هو: سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر أبو داود السجستاني أحد حفاظ الإسلام، وأبرز من رحل وطوَّف، وجمع وصنف، وكتب عن العراقيين، والخراسانيين، والشاميين، والمصريين، والجزريين، والحجازيين، وغيرهم.
وكان من أكثر الأئمة معرفة بالحديث الشريف وعلله وفقهه، وكان ناقدًا بصيرًا.
ولسعة علمه ودقة تحقيقه، كانت له مكانة متميزة عند الأئمة وأهل العلم، وقد أثنوا عليه ثناء حسنًا مبينين سعة حفظه وخبرته بالعلل وصلاحه وورعه.
- ومن شيوخه المشهورين:
الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وعمرو بن محمد الناقد، وسعيد بن منصور، وأبو الوليد الطيالسي، ومخلد بن خالد، وقتيبة بن سعيد، ومسدد بن مسرهد، ومحمد بن المثنى، وخلق كثيرون.
وروى عنه كثيرون من العلماء والأئمة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل الذي روى عنه حديثًا واحدا، وكان أبو داود يعتز بذلك كثيرًا٢.
وممن روى عنه من المشهورين: أبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وزكريا الساجي، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو بشر محمد بن أحمد الدولابي، وأبو عوانة الإسفراييني، وأبو بكر أحمد بن محمد بن هارون
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: تهذيب الكمال "١١/ ٣٥٥- ٣٦٧"، أخبار أصبهان "١/ ٣٣٤"، تاريخ بغداد "٩/ ٥٥"، أنساب السمعاني "٧/ ٤٦"، المنتظم "٥/ ٩٧"، الكامل في التاريخ "٧/ ٤٢٥"، اللباب "٢/ ١٠٥"، وفيات الأعيان "٢/ ٤٠٤"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٥٩١"، العبر "٢/ ٥٤"، طبقات السبكي "٢/ ٢٩٣"، البداية والنهاية "١١/ ٥٤"، تهذيب التهذيب "٤/ ٢٩٨"، طبقات الحفاظ للسيوطي "ص٢٦١"، طبقات المفسرين "ص١٩٥"، شذرات الذهب "٢/ ١٦٧"، وغيرها. ٢ راجع: تاريخ بغداد "٩/ ٥٥"، الخلاصة "ص١٢٧".
[ ٣٢٧ ]
الخلال، وأبو بكر بن داود الأصفهاني، وحرب بن إسماعيل الكرماني، وإسماعيل بن محمد الصفار
- ثناء العلماء عليه:
قال أبو بكر الخلال١: أبو داود سليمان بن الأشعث، الإمام المقدَّم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحد في زمانه، رجل ورع مقدم٢.
وقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروي٣: سليمان بن الأشعث أبو داود السجزي، كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله -ﷺ- وعلمه وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، كان من فرسان الحديث٤.
وقال إبراهيم الحربي٥ وأبو بكر الصاغاني٦: أُلين لأبي داود الحديث كما ألين لداود النبي -﵇- الحديد٧.
_________________
(١) ١ هو أحمد بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي "ت٣١١هـ" له كتب كثيرة، وقد جمع علم الإمام أحمد. انظر ترجمته في: "تذكرة الحفاظ" "٧٨٥"، و"المنهج الأحمد" "٢/ ٥"، وطبقات الحنابلة "٢/ ١٢"، و"البداية والنهاية" "١١/ ١٤٨". ٢ "تاريخ بغداد" "٩/ ٥٧"، و"تهذيب التهذيب" "٤/ ١٧٢"، "تهذيب ابن عساكر" "٦/ ٢٤٤". ٣ هو أحمد بن محمد بن ياسين الهروي الحداد أبو إسحاق "ت٣٣٤هـ"، انظر ترجمته في "شذرات الذهب" "٢/ ٣٣٥". ٤ "تاريخ بغداد" "٩/ ٥٧"، و"مختصر المنذري" "١/ ٧"، وتهذيب التهذيب " ٤/ ١٧٢"، و"تهذيب ابن عساكر" "٦/ ٢٤٤". ٥ هو إبراهيم بن إسحاق الحربي البغدادي كان حافظًا فقيهًا توفي ببغداد سنة "٢٨٥". انظر: "معجم الأدباء" "٣٧١"، و"المنهج الأحمد" "١/ ١٩٦"، و"تاريخ بغداد" "٦/ ٢٧"، و"طبقات الحنابلة" "١/ ٨٦"، و"شذرات الذهب" "٢/ ١٩٠"، و"تذكرة الحفاظ" "٥٨٤". ٦ هو الحافظ محمد بن إسحاق محدث بغداد الإمام الثقة "ت٢٧٠هـ". انظر: "تاريخ بغداد" "١/ ٢٤١"، و"تذكرة الحفاظ" "٥٧٣". ٧ "البداية والنهاية" "١١/ ٥٥"، "طبقات الشافعية" "٢/ ٢٩٣"، و"تذكرة الحفاظ" "٥٩١"، و"تهذيب التهذيب" "٤/ ١٧٢"، و"مختصر المنذري" "١/ ٥"، و"معالم السنن" "١/ ١٢"، و"المنهج الأحمد" "١/ ١٧٥".
