سبق أن ذكرنا أن منكري السُّنَّة بزغوا في كل عصر، وقد رد عليهم الإمام الشافعي قديمًا وكذلك ابن أبي حاتم وغيرهما.
وحديثًا أنكر بعض الناس أن تكون السُّنَّة مصدرًا للتشريع الإسلامي مُتذرعين بالعديد من الحجج، وأهمها ما يلي١:
أولًا: القرآن الكريم حوى كل أمور الدين ووضحها؛ بحيث يغني عما عداه، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، والأخذ بالسُّنَّة يناقض ذلك.
ثانيًا: الله تعالى ضَمِنَ حفظ كتابه لأنه مصدر التشريع ولم يضمن حفظ السُّنَّة، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ولو كانت السُّنَّة دليلًا من أدلة التشريع وحجة كالقرآن لتكفل الله بحفظها، ولا يستطيع أحد أن يدَّعي أن السُّنَّة وصلت إلينا بنصها.
ثالثًا: لو كانت السُّنَّة حجة ومصدرًا من مصادر التشريع لتكفل النبي -ﷺ- بكتابتها، ولعمل الصحابة والتابعون على جمعها وتدوينها صيانة لها من العبث والتبديل والتحريف والنسيان؛ لكن الثابت -هكذا يزعمون- أن النبي -ﷺ- نهى عن كتابتها وأمر بمحو ما كُتب منها، وكذلك فعل الصحابة والتابعون.
رابعًا: ورد عن النبي -ﷺ- ما يدل على عدم حجية السُّنَّة، ومن ذلك قوله: "إن الحديث سيفشو عني، فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس مني"٢، وقوله: "إذا حُدِّثتم عني حديثًا تنكرونه -قلته أو
_________________
(١) ١ راجع: السُّنَّة ومكانتها في التشريع "ص١٣٨-١٤٠"، المدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص٢٠١-٢٠٣". ٢ رواه الإمام الشافعي في الأم رقم "٢٩٩٨".
[ ٢٣ ]
لم أقله- فلا تصدقوا به؛ فإني لا أقول ما يُنكر ولا يُعرف"١، وقوله: "إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه"٢، وفي رواية: "لا يمسكن الناس على شيء، فإني لا أحل ما أحل الله، ولا أحرم إلا ما حرم الله" ٣.
فهذه الأحاديث تفيد وجوب عرض السُّنَّة على القرآن، وأن نأخذ منها ما وافق القرآن، وما خالفه لا نقيله، فلا أهمية للسُّنَّة، ودورها هو التوكيد والتكرار لما في القرآن الكريم.
خامسًا: أكثر بعض الصحابة من التحديث عن الرسول كثرة لا تتناسب مع صحبته للرسول، مما يدل على أنه كان يتقوَّل عليه لأهواء سياسية وشخصية، فكيف نثق فيما رووه إذن؟
سادسًا: لم يهتم علماء الحديث بنقد المتن، فصححوا أحاديث كثيرة موضوعة ولو عُرضت على مقاييس أخرى "غير السند" لتبين عدم صحتها.
- مناقشة مزاعم منكري السُّنَّة حديثًا ٤:
فيما يلي تفنيد لحجج المنكرين للسُّنة حديثًا:
الأول: المراد بالكتاب في الآية الكريمة: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ اللوح المحفوظ، وليس القرآن كما يزعمون، وكذلك في قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] .
_________________
(١) ١ تاريخ بغداد "١١/ ٣٩١"، والكامل لابن عدي "١/ ٢٦" الباب السابع اتقاء حديث رسول الله -ﷺ- إلا ما يعلمه ويعرفه ويتقنه، والميزان "٣/ ٣٥٢" في ترجمة الفضل بن سهل رقم "٢٧٢٨" كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وفي إسناده الفضل بن سهل، وقد عد الحافظ الذهبي هذا الحديث من مناكيره. ٢ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد "١/ ١٧١، ١٧٢" وقال: "رواه الطبراني في الأوسط وقال: لم يروه عن يحيى بن سعيد إلا علي بن عاصم، تفرد به صالح بن الحسن بن محمد الزعفراني، قلت: ولم أرَ من ترجمهما". ٣ رواه الشافعي في مسنده "٣٣٢". ٤ راجع: المدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص٢٠٤-٢٢٠".
