يزعم بعض أهل العلم غير المتخصصين في الحديث الشريف وعلومه أن الرسول -ﷺ- نهى عن كتابة السُّنَّة وتدوينها، وغاب عن هؤلاء وأمثالهم أن كل الأحاديث المرفوعة إلى النبي -ﷺ- في النهي عن الكتابة ضعيفة الإسناد١، باستثناء الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه من طريق همام، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ: "لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" ٢.
وحتى هذا الحديث أعلَّه الخطيب البغدادي، فزعم أن المحفوظ عن أبي سعيد الخدري من قوله موقوفًا عليه وليس مرفوعًا٣.
وعلى اعتبار صحته مرفوعًا -وهو ما أرجحه- فإن هناك أحاديث في أعلى درجات الصحة جاء فيها تصريح النبي -ﷺ- بالإذن بالكتابة؛ منها:
_________________
(١) ١ رُوي ذلك -أي النهي- من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وفي إسنادهما "عبد الرحمن بن زيد بن أسلم" ضعيف عند جمهور العلماء؛ ومنهم: النسائي، وأبو زرعة الرازي، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وعلي بن المديني وغيرهم. راجع: الجرح والتعديل "٢/ ٢٣٣"، الميزان "٢/ ٥٦٤". كما رُوي من حديث زيد بن ثابت في سنن أبي داود "رقم ٣٦٤٧"، وفيه علتان؛ الأولى: في إسناده كثير بن زيد، ضعفه النسائي. وقال ابن معين: ليس بالقوي، وفي رواية: ليس به بأس، وفي ثالثة: ثقة. وقال أبو زرعة الرازي: صدوق فيه لين. وقال ابن المديني: صالح وليس بقوي. وقال ابن عدي: لم أرَ بحديثه بأسًا. راجع: ميزان الاعتدال "٣/ ٤٠٤"، الضعفاء والمتروكين للنسائي "ص٢٢٩" ترجمة رقم "٥٠٥" طبع دار المعرفة - بيروت. الثانية: أن الراوي عن زيد بن ثابت هو "المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب القرشي المخزومي" وهو لم يسمع من زيد بن ثابت، فالإسناد منقطع. راجع: تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل "ص٥٠٢، ٥٠٣" بتحقيقنا. ولذلك قال عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني: "أما الأحاديث، فإنما هي: مختلف في صحته، وآخر متفق علي ضعفه". الأنوار الكاشفة لما في كتاب "أضواء على السُّنَّة" من الزلل والتضليل والمجازفة "ص٣٥" طبع المكتبة السلفية بالقاهرة سنة "١٣٧٨هـ". ٢ صحيح مسلم "٤/ ٢٢٩٨" "٥٣" كتاب الزهد والرقائق "١٦" باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم "٧٢/ ٣٠٠٤". ٣ راجع: تقييد العلم "ص٣١، ٣٢".
[ ٣٩ ]
ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي -ﷺ- لما فتح خطب فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال النبي ﷺ: "اكتبوا لأبي شاه" أي: الخطبة التي سمعها.
