يمكن حصر مناهج العلماء وطرق المحدِّثين في ثلاثة طرق:
- الطريقة الأولى: جمع الطعون التي وجهها أهل الكلام للمحدثين، سواء ما كان يرجع إلى ما حملوه من الحديث الشريف، أو ما كان يرجع إلى أشخاصهم من العدالة والضبط.
ومثال ذلك: أبو محمد بن مسلم بن قتيبة "ت٢٧٦هـ"١ في كتابه: "تأويل مختلف الحديث في الرد على أعداء الحديث"، دافع فيه عن السُّنَّة وأهلها، وذكر فيه طعون المعتزلة في أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي هريرة، وحذيفة بن اليمان ﵃، ثم فند هذه الطعون جميعًا، ثم تناول بعض الطاعنين في الحديث وأهله؛ ومنهم: أبو الهذيل العلاف، وعبيد الله بن الحسن، وهشام بن الحكم.
كما تناول ابن قتيبة الجاحظ -خطيب المعتزلة- وبين أنه متذبذب في العقيدة، وأنه يكذب ويضع الحديث نصرة لمذهبه، وأنه يستهزئ بحديث رسول الله ﷺ.
ثم ذكر أهل الحديث، وبيَّن أنهم يلتمسون الحق من طريقه الصحيح، ودافع عنهم، وبرأهم مما ينسب إليهم، كما ذكر أسباب حملهم للأحاديث؛ حيث إنهم ينحلون المتون والأسانيد جميعًا، ويميزون صحيحها من سقيمها، ويبينونه للناس.
وقام بالجمع بين الأحاديث التي زعم المتكلمون أنها متناقضة أو مشكلة، فرفع عنها التناقض، وأزال عنها الإشكال، كما سجل على أهل الكلام تعصبهم الذي أعماهم عن الحق.
_________________
(١) ١ من تصانيفه: غريب القرآن، غريب الحديث، إعراب القرآن، مشكل القرآن، مشكل الحديث، عيون الأخبار، إصلاح الغلط، كتاب التفقيه، كتاب الخليل، كتاب الميسر والقداح، المسائل والجوابات، وغيرها.
[ ٢٥٧ ]
وأيضًا علي بن المديني وكتابه "اختلاف الحديث" والذي جاء في خمسة أجزاء.
الطريقة الثانية: جمع الحديث على المسانيد مرتَّبة على الصحابة:
بحيث يذكر الصحابي وما يرويه من أحاديث عن رسول الله -ﷺ- سواء كان صحيحًا أو ضعيفًا.
ومنهم مَن يرتب مسنده على السوابق في الإسلام، فيقدم العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل الحديبية، ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية والفتح، ثم من أسلم يوم الفتح، ثم أصاغر الصحابة سنًّا، ثم النساء.
ومنهم من يرتب مسنده على القبائل، فيقدم بني هاشم، ثم الأقرب فالأقرب نسبًا إلى رسول الله ﷺ.
ومنهم من لم يراعِ شيئًا مما سبق.
- ومن هذه المسانيد:
- مسند عبيد الله بن موسى "ت٢١٣هـ".
- مسند الحميدي "ت٢١٩هـ".
- مسند مسدَّد بن مُسَرْهَد "ت٢٢٨هـ".
- ومسند إسحاق بن راهويه "ت٢٣٧هـ".
- مسند عثمان بن أبي شيبة "ت٢٣٩هـ".
- مسند الإمام أحمد بن حنبل "١٦٤-٢٤١هـ".
- مسند عبد بن حميد "ت٢٤٩هـ".
- المسند الكبير، ليعقوب بن شيبة "ت٢٦٢هـ" جمع الأحاديث وأبان عن عللها؛ ولذلك فهو متميز على غيره فيها؛ ولكنه لم يتمه.
[ ٢٥٨ ]
- مسند محمد بن مهدي "ت٢٧٢هـ".
- المسند الكبير، لبقي بن مخلد القرطبي "ت٢٧٦هـ" رتبه على أسماء الصحابة، ثم رتب حديث كل صحابي على أبواب الفقه، وبلغ عدد الصحابة فيه "١٦٠٠"، وقد فضله ابن حزم على مسند الإمام أحمد بن حنبل؛ ولكن الحافظ ابن كثير قال في تاريخه: وعندي في ذلك نظر، والظاهر أن مسند أحمد أجود منه وأجمع. اهـ.
- مسند البزَّار "ت٢٩٢هـ".
- مسند أبي يعلى الموصلي "٢١٠-٣٠٧هـ".
ويؤخذ على هذه المصنفات عدم التمييز بن الحديث الصحيح والضعيف، وهذا التمييز لا يستطيعه غير العلماء المتخصصون، ففيه يتعذر الوقوف على درجة الحديث.
وأيضًا صعوبة الوقوف على الأحكام الفقهية والشرعية، فهذا أيضًا خاص بالحفاظ المتقنين، ففيها الخلط بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة، وفيها عدم التبويب الفقهي.
ولكن أهمية هذه المسانيد في استقلالها بحديث رسول الله -ﷺ- دون غيره من روايات الصحابة والتابعين.
الطريقة الثالثة: التصنيف على الأبواب الفقهية:
بحيث يصنف الحافظ أو المحدِّث الأحاديث وفقًا لموضوعها، ومنهم من اقتصر على الأحاديث الصحيحة؛ كالإمام محمد بن إسماعيل البخاري "١٩٤ - ٢٥٦هـ" في صحيحه المسمى: "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله -ﷺ- وسننه وأيامه".
[ ٢٥٩ ]
وتبعه تلميذه: مسلم بن الحجاج القشيري "٢٠٦-٢٦١هـ" في صحيحه.
وقد اتفق العلماء على أن كتابيهما أصح الكتب المصنَّفة في الحديث الشريف على الإطلاق.
ومنهم من جمع الصحيح والضعيف؛ كأبي داود "٢٠٢- ٢٧٥هـ"، والترمذي "٢٠٩- ٢٧٩هـ"، والنسائي "٢١٥ - ٣٠٣هـ"، وابن ماجه "٢٠٩ - ٢٧٣هـ".
ومنهم من ذكر درجة الأحاديث في مصنفه مثل الترمذي.
ومنهم من ينبه أحيانًا على الضعيف مثل: أبي داود، والنسائي.
ومنهم من لم ينبه على درجة الحديث مثل ابن ماجه "٢٠٧- ٢٧٥هـ".
فميزة هذه المصنفات تيسير الاطلاع على درجة الأحاديث والأحكام الشرعية.
ولقد كان القرن الثالث الهجري أزهَى عصور الحديث وتدوينه، ففيه ظهر كبار المحدثين، وحذاق الناقدين، وخبراء العلل، وأهم المصنفات وعلى رأسها الكتب الستة التي حظيت بالشرح والاختصار والتعليق والجمع والمستخرجات عليها.
[ ٢٦٠ ]