خطا التأليف والتصنيف خطوة أخرى على يد أئمة عاشوا في القرن الثاني وقليل من القرن الثالث، فقد رأى بعض هؤلاء أن يجمعوا الأحاديث التي رواها كل صحابي في موضوع واحد، فألفوا المسانيد، كما ألفوا في الرواة، وفي علل الحديث.
أولًا: التأليف في المسانيد: ممن ألف في ذلك
أبو داود الطيالسي "١٣٣ - ٢٠٤هـ" وأسد بن موسى "ت٢١٢هـ"، وعبيد الله بن موسى "ت٢١٣هـ"، ومسدد البصري "ت٢٢٨هـ"، ونعيم بن حماد "ت١٢٨هـ"، وأحمد بن حنبل "١٦٤- ٢٤١هـ"، وإسحاق بن راهويه "١٦١- ٢٣٨هـ"، وعثمان بن أبي شيبة "١٥٦ - ٢٣٩هـ".
واقتصرت هذه المسانيد على حديث رسول الله -ﷺ- دون أقوال الصحابة والتابعين، وجمعت الحديث الصحيح والضعيف، ويصعب على القارئ التمييز بين هذه الأحاديث إلا إذا كان مؤهلًا لذلك خبرة ودراية١.
وقد كان ذلك مع الاستمرار في المصنفات المرتبة على الموضوعات والتي جمعت الحديث المرفوع وآثار الصحابة والتابعين مثل: مصنف عبد الرزاق الصنعاني "١٢٦- ٢١١هـ"، ومصنف عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي "ت٢٣٥هـ".
ثانيًا: التأليف في الرواة
تبع التدوين الشامل للأحاديث أو تعاصر معه التأليف في رواة الأحاديث وبيان شيوخهم الذين رووا عنهم وتلاميذهم الذين أخذوا منهم، وبيان أسمائهم
_________________
(١) ١ راجع: السُّنَّة قبل التدوين "ص٣٣٩"، المدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص٥٩".
[ ٢٢٣ ]
وكناهم وألقابهم وأنسابهم وموطنهم وتاريخ ولادتهم ووفاتهم، وبيان ما فيهم من جرح وتعديل.
وممن ألف في ذلك في هذه الفترة: يحيى بن معين "١٥٨- ٢٣٧هـ" ألف "تاريخ الرواة" رتبه على حروف المعجم، وخليفة بن خياط الشيباني "ت٢٤٠هـ" ألف "التاريخ" في عشرة أجزاء، و"طبقات الرواة" ومحمد بن سعد كاتب الواقدي "١٦٨- ٢٣٠هـ" ألف كتابه "الطبقات"، وترجم فيه للصحابة على طبقاتهم فالتابعين، فمن بعده إلى وقته، والإمام أحمد بن حنبل "١٦٨- ٢٤١هـ" ألف "التاريخ" و"لكنى" و"الجرح والتعديل"، وعلي بن المديني "١٦١ - ٢٣٤هـ" ألف "الأسامي والكنى"، و"معرفة من نزل من الصحابة على سائر البلدان"١.
ثالثًا: التأليف في علل الحديث
ألفت في تلك الفترة مؤلفات تكشف الخلل الخفي في الإسناد أو المتن، وتميز الحديث الصحيح من غيره، وممن ألف في العلل:
الإمام يحيى بن سعيد القطان "ت١٩٨هـ" ألف كتاب "العلل"، والإمام يحيى بن معين "١٥٨- ٢٣٧هـ" ألف "التاريخ والعلل" ذكر فيه بعض الرواة وبعض رواياتهم وبيَّن عللها، وعلي بن المديني "١٦١- ٢٣٤هـ" ألف "العلل"، والإمام أحمد بن حنبل "١٦٨- ٢٤١هـ" ألف "علل الحديث ومعرفة الرجال".
وقد جاءت هذه المؤلفات بغير ترتيب لا على المسانيد ولا على الأبواب٢.