[ ٣٢٨ ]
وقال موسى بن هارون الحافظ١: خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة، ما رأيت أفضل منه٢.
وقال علان بن عبد الصمد: كان من فرسان الشأن٣.
وقال أبو حاتم بن حبان ٤: كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وحفظًا ونسكًا وورعًا وإتقانًا، جمع وصنف وذب عن السنن٥.
وقال أبو عبد الله بن منده٦: الذين أخرجوا وميزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي٧.
وقال الحاكم٨: أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة٩.
وقال محمد بن مخلد١٠: كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث، وأقر له أهل زمانه بالحفظ١١.
وقال ابن ماكولا١٢: هو إمام مشهور.
وكان إبراهيم الأصبهاني وأبو بكر بن صدقة ١٣ يرفعان من قدره بما لا يذكران أحدًا في زمانه مثله١٤.
_________________
(١) ١ هو الحافظ موسى بن هارون الحمال البغدادي البزار "ت٢٩٤هـ"، وانظر: "تذكرة الحفاظ" "٦٦٩". ٢ طبقات الشافعية" "٢/ ٢٩٣"، "تهذيب التهذيب" "٤/ ١٧٢"، "تهذيب ابن عساكر" "٦/ ٢٤٤". ٣ "تهذيب التهذيب" "٤/ ١٧٢"، و"تهذيب الأسماء واللغات" "٢/ ٢٢٤". ٤ هو أبو حاتم محمد بن حبان البستي والشافعي، صاحب "الصحيح"، و"الثقات"، و"المجروحين" "ت٢٥٤هـ". ٥ "تهذيب التهذيب "٤/ ١٧٢"، و"الخلاصة" للخزرجي "ص١٢٧". ٦ هو أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن مندة الحافظ "ت٣٩٦هـ". ٧ "تهذيب التهذيب" "٤/ ١٧٢". ٨ هو محمد بن عبد الله بن محمد الحاكم النيسابوري صاحب "المستدرك"، ولد سنة ٣٣١هـ، وتفقه على مذهب الشافعي "ت٤٠٥هـ". ٩ هو محمد بن مخلد بن حفص، الإمام مسند بغداد، عاش ٩٨ سنة، "ت٣٣١هـ"، "انظر: "تذكرة الحفاظ ٨٢٨". ١٠ تهذيب التهذيب "٤/ ١٧٢". ١١ هو الأمير الحافظ أبو نصر علي بن هبة الله مصنف "الإكمال"، ولد سنة "٤٢٢هـ" وقتله مماليكه الأتراك سنة ٤٨٦، وقيل: سنة ٤٧٥. ١٢ "تهذيب ابن عساكر" "٦/ ٢٤٤". ١٣ هو الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة البغدادي "ت٢٩٣هـ". ١٤ "تهذيب ابن عساكر" "٦/ ٢٤٤"، و"تهذيب التهذيب" "٤/ ١٧١".
[ ٣٢٩ ]
وقال الذهبي١: وبلغنا أن أبا داود كان من العلماء حتى إن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه بأحمد بن حنبل في هديه ودله وسمته، وكان أحمد يشبه في ذلك بوكيع، وكان وكيع يشبه في ذلك بسفيان، وسفيان بمنصور، ومنصور بإبراهيم، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبد الله بن مسعود. وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه النبي -ﷺ- في هديه ودله٢.