ومن الأحاديث الصحيحة ما رواه أبو داود، والدارمي في سننيهما، وأحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله -ﷺ- أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شيء سمعته من رسول الله -ﷺ- ورسول الله -ﷺ- بَشَر يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله -ﷺ- فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق" ١.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود "٤/ ٦٠" رقم "٣٦٤٦"، وراجع أيضًا مسند الإمام أحمد "٢/ ١٦٢، ١٩٢، ٢٠٧، ٢١٥"، سنن الدارمي "١/ ١٢٥"، تقييد العلم "ص٧٩-٨١"، جامع بيان العلم "١/ ٧١"، وقد دون فيها كل شيء سمعه الرسول ﷺ "تقييد العلم "٨٥"، ورُوي أنه حفظ ألف حديث "أسد الغابة ٣/ ٢٣٣"، وقد ورث هذه الصحيفة حفيده شعيب بن محمد وأخذها بعده الحفيد الأكبر لعبد الله بن عمرو بن العاص وهو عمرو "ت١١٨ أو ١٢٠هـ" تهذيب العلم "٨٥". وقد اعتنى المحدثون بالإسناد إلى عمرو بن شعيب إلى أبيه إلى جده وقد ذكروا هذه الصحيفة "تهذيب التهذيب ٨/ ٥٤" ومعظمها في مسند الإمام أحمد بن حنبل "مسند عبد الله بن عمرو بن العاص". ويُروى أن مجاهد "ت١٠٢هـ" رأى هذه الصحيفة "طبقات ابن سعد ٢/ ٢/ ١٢٥"، "٤/ ٢/ ٨، ٩" أسد الغابة "٢/ ٢٣٤"، وذات مرة زار مجاهد عبد الله بن عمرو بن العاص وحاول أن يأخذ الصحيفة فمنعه، حرصًا من ابن عمرو عليها. أسد الغابة "٣/ ٢٣٤"، تقييد العلم "٨٤". ويُروى أن عبد الله بن عمرو اعتاد أن يحفظ الأحاديث المكتوبة في صندوق، وأنه سئل يومًا عن حديث فأخرج الكتاب من الصندوق وروى منه الحديث ردًّا على السؤال "مسند الإمام أحمد ١٠/ ١٧٢-١٧٤" تحقيق أحمد شاكر؛ بل يروى أنه كان لديه كتاب وصحيفة يحتويان على أحاديث للنبي، وأنه سلمهما لأبي راشد الحبراني لما طلب منه أن يروي له ما سمعه من النبي ﷺ "تقييد العلم ٨٥". ومما يؤكد تدوينه الأحاديث مبكرًا قول أبي هريرة: "ليس أحد من أصحاب رسول الله -ﷺ- أكثر حديثًا عن النبي -ﷺ- مني؛ إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب "سنن الدارمي ١/ ١٣٦" باب من رخص في كتابة العلم - حديث "٤٨٣"، وانظر تقييد العلم "٨٢"، جامع بيان العلم "١/ ٧٠". وقد سبق أن بينا أن أبا هريرة كان لا يكتب في البداية لأسباب ثم كتب بعد ذلك. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- يملي الأحاديث على تلاميذه "فتح المغيث للسخاوي ٢١٦" تقييد العلم "٨٥، ١٨٢"، حتى أمن شوفا بن ماتع دوَّن كتابين من إملائه "خطط المقريزي ٢/ ٣٣٢"، وانظر ترجمة ابن ماتع في مشاهير علماء الأمصار "ص١٢١" رقم "٩٤٠"، وكان يملي من صحيفته أو من يعض سجلاته المكتوبة عنده فقد كان عنده عدد ضخم من الكتب "تذكرة الحفاظ ١/ ٣٦" - مسند أحمد "٢/ ١٧٦"، ويُروى أنه جمع فتاوى الخليفة عمر بن الخطاب "سنن الدارقطني ٤٥٣".
[ ٤٠ ]
ومن جهة أخرى، فإن الحديث الذي رواه الإمام مسلم ذكر النووي عن القاضي عياض في شرحه له ثلاث إجابات كلها مقبولة ومحتملة:
الأولى: أن نهي النبي -ﷺ- كان موجهًا لمن يثق بحفظه خشية اتكاله على الكتابة، وأما من لم يثق بحفظه فقد أذن له بالكتابة.
الثانية: أن حديث النهي منسوخ بحديث الإذن بالكتابة؛ فقد كان النهي حين خِيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة.
الثالثة: أن النهي كان منصبًّا على الكتابة في صحيفة واحدة "أي: كتابة السُّنَّة مع القرآن في صحيفة واحدة" خشية الاختلاط، وحتى لا يشتبه على القاريء.
قال القاضي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كبير في كتابة العلم، فكرهها كثير منهم وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف، واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي، فقيل: هو في حق مَن يوثق بحفظه ويُخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب، ويحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على مَن لا يوثق بحفظه كحديث: "اكتبوا لأبي شاه"، وحديث صحيفة علي -﵁- وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر -﵁- أنسًا -﵁- حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبي هريرة -﵁- أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب، وغير ذلك من الأحاديث، وقيل: إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة، قيل: إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة؛ لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة، والله أعلم١.
