وضع التابعون ضوابط وأسسًا لضمان صحة النقل وتجنب التحريف والتبديل، وفي سبيل أن يكون تدوينهم عن الصحابة تدوينًا أمينًا لا يعتريه الشك أو الخطأ أو التحريف التزموا بهذه الضوابط والأسس الهامة، والتي منها ما يأتي:
١- التثبت في السماع والأداء:
قال أبو العالية التابعي الكبير: كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله -ﷺ- فلم نرضَ حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم.
وقال غيره: إني كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه١.
وكانوا يتركون الرواية عن غير المتثبتين حتى وإن كانوا عدولًا. قال أبو الزناد: أدركت بالمدينة مائة أو قريبًا من المائة ما يؤخذ عن أحد منهم، وهم ثقات يقال: ليس من أهله٢.
٢- معارضة كتبهم ومقابلتها:
قال هشام بن عروة: قال لي أبي: أكتبتَ؟ قلت: نعم، قال: عارضتَ؟ قلت: لا، قال: لم تكتب.
ويقول يحيى بن أبي كثير: من كتب ولم يعارض كان كمن خرج من المخرج ولم يستنج٣.
ومن أمثلة العرض على الشيخ: قيل لنافع مولى عبد الله بن عمر: إنهم قد كتبوا حديثك، قال: فليأتوني حتى أقيمه لهم٤.
_________________
(١) ١ سنن الدارمي "١/ ١٤٠". ٢ المحدث الفاضل "ص٤٠٧". ٣ المحدث الفاصل "ص٤٤". ٤ أدب الإملاء والاستملاء، للسمعاني "ص٧٨" طبع ليدن.
[ ٢٢١ ]
٣- حفظ كتبهم وصحائفهم في أماكن أمينة:
مع معاودة النظر فيها ومراجعتها من حين لآخر: فحفظ الحسن بن علي صحيفة أبيه في صومعة لا يخرجها منها إلا عند الحاجة إليها١.
وكان خالد بن معدان يتخذ لكتابه عرًى وأزرارًا حفظًا له٢. وكان قد لقي سبعين صحابيًّا.
وكان قتادة يحفظ صحيفة جابر بن عبد الله حفظًا جيدًا٣، وقال الحسن البصري: إن لنا كتبًا نتعاهدها٤.
٤- ومن الضوابط:
أنهم كانوا لا يجيزون القراءة في كتاب يجدونه إلا إذا راجعوا هذا الكتاب بالسماع أو القراءة على الشيخ تجنبًا للتحريف، قيل لابن سيرين: ما تقول في رجل يجد الكتاب يقرؤه أو ينظر فيه؟ قال: لا حتى يسمعه من ثقة٥.
فعرف عنهم الاهتمام بما يُسمى بالسماع أو العرض. وأما طريق الوجادة فلم يكونوا يعتمدون عليها كثيرًا.
_________________
(١) ١ العلل ومعرفة الرجال "١/ ١٠٤". ٢ تذكرة الحفاظ "١/ ٩٣". ٣ الطبقات الكبرى "٧/ ٢/ ٢". ٤ تقييد العلم "ص١٠٠"، كتابة العلم "ص١٢٥". ٥ الكفاية "ص٥٣".
[ ٢٢٢ ]