ولم يرض السبكي في "طبقاته" أن يمضي بالسلسلة إلى نهايتها؛ بل اختار الوقوف عند ابن مسعود٣.
ونقل ابن العماد عن الذهبي أيضًا قوله في أبي داود: كان رأسًا في الحديث، رأسًا في الفقه، ذا جلالة، وحرمة، وصلاح، وورع، حتى أنه كان يشبه بأحمد٤.
وقال ابن الجوزي٥: كان عالمًا، حافظًا، عارفًا بعلل الحديث، ذا عفاف وورع، وكان يشبه بأحمد بن حنبل٦.
- ثناء العلماء على سنن أبي داود:
قال الخطابي: وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم، وأمهات السنن، وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدمًا سبقه إليه، ولا متأخرًا لحقه فيه٧، فنال بذلك ثناء الأئمة والعلماء وتقديرهم.
وقال أبو زكريا الساجي: كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب "السنن" لأبي داود عهد الإسلام٨.
_________________
(١) ١ هو الإمام، الحافظ، مؤرخ الإسلام، الناقد: محمد بن عثمان الذهبي، الشافعي، الدمشقي "ت٧٤٨هـ". ٢ "تذكرة الحفاظ" "ص٥٩٢". ٣ "طبقات الشافعية" "٢/ ٢٩٦". ٤ "شذرات الذهب" "٢/ ١٦٧". ٥ هو عبد الرحمن بن علي إمام مشهور كثير التصنيف "ت٥٩٤هـ"، وانظر ترجمته بقلمنا في مقدمة "القصاص والمذكرين". ٦ "المنتظم" "٥/ ٩٧". ٧ "معالم السنن" "١/ ١٣". ٨ "تهذيب ابن عساكر" "٦/ ٢٤٤".
[ ٣٣٠ ]
وقال محمد بن مخلد: لما صنف أبو داود "السنن" وقرأه على الناس صار لأهل الحديث كالمصحف يتبعونه، وأقر له أهل زمانه بالحفظ فيه١.
وقال ابن الأعرابي -وأشار إلى النسخة وهي بين يديه: لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله، ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة٢.
وعلق الخطابي على كلمة ابن الأعرابي هذه فقال: "وهذا -كما قال- لا شك فيه؛ لأن الله تعالى أنزل كتابه تبيانًا لكل شيء، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئًا من أمر الدين لم يتضمن بيانه الكتاب، إلا أن البيان على ضربين:
بيان جلي تناوله الذكر نصًّا، وبيان خفي اشتمل عليه معنى التلاوة ضمنًا، فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكلًا إلى النبي -ﷺ- وهو معنى قوله سبحانه: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فمن جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان، وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدمًا سبقه إليه، ولا متأخرًا لحقه فيه"٣.
وقال الخطابي أيضًا: "اعلموا -رحمكم الله- أن كتاب السنن لأبي داود كتاب طريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من الناس كافة، وصار حكمًا بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكل فيه ذود وشرب، وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن أهل الأرض. فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتابي محمد بن إسماعيل،
_________________
(١) ١ "تهذيب الأسماء واللغات" "٢/ ٢٢٤". ٢ "معالم السنن" "١/ ١٢". ٣ "معالم السنن" "١/ ١٢، ١٣".
[ ٣٣١ ]
ومسلم بن الحجاج، ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبي داود أحسن رصفًا وأكثر فقهًا"١.
وقال الخطابي أيضًا: "اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثي أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث سقيم، فالصحيح عندهم ما اتصل سنده وعدلت نقلته، والحسن منه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، وكتاب أبي داود جامع لهذين النوعين من الحديث، فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع، ثم المقلوب -أعني ما قلب إسناده- ثم المجهول، وكتاب أبي داود خليّ منها بريء من جملة وجوهها، فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره، فإنه لا يألو أن يبين أمره ويذكره علته ويخرج من عهدته، وحكى لنا عن أبي داود أنه قال: "ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه". وكان تصنيف علماء الحديث -قبل زمان أبي داود- الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأما السنن المحضة، فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة، ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود؛ ولذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب، فضربت فيه أكباد الإبل، ودامت إليه الرحل"٢.