[ ٢٤ ]
الثاني: والمراد بالذكر في الآية الكريمة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الشرع والدين الذي بعث به رسوله، فهو يشمل القرآن والسُّنَّة ولا يخص أحدهما، والدليل قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] .
وقد قيض الله تعالى من يحفظ كتابه، وسنة رسوله -ﷺ- وتنقيتها من الدخيل والموضوع، وحفظها من التغيير والتبديل والتحريف.
وهذا ما فهمه عبد الله بن المبارك حين قيل له: "هذه الأحاديث الموضوعية؟ " فقال: تعيش لها الجهابذة، وتلا قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
وقال ابن حزم في معرض رده على الزاعمين أن الذكر هو القرآن: "هذه دعوى كاذبة مجردة عن البرهان وتخصيص للذكر بلا دليل، والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه -ﷺ- من قرآن أو سنة"٢.
الثالث: كون الرسول -ﷺ- أمر بعدم كتابة السُّنَّة فليس ذلك دليلًا على عدم حجيتها؛ وإنما كان ذلك لأسباب تقتضيها المصلحة، ومن هذه الأسباب: أن النهي كان أولًا وذلك للتفرغ لحفظ القرآن الكريم والاطمئنان إلى عدم اختلاطه بغيره.
ومنها: أن النهي كان في حق أشخاص بعينهم حتى لا يتكلوا على الكتابة أو لضعفهم في كتابة العربية.
وقد ثبت أن النبي -ﷺ- أَذِنَ بكتابة السُّنَّة لبعض الصحابة في أول الإسلام، ثم كان الإذن لمن شاء أن يكتب بعد ذلك.
الرابع: الأحاديث التي احتجوا بها على عدم حجية السُّنَّة لا تنهض دليلًا على رأيهم؛ لأنها غير صحيحة:
_________________
(١) ١ تدريب الراوي "٢/ ٣٥٨" مؤسسة الرسالة - بيروت. ٢ الإحكام "١/ ١٢١".
[ ٢٥ ]
الحديث الأول:
"إن الحديث سيفشو عني "، قال البيهقي: "رواه خالد بن أبي كريمة عن أبي جعفر عن رسول الله -ﷺ- وخالد مجهول، وأبو جعفر ليس بصحابي، فالحديث منقطع"، وقال مرة أخرى: "والحديث الذي رُوي في عرض الحديث على القرآن باطل لا يصح، وهو ينعكس على نفسه بالبطلان" يعني بذلك: أن يتعارض مع ما يدعو إليه القرآن من طاعة الرسول -ﷺ- والاحتكام إلى الله ورسوله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] .
وقد قال الشافعي فيما نقله عنه البيهقي في هذا الحديث: "ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر".
وقال: "وهذه أيضًا رواية منقطعة، عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل هذه الرواية في شيء".
ثم رواه البيهقي بسنده عن الشافعي قال: قال أبو يوسف: حدثني خالد بن أبي كريمة، عن أبي جعفر، عن رسول الله -ﷺ- أنه دعا اليهود فسألهم فحدثوه حتى كذبوا على عيسى -﵇- فصَعِدَ النبي -ﷺ- المنبر، فخطب الناس فقال: "إن الحديث سيفشو عني، فما أتاكم عني يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس عني".
قال البيهقي: هذه الرواية منقطعة، كما قال الشافعي في كتاب الرسالة، وكأنه أراد بالمجهول خالد بن أبي كريمة، فلم يعرف من حاله ما يثبت به خبره١.
