كانت الفتنة التي وقعت في آخر عهد سيدنا عثمان بن عفان -﵁- نقطة انعطاف ومرحلة تحول؛ حيث انتسب إلى الإسلام قلة من الرجال ضعيفي الإيمان، أباحوا لأنفسهم الكذب على رسول الله -ﷺ- نُصرةً لبدعتهم وأهوائهم.
فكان على التابعين واجب القيام بكشف حديث هؤلاء وبيانه والتنبيه عليه والتحذير منه.
"وكانت الوسيلة لنقل سُنة رسول الله -ﷺ- هي الرواية، وكان معيار صدق الحديث أو وضعه هو صدق ناقليه أو كذبهم"١.
وتتجلى جهودهم ومظاهر هذا الاهتمام والتحري الشديد والحيطة فيما يلي:
١- اهتموا بدراسة الرجال رواة الأحاديث:
ونقدهم وبيان ما فيهم من جرح وتعديل، ولم يقبلوا الحديث إلا عن ثقة معروف بالعدالة، وكما قال الشافعي: "كان ابن سيرين وإبراهيم النخعي وطاوس وغير واحد من التابعين يذهبون إلى ألا يقبلوا الحديث إلا عن ثقة يعرف ما يروي ويحفظ، وما رأيت أحدًا من أهل الحديث يخالف هذا المذهب"٢.
٢- اهتموا بالإسناد فوقفوا على حال رواته:
قال ابن سيرين: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السُّنَّة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"٣.
_________________
(١) ١ المدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص٤٨". ٢ السُّنَّة قبل التدوين "ص٢٣٧"، والمدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص٤٩٨". ٣ صحيح مسلم بشرح النووي "١/ ٧١".
[ ٢١٣ ]
ومثال ذلك ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "إن بعدي من أمتي " الحديث، قال ابن الصامت ﵁: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر كذا، فذكرت له هذا الحديث، فقال: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
٣- السماع والحفظ والتثبت في الرواية:
كانوا يتتبعون الأخطاء ويحصونها ويهتمون بها اقتداء بالصحابة في الحيطة مع أنفسهم والآخرين، قال الشعبي: "والله لو أصبتُ تسعًا وتسعين مرة وأخطأتُ مرة لعدوا عليَّ تلك الواحدة"٢.
٤- نقد المتن:
ومن أمثلة ذلك أن إبراهيم النخعي كان يترك بعض الأحاديث -عاملًا عقله وقياسه- بحجة أن الصحابة فعلوا ذلك، فقال عنهم: كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون، ولو كان ولد الزنى شر الثلاثة لما انتُظر بأمه أن تضع٣، وأنكر بهذا حديث أبي هريرة ﵁: "ولد الزنى شر الثلاثة" ٤.
كما رد حديث فاطمة بنت قيس، وحديث التغريب للزاني، وحديث الشاهد واليمين؛ لأنه يرى معارضتها للقرآن الكريم، ورد أحاديث القنوت في الفجر معللًا ذلك بأنه لو صح لاشتهر عن جميع الصحابة٥.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي "١/ ٧١". ٢ تذكرة الحفاظ للذهبي "١/ ٨٢". ٣ كشف الأسرار "٢/ ٢٩٨"، أصول السرخسي "١/ ٣٤٠". ٤ الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة "ص١١٨". ٥ راجع ذلك مفصلًا في رسالة الماجستير: إبراهيم النخعي - كلية دار العلوم - القاهرة "ص٣٠٦- ٣١٢" أ. د. محمد عبد الهادي سراج.
[ ٢١٤ ]
وكذا الشعبي سمع رجلًا يحدث عن النبي -ﷺ- أن الله خلق صورين، له في كل صور نفختان: نفخة الصعق ونفخة القيامة، فرده لمعارضته القرآن، وقال لراويه: يا شيخ، اتقِ الله، ولا تُحدِّثنَّ بالخطأ، إن الله تعالى لم يخلق إلا صورًا واحدًا، وإنما هي نفختان: نفخة الصعق ونفخة القيامة، انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ١.
_________________
(١) ١ تحذير الخواص للسيوطي "ص١٥٣".
[ ٢١٥ ]