وقال أبو حامد الغزالي عن "سنن أبي داود": إنها تكفي المجتهد في أحاديث الأحكام٣.
وقال ابن القيم: "لما كان كتاب "السنن" لأبي داود -﵀- من
_________________
(١) ١ معالم السنن "١/ ١٠، ١١". ٢ معالم السنن "١/ ١١". ٣ البداية والنهاية "١١/ ٥٥"، وانظر: قواعد التحديث "ص٣٣٢"، و"مفتاح السنة" للخولي "ص٨٥".
[ ٣٣٢ ]
الإسلام بالموضع الذي خصه الله به؛ بحيث صار حكمًا بين أهل الإسلام، وفصلًا في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحققون، فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، وإطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء"١.
وقال ابن حجر في أبي داود:
فاق التصانيف الكبار بجمعه الأحكام فيها يبذل المجهودا
قد كان أقوى ما رأى في بابه يأتي به ويحرر التجويدا٢
- كتابه "السنن":
ألف أبو داود كتابه "السنن" في وقت مبكر، وعُني بتأليفه وترتيبه عناية بالغة، وأعاد النظر فيه مرات متعددة.
أما كونه ألفه في وقت مبكر، فيدلنا على ذلك ما ذكره مترجمو أبي داود من أنه روى كتابه "السنن" ببغداد ونقله عن أهلها، ويقال: إنه صنفه قديمًا وعرضه على أحمد بن حنبل "ت٢٤١هـ"، وذلك قبل مجيئه بغداد، فاستجاده واستحسنه٣.
وقد عاصر أبو داود السجستاني كبار الأئمة الذين شرعوا في تمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها أمثال البخاري ومسلم؛ ولكن هذين الإمامين وإن كانا قد اهتما بالناحية الفقهية، إلا أنهما لم يفردا أحاديث الأحكام بالتأليف، وهي أهم ما يبحث عنه المسلمون، ويحتاجون إليه كثيرًا لاستنباط الأحكام الفقهية التي يسيرون عليها.
_________________
(١) ١ "تهذيب ابن القيم" "١/ ٨". ٢ "ديوان ابن حجر" "ص٢٠". ٣ "تاريخ بغداد" "٩/ ٥٥"، و"تهذيب التهذيب" "٤/ ١٧١"، و"مختصر سنن أبي داود" "١/ ٥"، و"جامع الأصول" "١/ ١١١".
[ ٣٣٣ ]
ولهذا رأينا بعض العلماء يتقدمون خطوة أخرى، فيعنون بهذه الناحية أكثر من غيرها، ومن هؤلاء الإمام أبو داود الذي ألف كتابه السنن ولم يُعْنَ فيه كثيرًا بغير أحاديث الأحكام كالمغازي والسير والقصص والآداب.
يقول الخطابي: "وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأما السنن المحضة، فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة، ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود؛ ولذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب، فضربت إليه أكباد الإبل، ودامت إليه الرحل"١.
وقد جمع أبو داود سننه في عشرين سنة، وانتقاه من خمسمائة ألف حديث، وظل يقرؤه على الناس حوالي أربعين سنة.
قال أبو داود: "أقمت بطرطوس عشرين سنة أكتب المسند، فكتبت أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدار الأربعة آلاف على أربعة أحاديث لمن وفقه الله"٢، ثم ذكر الأحاديث.
وقال أبو داود: كتبت عن رسول الله -ﷺ- خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنه هذا الكتاب -يعني السنن- جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت فيها الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما فيه وهن شديد بينته، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث:
أحدها: قوله ﷺ: "الأعمال بالنيات".
_________________
(١) ١ معالم السنن "١/ ١١". ٢ تهذيب الأسماء واللغات للنووي "٢/ ٢٢٤"، وسيأتي ذكر هذه الأحاديث الأربعة قريبًا.
[ ٣٣٤ ]
والثاني: قوله ﷺ: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
والثالث: قوله ﷺ: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه".
والرابع: قوله ﷺ: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبَيْنَ ذلك أمور مشتبهات" ١.