_________________
(١) ١ شرح صحيح مسلم للنووي "١٨/ ٣٣٤-٣٣٩"، وانظر نحوه في مقدمة ابن الصلاح "ص٨٨" في النوع الخامس والعشرين، وفي معالم السنن للخطابي، هامش سنن أبي داود "٤/ ١٦" في تعليقه على حديث زيد بن ثابت رقم "٣٦٤٧".
[ ٤١ ]
ورأى ابن الصلاح أن النهي كان في أول الأمر لخشية اختلاط الحديث بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن فيه١، وبيَّن أن أحاديث الإذن بالكتابة كانت بعد النهي، وذكر غير واحد من الأئمة والحفاظ أنه لو لم يأذن الرسول بالكتابة لكان ذلك سبيلًا إلى الجهل بالشريعة واندراس كثير من السنن. وروى ابن الصلاح بسنده عن الأوزاعي أنه كان يقول: كان هذا العلم كريمًا يتلقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله. ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة، والله أعلم٢.
وروى ابن عبد البر بسند صحيح عن إسحاق بن منصور قال: قلت لأحمد بن حنبل: من كره كتاب العلم؟ قال: كرهه قوم، ورخص فيه آخرون. قلت له: لو لم يكتب العلم لذهب. قال: نعم، ولولا كتابة العلم أي شيء كنا نحن؟ قال إسحاق بن منصور: وسألت إسحاق بن راهويه فقال كما قال أحمد سواء٣.
فقد ثبت أن الصحابة كانوا يدونون السنة، وكانوا يحثون أبناءهم على الكتابة والتدوين:
فقد كتب أبو بكر -﵁- لأنس بن مالك -﵃- كتابًا فيه فرائض الصدقة التي سنَّها رسول الله -ﷺ- وقد توارث هذا الكتاب ثمامة بن عبد الله بن أنس بعد أن حدَّثه به أبوه٤.
وقد هَمَّ أبو بكر بجمع السنن، فكتب ما يقرب من خمسمائة حديث، ثم رأى أن يحرقها خوفًا من أن تنقل عنه ويكون فيها شيء غير صحيح، وليس لأن النبي -ﷺ- نهى عن الكتابة٥.
_________________
(١) ١، ٢ انظر: المقدمة "ص٨٨" في النوع الخامس والعشرين. ٣ جامع بيان العلم "١/ ٣٢٩". دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع. ٤ راجع: صحيح البخاري "٢/ ١٤٦، ١٤٧"، سنن أبي داود "٢/ ١٢٩، ١٣٠" كتاب الزكاة - حديث رقم "١٥٦٧"، وسنن النسائي: كتاب الزكاة - حديث رقم "٢٤٤٩"، وسنن ابن ماجه "١/ ١٥٥" كتاب الزكاة - حديث رقم "١٨٠٠"، تقييد العلم "٨٧"، وفيه نصوص من هذا الكتاب. ٥ راجع: تذكرة الحفاظ "١/ ص٥".
[ ٤٢ ]
وروى مسلم عن أنس بن مالك -﵁- أنه كتب حديثًا عن رسول الله -ﷺ- غير كتاب أبي بكر١.
وروى الخطيب بسنده عن عبد الله بن المثنى قال: حدثني عمَّاي: النضر وموسى ابنا أنس، عن أبيهما أنس بن مالك -﵁- أنه أمرهما بكتابة الحديث والآثار عن رسول الله -ﷺ- وتعلمها٢.
وكان ثمامة بن عبد الله بن أنس لديه كتاب نقله إلى حماد بن سلمة٣.
وروى أبو خيثمة -﵁- بسند صحيح عن علي -كرم الله وجهه- قوله: من يشتري صحيفة بدرهم يكتب فيها العلم؟ ٤
وزاد ابن سعد: فاشترى الحارث الأعور صحفًا بدرهم، ثم جاء بها عليًّا فكتب له علمًا كثيرًا٥.
