحيفة، وُجدت في غمد سيفه٧، روى الرامهرموزي بسنده عن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن
_________________
(١) ١ راجع: الطبقات الكبرى "٥/ ٣٤٤". ٢ وهو من رواية جعفر بن محمد عن أبيه، عنه، وفيه وصف كامل لحجة النبي ﷺ. راجع: صحيح مسلم بشرح النووي "٣/ ٣١٣-٣٥٦". ٣ راجع: سيرة ابن هشام "ص٨٨٦، ٨٨٧"، "٩٥٦، ٩٥٧"، حلية الأولياء "١/ ٢٤٠، ٢٤١"، الأموال "٢٧، ٣٧". ٤ وهو الكتاب الذي كتبه له الرسول ﷺ. راجع: تاريخ بغداد "٨/ ٢٢٨"، الموطأ "٤/ ١٧٥، ١٧٦" في كتاب العقول، سنن النسائي "٨/ ٥٦-٦١" كتاب القسامة، تاريخ الطبري "١/ ١٧٢٨، ١٧٢٩"، تقييد العلم "ص٧٢"، جامع بيان العلم "١/ ٧١". ٥ راجع: الأم للشافعي "٧/ ١١٢"، دراسات إسلامية لجولد تسيهر "٢/ ٩، ١٠"، "٢/ ٢٢، ٢٣". وفي سنن الترمذي "٦/ ٨٩" كتاب الأحكام، ومسند الإمام أحمد "٥/ ٢٨٥"، وتعجيل المنفعة لابن حجر "٣٦، ٢١٤": "أخبرني ابن سعد بن عبادة أنه وجد في كتاب سعد أن " الحديث. وصرح بعضهم بأنه كانت له كتب. راجع: مشاهير علماء الأمصار "ص١٣٠" رقم "١٠٢٤". ٦ راجع: الإصابة "٢/ ١٥٦" رقم "٣٩٢١". ٧ المحدث الفاصل "ص٤٩٧"، ومحمد هذا هو أكبر من اسمه محمد من الصحابة رضوان الله عليهم.
[ ٤٧ ]
مسلمة الأنصاري وجدنا في ذؤابة سيفه كتابًا: بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت النبي -ﷺ- يقول: إن لربكم في بقية دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعل دعوة أن توافق رحمة يسعد بها صاحبها سعادة لا يضر بعدها أبدًا١.
وكانت لأبي اليَسَر: كعب بن عمرو بن عباد السلمي ﵁ "ت٥٥هـ" صحف، وذكرت المصادر أنه كان معه وعاء ممتلئ بالمخطوطات٢.
وكان لأبي رافع "ت٣٦هـ" كتاب احتوى على أحاديث خاصة بالصلاة، وقد سلمه إلى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام٣.
وكانت لعبد الله بن عمر بن الخطاب -﵄- كتب ينظر فيها قبل أن يخرج إلى الناس، ذكر ذلك الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، وذكره أيضًا في "تذكرة الحفاظ"٤، كما ذكر غيره أن مولاه نافع قرأ له أحد هذه الكتب عدة مرات، وقالوا: إن هذا الكتاب ظل معه لمدة ثلاثين عامًا، وأما ما روي عنه من عدم الكتابة فيُحمل على أنه كان في البداية ثم عدل عن ذلك.
وكانت لأنس بن مالك -﵁- كتب دوَّن فيها ما سمعه من رسول الله ﷺ، وصرح بذلك فيما ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه، وذكره أيضًا الرَّامَهْرُمُوزي وغيره، وقد أخرجها في أخيريات حياته لبعض زواره وقال: "هذه الكتب التي كتبت فيها ما سمعته من النبي -ﷺ- وقد أعطيت لهم كل هذه الكتب لدراستها والتمعن فيها"٥.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "ص٤٩٧". ٢ راجع: رجال الصحيحين "ص٣٤٠، ٣٤١" طبعة الهند. ٣ الكفاية "٣٩". ٤ راجع: سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٨" وقال: "هذا غريب"، وفي الجامع لأخلاق الراوي للخطيب: كان عبد الله بن عمر -﵁- إذا خرج إلى السوق ينظر في كتبه. ٥ تقييد العلم "ص٩٥، ٩٦"، تاريخ بغداد "٨/ ٢٥٩"، المحدث الفاضل "٣٤/ ب"، تدوين الحديث "ص٦٧، ٦٨".
[ ٤٨ ]
وممن روى عنه أيضًا أنه كتب الحديث الشريف: عبد الله بن أبي أوفَى والمغيرة بن شعبة، وفاطمة بنت سيدنا محمد ﷺ، والسيدة عائشة ﵄، وأبو بكر الصديق الذي هَمَّ بجمع الأحاديث فدون خمسمائة حديث ثم أتلفها خشية أن يكون فيها حديث غير صحيح١، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وسليمان الفارسي، وأسماء بنت عميس، وفاطمة بنت قيس، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو بكرة الثقفي، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وعبد الله بن الزبير، ورافع بن خديج، وغيرهم من صحابة رسول الله صلى الله ﷺ، حتى سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ ذكرت العديد من المصادر أنه كانت لديه بعض الأحاديث المكتوبة، ورُوي عنه قوله: "قيِّدوا العلم بالكتاب"٢، وهذا لا يتعارض مع رُوي عنه في خلافته من جمع الكتب وحرقها؛ وذلك لعدم ثبوته من طريق صحيح، ولمخالفته للواقع.
_________________
(١) ١ راجع: تذكرة الحفاظ "١/ ٥". ٢ رُوي ذلك عن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك ﵄، راجع: المحدث الفاصل للرامهرمزي "ص٣٧٧"، تقييد العلم للخطيب "ص٨٨"، جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر "١/ ٦٨" طبعة السلفية - الثانية "١٣٨٨هـ/ ١٩٦٨م".
[ ٤٩ ]