- شروط أبي داود في سننه:
بيَّن الخطابي شروط أبي داود في كتابه السنن، وهو أنه جمع فيه الحديث الصحيح والحديث الحسن، وأما الحديث السقيم بأنواعه المختلفة كالموضوع والمقلوب الإسناد، والمجهول الرواة فيرى الخطابي أن سنن أبي داود خلا منها، وهو منه بريء من جملة وجوه، ثم بيَّن الخطابي أنه قد تدعو الحاجة أبا داود إلى شيء من هذا السقيم، فيميزه حتى يعرف الناس علته ويخرج من عهدته٢.
وحكى ابن الصلاح عن أبي داود نفسه أنه روى في سننه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وأنه بين ما فيه وَهَنٌ شديد.
وحكى ابن الصلاح عن ابن منده، ما أشار إليه من أن أبا داود لم يخرج عمن جمعوا على تركه، وأنه قد يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره.
قال الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح "ت٦٤٢هـ" في مقدمته ما نصه: ومن مظانه -يعني الحديث الحسن- سنن أبي داود السجستاني -﵀- روينا عنه أنه قال: ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وروينا عنه أيضًا ما معناه أنه ذكر في كل باب أصح ما عرفه في ذلك الباب، وقال: ما كان في كتابي من
_________________
(١) ١ تاريخ بغداد "٩/ ٥٧"، كشف الظنون "٢/ ١٠٠٤"، وفيات الأعيان "٢/ ٤٠٤"، جامع الأصول "١/ ١١١"، فتح الباري "١/ ١٢٩"، وأورد ابن حجر هذين البيتين: عمدة الدين عندنا كلمات مسندات من قول خير البرية اترك الشبهات، وازهد، ودع ما ليس يعينك، واعملنَّ بنيَّة ٢ راجع: معالم السنن "١/ ٦".
[ ٣٣٥ ]
حديث فيه وهن شديد، فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض.
قال ابن الصلاح: فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورًا مطلقًا وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصحيح والحسن، عرفنا بأنه من الحسن عند أبي داود، وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عنده، ولا مندرج فيما حققنا ضبط الحسن به؛ إذ حكى أبو عبد الله بن منده الحافظ أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول: كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال١. اهـ.
وقال السيوطي في التدريب: "فعلى ما نقل عن أبي داود يحتمل أن يريد بقوله: "صالح" الصالح للاعتبار دون الاحتجاج، فيشمل الضعيف أيضًا؛ لكن ذكر ابن كثير أنه روى عنه: "وما سكت عنه فهو حسن"، فإن صح ذلك فلا إشكال"٢. اهـ.
وقال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة مبينًا شروطه في كتابه السنن: "إنكم سألتموني أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب، فاعلموا أنه كله كذلك، إلا أن يكون قد رُوي من وجهين أحدهما أقوم إسنادًا، والآخر أقوم في الحفظ، فربما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث، ولم أكتب في الباب إلا حديثًا أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح، فإنها تكثر، وإنما أردت قرب منفعته، فإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة، فإنما هو من زيادة كلام فيه، وإنما تكون فيه كلمة زائدة على الأحاديث، وربما اختصرت الحديث الطويل؛ لأني لو كتبته بطوله لم يعلم
_________________
(١) ١ المقدمة "ص١٨" في النوع الثاني. ٢ تدريب الراوي "١/ ٢٠٧"، مؤسسة الرسالة.
[ ٣٣٦ ]
بعض من يسمعه المراد منه، ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك، وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل، وغيره، فإذا لم يكن مسند غير المراسيل، فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة، وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، فإذا كان فيه حديث منكر بينته أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره، وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض، وهو كتاب لا ترد عليك سُنة عن النبي -ﷺ- إلا وهي فيه، ولا أعلم شيئًا بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب، ولا يضر رجلًا ألا يكتب من العلم شيئًا بعدما يكتب هذا الكتاب، وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه حينئذ يعلم مقداره، وأما هذه المسائل مسائل الثوري، ومالك والشافعي، فهذه الأحاديث أصولها والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئًا من الأحاديث إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، فالحديث المشهور المتصل الصحيح ليس يقدر أن يرده عليك أحد، وأما الحديث الغريب، فإنه لا يحتج به، ولو كان من رواية الثقات من أئمة العلم. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث. وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد الضالة، فإن عرف إلا فدعه، ولم أصنف في كتاب السنن إلا الأحكام، فهذه أربعة آلاف وثمانمائة كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل وغيرها، فلم أخرجها والسلام عليكم"١.
