يمكن القول بأن هناك عدة أسباب ملحة لتدوين الحديث الشريف وكتابته:
١- منها: الباعث الديني والتشريعي:
حيث إن السُّنَّة تشتمل على الأحكام الفقهية والقواعد التشريعية، وكان لا بد من تدوينها وتسجيلها لتُحفظ خشية التحريف أو النسيان، وخاصة الأحاديث الطويلة نحو: أحاديث الزكاة والصدقات وأحاديث أحكام الديات ونحوها.
٢- ومنها: الحرص على تسجيل حياة النبي ﷺ وكل ما فيها من تفاصيل وأعمال في بيته وفي المسجد وفي السوق وفي الغزوات وكافة المواقف والأفعال؛ وذلك للاقتداء به في الأفعال والأعمال وغيرها.
٣- ومنها: تدوين السُّنَّة في رسائل إلى الملوك والأمراء من غير المسلمين؛ لدعوتهم إلى الإسلام، وبيان أهم سمات الإسلام وأبرز أهدافه.
٤ ومنها: تدوين السُّنَّة في مكاتبات إلى أمراء الأجناد وقادة الثغور والسرايا وحكام الأقاليم، وعمال المسلمين في شتى البلاد، ونحو ذلك. ومن المكاتبات والمراسلات التي اشتملت على بعض الحديث الشريف، سواء بين الصحابة، أو بين الصحابة والتابعين، ومن ذلك:
- كتب معاوية بن أبي سفيان للمغيرة بن شعبة يطلب منه بعض الأحاديث، فاستجاب المغيرة لطلب معاوية وأرسل له بعض الأحاديث بالبريد١.
- وكتب ابن عباس لأبي موسى الأشعري يستفسر منه عن بعض الأحاديث، فأرسلها له بالبريد٢.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري "٤/ ٤٢٣" كتاب الاعتصام بالسُّنَّة. ٢ مسند أبي داود الطيالسي "٢/ ٧١".
[ ٥٩ ]
- وأرسل أبو موسى الأشعري إلى عبد الله بن مسعود١.
- وأرسل جرير بن عبد الله إلى معاوية بن أبي سفيان٢.
- وأرسل سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء٣.
- وأرسل عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح٤.
- وأرسل زيد بن أرقم إلى أنس بن مالك٥.
- وأرسل النعمان بن بشير إلى قيس بن الهيثم٦.
- وأرسل الضحاك بن قيس بن خالد إلى قيس بن الهيثم٧.
- وأرسل عبد الله بن عمرو إلى عبد العزيز بن مروان٨.
٥- ومنها: تتدوين السُّنة من أجل حفظها من الاندراس، والمحافظة عليها من التحريف؛ وذلك ليرجع إليها الصحابة صحيحة منزهة عن الخطأ والتحريف، وليرجع إليها مَن بعدهم من التابعين ثم أتباعهم إلخ، وهكذا الأجيال اللاحقة، ومن الصحابة الذين حفظوا السُّنة مكتوبة أصحاب الصحف والكتب الذين سبق ذكرهم.
٦- ومنها: تدوين ضعيفي الحفظ؛ وذلك ليتمكنوا من حفظ حديث رسول الله -ﷺ- كما صدر عنه، وليتمكنوا من الرجوع إليه كلما أرادوا لتثبيت الحفظ وتجنب الخطأ. ومن ذلك الكتابة "لأبي شاه" بأمر من النبي ﷺ.
_________________
(١) ١ المسند "٤/ ٣٩٦، ٤١٤". ٢ المسند "٤/ ٣٦١". ٣ ميزان الاعتدال "٤/ ٥٤٦" رقم "١٠٣٧٥". ٤ سنن ابن ماجه "٢/ ١٦٦" كتاب الفرائض "٩" بباب ذوي الأرحام - في الحديث رقم "٢٧٣٧". ٥ تهذيب التهذيب "٣/ ٣٩٤". ٦ المسند "٤/ ٢٧٧". ٧ المسند "٣/ ٤٥٣"، أسد الغابة "٣/ ٣٧"، الإصابة "٢/ ٢٠٧" رقم "١٤٦٩". ٨ طبقات ابن سعد "٤/ ١/ ١١٠، ١١١".
[ ٦٠ ]
٧- التدوين بغرض الاستخدام الخاص: فقد رغب بعض الصحابة أن يكون لديهم سجل فيه حديث رسول الله ﷺ، فكان لعبد الله بن عمر كتب ينظر فيها من آنٍ لآخر، وكذلك غيره من الصحابة الذين كانت لهم صحف وكتب.
٨- مكاتبات خاصة بالنبي ﷺ: فقد حُفظت بعض السنن من خلال المراسلات الرسمية للنبي، ومنها العقود والاتفاقات والمعاهدات.
٩- التسجيل الثانوي من جانب طلاب الحديث: وذلك في حلقات العلم التي كان يعقدها الصحابة خاصة، فقد اعتاد واثلة بن الأسقع "ت٨٣هـ" أن يملي الأحاديث على طلابه في تلك المرحلة المبكرة١.
وممن كانوا يعقدون حلقات لدراسة الأحاديث وحفظها وتدوينها: أُبي بن كعب "ت٢٢هـ"٢، وعبد الله بن مسعود "ت٣٢هـ"٣، وعبادة بن الصامت "ت٣٤هـ"٤، وعمران بن حصين "ت٥٢هـ"٥، وأبو هريرة "ت٥٩هـ"٦، وعبد الله بن عمرو بن العاص "ت٦٥هـ"٧، وعبد الله بن عباس "ت٦٨هـ"٨، وجابر بن عبد الله "ت٧٨هـ"٩، وغيرهم ﵁.
وغير ذلك من العوامل والأسباب والبواعث التي استدعت كتابة الحديث.
_________________
(١) ١ الإملاء "١٣"، الميزان "٤/ ١٤٥" رقم "٨٦٥٨"، تقييد العلم "٩٩". ٢ طبقات ابن سعد "٣/ ٢/ ٦١". ٣ طبقات ابن سعد "٣/ ١/ ١١٠"، "٣/ ٢/ ٦١". ٤ التراتيب الإدارية "١/ ٤٨". ٥ طبقات ابن اسعد "٤/ ٢/ ٢٩". ٦ سير أعلام النبلاء "٢/ ٤٤٠، ٤٤١، ٤٣٣، ٤٣٦". ٧ طبقات ابن سعد "٤/ ٢/ ١٢، ١٣". ٨ طبقات ابن سعد "٢/ ١/ ١٢١، ١٢٢"، "٧٩/ ٦"، الكنى "٢/ ١٢٦"، تاريخ بغداد "١/ ١٧٥"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٥". ٩ تهذيب التهذيب "٢/ ٤٣".
[ ٦١ ]