رابعًا: التأليف في الموطآت
ممن ألف في الموطآت:
أ- الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي،
_________________
(١) ١ راجع: السُّنة قبل التدوين "ص٢٦١ - ٢٧٦"، المدخل إلى توثيق السُّنة "ص٦٠". ٢ راجع: نشأة علوم الحديث ومصطلحه "ص٢٢٣، ٢٢٤"، المدخل إلى توثيق السُّنة "ص٦١".
[ ٢٢٤ ]
أبو عبد الله المدني الفقيه، إمام دار الهجرة، ورأس المتقين، وكبير المحدثين "٩٣ - ١٧٩هـ".
وقد مكث الإمام مالك في تأليف كتابه "الموطأ" أربعين سنة كاملة ينقحه ويهذبه، ورتبه على الأبواب الفقهية، ومن عادته أنه يذكر عقب عنوان الباب الحديث المرفوع إلى النبي -ﷺ- ثم ما ورد فيه من الآثار عن الصحابة والتابعين، وخاصة من أهل المدينة؛ لأنه لم يرحل عنها، وأحيانًا يذكر ما عليه العمل، أو المجمع عليه في المدينة، وقد يتبع الحديث أحيانًا بتفسير كلمة لغويًّا أو بعض الجمل.
فالموطأ خلاصة لجهود هذا الإمام المحدِّث الكبير خلال أربعين عامًا، فكان متقنًا في بابه، وكان -رحمه الله تعالى- يتحرى في المتون وينتقي في الأسانيد، وقد بيَّن العلماء -سلفًا وخلفًا- أن أحاديث الموطأ كلها صحيحة، وأن أسانيده وردت متصلة جميعًا، فلا يوجد في الموطأ حديث مرسل ولا منقطع إلا وقد اتصل سنده من طرق أخرى، كما قرر العلماء، ومنهم أبو عمر بن عبد البر في كتابه "التقصي في مسند حديث الموطأ ومرسله".
وقديمًا قال الإمام الشافعي: "ما على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك"، وفي رواية: "ما بعد كتاب الله أكثر صوابًا من موطأ مالك"، وفي رواية: "ما بعد كتاب الله أنفع من الموطأ"، وفي رواية: "ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك".
ب- عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، مولاهم، أبو محمد، المصري، الفقيه، الحافظ، العابد "١٢٥- ١٩٧هـ"، وكتابه "الموطأ" أشار إليه غير واحد من الأئمة والحفاظ منهم ابن حجر العسقلاني في "التلخيص الحبير"، والزيلعي في "نصب الراية".
[ ٢٢٥ ]
ولم يطبع "موطأ" عبد الله بن وهب كاملًا إلى الآن١.
ولم يلتزم ابن وهب في هذا المصنف برواية الأحاديث الصحيحة والمرفوعة؛ وإنما جمع فيه الصحيح والحسن، والضعيف، والمرفوع، والمرسل، والموقوف، والمقطوع.
_________________
(١) ١ وقد شرفت بتحقيق جزء منه بالاشتراك مع فضيلة الدكتور/ رفعت فوزي عبد المطلب، طبع ونشر دار الوفاء بالقاهرة، وموطأ ابن وهب مرتب على الأبواب الفقهية، مثل موطأ الإمام مالك، وقد بلغ عدد الروايات في هذه القطعة من موطأ ابن وهب "٥٢٦" خمسمائة وستًّا وعشرين رواية. كما طبع جزء آخر منه بتحقيق الدكتور مصطفى حسن حسين محمد أبو الخير بجامعة الأزهر "رسالة الدكتوراه له". وجاء في مجلدين واشتمل على "٧١٧" حديثًا، منه الصحيح، ومنه الحسن، ومنه الضعيف "دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع بالمملكة العربية السعودية" الطبعة الأولى "١٤١٦هـ-١٩٩٦م".
[ ٢٢٦ ]