وقال الصنعاني: "قال أبو داود: ما كان في كتابي هذا من حديث فيه وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح. قال الزين: أي للاحتجاج"٢.
_________________
(١) ١ نقلًا عن مقدمة ابن الصلاح "ص٥٥". ٢ توضيح الأفكار "١/ ١٩٧".
[ ٣٣٧ ]
وقال ابن عبد البر: "كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيح عنده، لا سيما إن كان لم يذكر في الباب غيره"١.
وقال الذهبي فيما نقله عنه السبكي: "وقد وفَّى بذلك، فإنه بين الضعيف الظاهر، وسكت عن الضعيف المحتمل، فما سكت عنه لا يكون حسنًا عنده، ولا بد؛ بل قد يكون مما فيه الضعف"٢.
وزعم الحافظ السلفي أنا ما في سنن أبي داود صحيح؛ لأنه أحد الكتب الخمسة التي "اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب"٢.
فرد عليه ابن الصلاح قائلًا: "وهذا تساهل؛ لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفًا أو منكرًا أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف، وصرح أبو داود فيما قدمنا من روايته عنه بانقسام ما في كتابه إلى صحيح وغيره"٣.
فابن الصلاح يرى أن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود حسنة، لا صحيحة كما زعم الحافظ السلفي، والسبب في موقف ابن الصلاح أنه كان يرى أن ليس للمتأخر أن يجرؤ على الحكم بصحة حديث ليس في أحد الصحيحين، أو لم ينص على صحته أحد من أئمة الحديث السابقين.
وقال الأستاذ أحمد شاكر: "إن ابن الصلاح يحكم بحسن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود، ولعله سكت عن أحاديث في السنن، وضعفها في شيء من أقواله الأخرى كإجاباته للآجري في الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل، فلا يصح إذن أن يكون ما سكت عنه في "السنن" وضعفه في موضع آخر من كلامه حسنًا؛ بل يكون عنده ضعيفًا، وإنما لجأ ابن الصلاح إلى هذا اتباعًا لقاعدته التي سار عليها من أنه لا يجوز للمتأخرين التجاسر على الحكم بصحة حديث لم يوجد في أحد الصحيحين، أو لم ينص أحد من أئمة الحديث على صحته"٤.
_________________
(١) ١ نقلًا عن: توضيح الأفكار "١/ ١٩٧". ٢ طبقات السبكي "٢/ ٢٩٣". ٣ علوم الحديث "٣٦، ٣٧". ٤ الباعث الحثيث "ص٤٢".
[ ٣٣٨ ]
وقال في موضع آخر: "وقد رد العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا، وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن إسناده وعلله، وهو الصواب. والذي أراه أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث، وهيهات فالقول بمنع الاجتهاد قول باطل لا برهان عليه من كتاب ولا سنة ولا تجد له شبه دليل"١.
- ويتضح من كلام أبي داود وغيره مما سبق ما يلي:
أولًا: أنه اهتم في سننه بجمع ما هو صحيح، وحسن، أو صالح للاحتجاج.
ثانيًا: أنه قد يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى من رأي الرجال.
ثالثًا: أنه يبين الأحاديث التي فيها وهن شديد.
رابعًا: أن ما سكت عنه فهو صالح عنده.
خامسًا: أنه يختار من الأحاديث الصحيحة طريقًا أو طريقين ويترك الطرق الأخرى، وربما فعل ذلك تجنبًا للضخامة وكبر الحجم.
سادسًا: أنه اختصر الحديث الطويل ليُفهم موضع الفقه منه.
وأما قوله: "وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء"، فقد يكون مراده: أنه لم يخرج لمتروك الحديث عنده على ما ظهر له، أو لمتروك مجمع على ترك حديثه إلا وبينه٢.