ويروى أن عبد الله بن مسعود ﵁ "ت٣٢هـ" كان له كتاب، على الرغم مما رُوي عنه من أنه من المعارضين لكتابة الحديث، حتى يقال: إنه أتلف كتابًا أُحضر له للدراسة والتأمل٦، فقد أقسم ابنه أن لديه كتابًا بخط والده٧.
وجمع الحسن بن علي بن أبي طالب -﵄- بنيه وبني أخيه فقال: يا بَني، إنكم اليوم صغار قوم أوشك أن تكونوا كبار قوم فعليكم بالعلم، فمن لم يحفظ منكم فليكتبه وليضعه في بيته٨.
وقد كان قضاء علي بن أبي طالب -﵁- مكتوبًا، بدليل أن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب له كتابًا ويخفي عني، فقال ولد ناصح: أنا
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي "١/ ٢٠٥-٢٠٧" وفيه نص ما كتبه. ٢ تقييد العلم "ص٩٦". ٣ الكفاية "٤٧٣". ٤ كتاب العلم لأبي خيثمة "ص١٤٤" بتحقيق الألباني - المطبعة العمومية - دمشق. ٥ الطبقات الكبرى "٦/ ١١٦". ٦ راجع: جامع بيان العلم "١/ ٦٢-٦٥"، تقييد العلم "٢٥، ٣٨، ٣٩، ٥٣-٥٦". ٧ راجع: جامع بيان العلم "١/ ٧٢". ٨ تقييد العلم "ص٩١، ٩٢".
[ ٤٣ ]
اختار له الأمور اختيارًا وأخفي عنه، فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به الشيء فيقول: "والله ما قضى بهذا علي، إلا أن يكون ضل"١.
قال الحافظ التيجاني: "هذا يدل على أن قضاء علي كان مكتوبًا، والقضاء يستند إلى السُّنَّة"٢.
وكتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية بن أبي سفيان بعض الحديث٣.
وروى أبو خيثمة -﵁- بسند صحيح عن ورَّاد كاتب المغيرة قال: أملى عليَّ المغيرة، وكتبته بيدي٤.
وأجاز أبو أمامة الباهلي كتابة العلم، فقد سأله تلميذه الحسن بن جابر عن كتابة العلم فقال: لا بأس بذلك٥، وكتب عبد الله بن أبي أوفَى -﵄- حديث رسول الله -ﷺ- وأرسله إلى بعض أصحابه٦.
وأبو هريرة -﵁- أكثر الصحابة حفظًا للحديث الشريف على الإطلاق، وذلك ببركة دعاء النبي -ﷺ- له بالحفظ كما في صحيح البخاري، وإذا كان ممن لا يكتب الحديث الشريف، فإن تلاميذه كتبوا له حديثه، وأخذ هذه الكتب فحفظها عنده حتى لا يُغيَّر في حديثه أو يبدَّل فيه، وحتى تكون مقياسًا عنده لما نسب إليه من الأحاديث الكثيرة التي بثها في التابعين الذين بلغوا ثمانمائة نفس٧.
وإذا كان أبو سعيد الخدري -﵁- كره الكتابة؛ فإنما هذا اجتهاد منه؛ لئلا يجعل الحديث كالقرآن في كتاب، وليس لنهي النبي -ﷺ- عن ذلك، ومن جهة أخرى فإن ابنه خالفه، وكان يكتب حديثه٨.
_________________
(١) ١ مقدمة صحيح مسلم بشرح النووي "١/ ١٩٧". ٢ سنة الرسول ﷺ "ص٥٤". ٣ صحيح البخاري "ص٢/ ١٥٣" طبعة الشعب. ٤ كتاب العلم "ص١١٧". ٥ سنن الدارمي "١/ ١٢٧"، تقييد العلم "ص٩٨"، وإسناد أبي داود حسن. ٦ صحيح البخاري "٤/ ٦٢" طبعة الشعب، وذكر البخاري أجزاء من الحديث الذي كتبه. ٧ راجع: فتح الباري "١/ ١٨٤"، والعلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد "١/ ٤٣"، وجامع بيان العلم "١/ ٨٩". ٨ تقييد العلم "ص٣٦-٣٨".
[ ٤٤ ]