وقد روى الطبراني عن ابن عمر نحو ما جاء عند الشافعي، قال السخاوي: قد سُئل شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر- عن هذا الحديث فقال: إنه جاء من طرق لا تخلو من مقال، وقال الصنعاني: هو موضوع٢.
_________________
(١) ١ معرفة السُّنَّة والآثار عن الإمام الشافعي "١/ ٦٩". ٢ انظر: كشف الخفاء للعجلوني "١/ ٨٦".
[ ٢٦ ]
وقال ابن حزم في الحسين بن عبد الله بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي المدني أحد رواة الحديث من بعض طرقه: "الحسين بن عبد الله متهم بالزندقة"١.
ومن جهة أخرى، فإنه على اعتبار التسليم بقبول هذا الحديث، فإن "العلماء بهذا الحديث قديمًا على أن السُّنَّة تأتي بجديد، وأن كل ما تأتي به يجب أن يُلتمس له أصل في القرآن الكريم، مع التسليم بأن الأخذ بالسُّنَّة واجب، أما اليوم -فكما نرى- يُستدل به على ترك السُّنَّة وعدم الأخذ بها"٢.
الحديث الثاني:
"إذا حُدثتم عني حديثًا تعرفونه ولا تنكرونه "، قال الدكتور رفعت فوزي: "فرواياته كلها ضعيفة منقطعة كما نص على ذلك العلماء"٣.
الحديث الثالث:
"إني لا أحل ما أحل الله"، قال الشافعي: "هذا منقطع، وعلى فرض صحته فليس فيه دليل للخصم فيما يدَّعِي؛ لأن معناه أن ليس للناس أن يقولوا: كيف يُحل رسول الله -ﷺ- ويحرم ما ليس في القرآن، فإن الرسول -ﷺ- مُشرِّع، وهو لا يحل إلا ما كان حلالًا في شرع الله، ولا يحرم إلا ما كان حرامًا فيه، وكل ما يحله أو يحرمه إنما هو في كتاب الله باعتبار أنه أمر بطاعته، ونهى عن مخالفته، فقد أمرنا أن نطيعه -ﷺ- فيما يحله أو يحرمه، أو أن كل ما يحرمه أو يحله له أصل في كتاب الله -﷿- أو نظير يقاس عليه٤.
والعجيب في هؤلاء المنكرين للسُّنَّة أنهم يستدلون بها على عدم حجيتها، فكيف يرفض هؤلاء السُّنَّة ثم يأخذون منها الدليل على ما يزعمون؟! وإن جاز لهم ذلك، فلماذا يستدلون بالأحاديث الضعيفة ويتركون الأحاديث الصحيحة التي تحث على كتابة السُّنَّة، وعلى الأخذ بالسُّنَّة؟!
_________________
(١) ١ الإحكام "٢/ ٧٦". ٢ المدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص٢٠٨". ٣ المدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص١٠٩". ٤ راجع: نقد هذه الأحاديث في "مفتاح الجنة" للسيوطي "ص١٣-١٦"، و"السُّنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي" "ص١٤٥-١٤٨".
[ ٢٧ ]
الخامس: بالنسبة لزعمهم بأن الصحابة والتابعين زادوا على السُّنَّة وتقوَّلوا على الرسول -ﷺ- بحجة أن ما رووه بلغ من الكثرة حدًّا لا يتناسب مع صحبتهم للرسول -ﷺ- فهذا مدحوض، والرد عليه لا يحتاج إلى عناء كبير.
فلقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- حريصين على استيعاب دين الله ونقله إلى الأجيال اللاحقة، ولم يكن دافعهم إلى ذلك أهواء شخصية وسياسية كما يزعمون؛ وإنما كان الدافع هو الغيرة على دين الله تعالى، وشدة الرغبة في الحفاظ عليه١.
_________________
(١) ١ راجع: المدخل إلى توثيق السُّنَّة "ص٢١٠".
[ ٢٨ ]