بسبب المستجدات والملابسات التي ظهرت في عصر تابعي التابعين أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة تدوينًا شاملًا؛ لتكون مجموعة في مصنفات يستفيد منها المسلمون، ولم يكن تدوينها من قبل بعض الصحابة والتابعين يرقى إلى مستويات المصنفات والمؤلفات١.
فقد روى الدارمي بسنده عن عبد الله بن دينار قال: كتب عمر بن عبد العزيز "ت١٠١هـ" إلى أهل المدينة: أن انظروا حديث رسول الله -ﷺ- فاكتبوه؛ فإني خفت دروس العلم وذَهَاب أهله٢.
وروى الدارمي أيضًا بسنده عن عبد الله بن دينار قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن اكتب بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله -ﷺ- وبحديث عمر؛ فإني قد خشيت درس العلم وذهابه٣.
قال البخاري: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم ﵁ "عامل المدينة": "انظر ما كان من حديث رسول الله -ﷺ- فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث رسول الله -ﷺ- ولتُفْشُوا العلم، ولتجلسوا حتى يُعلَّم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا"٤.
_________________
(١) ١ راجع: المدخل إلى توثيق السُّنة "ص٥٧". ٢ سنن الدارمي "١/ ١٣٧" باب: من رخص في كتابة العلم - حديث "٤٨٨"، والمحدث الفاصل "ص٣٧٣، ٣٧٤". ٣ سنن الدارمي "١/ ١٣٧" باب: من رخص في كتابة العلم - حديث "٤٨٧"، ونحوه في الموطأ رواية الشيباني - حديث رقم "٣٨٩". ٤ صحيح البخاري "٣" كتاب العلم، في ترجمة الباب "٣٤" كيف يقبض العلم؟
[ ٢٠٩ ]
وامتثل العلماء لهذا الأمر، واهتموا بهذا النداء من أمير المؤمنين، وجَدُّوا في جمع الحديث الشريف، وكان محمد بن شهاب الزهري "ت١٢٤هـ" أول مَن حقق رغبته واستجاب لدعوته فقال: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطانه دفترًا"١. وقال مرة أخرى: لقد أمرنا عمر بن عبد العزيز أن نجمع السنة، وتنفيذًا لهذا الأمر كتبنا الكتب العديدة، وأرسلت نسخًا لأجزاء مختلفة من الدولة٢.
ووُجد في كل مدينة مَن يهتم بجمع الحديث والتصنيف في السُّنَّة:
ففي مكة: صنف في السُّنة ابن جريج "ت١٥٠هـ"، وسفيان بن عيينة "ت١٩٨هـ".
وفي المدينة: مالك بن أنس "ت١٧٩هـ"، ومحمد بن إسحاق "ت١٥١هـ"، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب "ت١٥٧هـ".
وفي البصرة: الربيع بن صبيح "ت١٦٠هـ"، وسعيد بن أبي عروبة "ت١٥٦هـ"، وحماد بن سلمة "ت١٦٨هـ".
وفي اليمن: معمر بن راشد "٩٥ - ١٥٣هـ".
وفي الشام: عبد الرحمن الأوزاعي "٨٨ - ١٥٧هـ".
وفي الكوفة: سفيان الثوري "ت١٦١هـ".
وفي خراسان: عبد الله بن المبارك "ت١٨١هـ".
وفي واسط: هشيم بن بشير "ت١٨٣هـ".
وفي الرِّي: جرير بن عبد الحميد "ت١٨٨هـ".
_________________
(١) ١ جامع بيان العلم وفضله "١/ ٧٦". ٢ انظر: فتح الباري "١/ ٥٧"، وفتح المغيث لولي الدين العراقي "ص٢٣٩"، والأموال لأبي عبيد "ص٥٧٨ - ٥٨٠".
[ ٢١٠ ]
وفي مصر: عبد الله بن وهب "١٢٥- ١٧٩هـ".
ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم ممن نسجوا على منوالهم١.
وكانت معظم مصنفات هؤلاء ومجاميعهم تضم الحديث الشريف وفتاوى الصحابة والتابعين، وأظهر مثال لذلك موطأ الإمام مالك الذي يجمع الحديث وفتاوى الصحابة والتابعين وعمل أهل المدينة٢، غير أن الإمام مالكًا تحرَّى الصحة في موطئه فلم يُخرج فيه إلا صحيحًا، وما كان من مراسيل أو بلاغات ونحوها فقد وقف عليها الأئمة موصولة وصحيحة "أو حسنة" في مصنفات أخرى، وقد التزم الإمام مالك في الموطأ بتخريج روايات الثقات الذين لا ينزل حديثهم عن درجة الحسن بحال، وأما غير الإمام مالك -ممن صنفوا في عهده- فلم يلتزموا ذلك في مصنفاتهم.
وذكر الدكتور عجاج الخطيب أن أمير مصر عبد العزيز بن مروان "ت٨٥هـ" والد "عمر" حاول التدوين الرسمي للسُّنَّة، وذلك حين بعث إلى عالم حمص التابعي الكبير "كُثير بن مرة الحضرمي" وكان أدرك سبعين بدريًّا من أصحاب رسول الله -ﷺ- بحمص: "أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله -ﷺ- من أحاديثهم إلا حديث أبي هريرة فإنه عندنا"؛ ولكن المصادر لم تخبرنا عن امتثال كُثير لهذا الطلب فيكون التدوين الرسمي في عهد ابنه عمر، ومن ذلك الوقت اهتم الرواة بالتدوين الذي شاع في أرجاء المدن الإسلامية.
_________________
(١) ١ المحدث الفاصل "ص٦١١ - ٦١٣". ٢ راجع: المدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص٥٩".
[ ٢١١ ]