وأما الأحاديث التي سكت عنها: فمنها المتفق عليه، ومنها الموجود في أحد الصحيحين، ومنها ما هو على شرط الصحة، ومنها ما هو حسن لذاته، ومنها ما
_________________
(١) ١ الباعث الحثيث "ص٢٩". قال الحافظ السيوطي: "والأحوط في مثل ذلك أن يعبر عنه بصحيح الإسناد، ولا يطلق التصحيح لاحتمال علة للحديث خفيت عليه، وقد رأيت من يعبر خشية من ذلك بقوله: صحيح إن شاء الله، وكثيرًا ما يكون الحديث ضعيفًا أو واهيًا، والإسناد صحيح مركب عليه ". تدريب الراوي "١/ ١٨٣". ٢ راجع: شروط الأئمة الخمسة "ص٥٤".
[ ٣٣٩ ]
هو حسن لغيره، ومنها ما فيه راوٍ ضعيف، ولكنه محتمل؛ لعدم الاتفاق على ترك حديثه، أو لعدم شدة ضعفه، ولا ينبغي لنا أن نستنبط من سكوت أبي داود الاحتجاج بكل ما سكت عنه.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: "ومن هنا يظهر ضعف طريقة من يحتج بكل ما سكت عليه أبو داود، فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج، ويسكت عنها مثل ابن لهيعة فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم، وقد يخرج لمن هو أضعف من هؤلاء بكثير كالحارث بن دحية، وصدقة الدقيقي، وعثمان بن واقد العمري، وكذلك ما فيه من الأسانيد المنقطعة، وأحاديث المدلسين بالعنعنة، والأسانيد التي فيها من أبهمت أسماؤهم"١.
- الضعيف في سنن أبي داود:
صرح أبو داود -رحمة الله تعالى عليه- في سننه بتضعيف بعض الأحاديث، ويرى بعض العلماء أن في السنن أيضًا أحاديث ضعيفة لم يصرح أبو داود بضعفها، إما لأن ضعفها محتمل عنده وليس بشديد، وإما لأنه صرح في غير "السنن" بضعفها، كما ذكر ذلك الأستاذ أحمد شاكر في النص الذي أوردناه قبل قليل.
فالأحاديث التي صرَّح بضعفها أمرها هين، وكذلك الأحاديث التي سكت عنها وأخرجها الشيخان أو أحدهما فهي صحيحة، أما الأحاديث التي سكت عنها وليست من هذا القبيل ولا ذاك، فإننا نستطيع أن نحكم عليها بالنظر في أسانيدها، فما حكم له سنده بالصحة كان صحيحًا، وما حكم له سنده بالضعف كان ضعيفًا.
ومن الجدير بالذكر أن ننوه هنا بأن المنذري وابن الصلاح وغيرهما ذكروا أن محمد بن إسحاق بن منده الحافظ حكى أن شرط أبي داود والنسائي إخراج حديث
_________________
(١) ١ المنهل العذب المورود، لمحمد خطاب السبكي، نقلًا عن التحفة المرضية للقاضي حسين بن محسن اليماني "١/ ١٨".
[ ٣٤٠ ]
أقوام لم يجتمع على تركهم، ويحكون عن أبي داود أنه قال: "ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه"١.
وهذا الذي يحكونه عن أبي داود أدق من كلمته الواردة في رسالته إلى أهل مكة وهي: "وليس في كتاب السنن عن رجل متروك الحديث شيء"؛ إذ قد أخرج عن أبي جَنَاب يحيى بن أبي حية الكلبي٢، ومحمد بن عبد الرحمن البَيْلَمَاني٣، وهما من المتروكين وإن وجد من يزكيهما، فلا يعد أمثالهما من المجتمع على تركهم.
ورَوى عن جابر الجعفي، فقد أخرج له الحديث رقم "١٠٣٦"، ونصه: "إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا، فليجلس، فإن استوى قائمًا، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو"، ثم قال عقبه: "وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث"٤.
وقد ترجم الذهبي في "الميزان" لجابر هذا، وذكر ما يدل على ضعفه واتهامه٥. وذكر أبو داود في كتابه السنن عمرو بن ثابت٦ وهو رافضي، وقد قرر ذلك أبو داود نفسه، فقال بعد أن أورد الحديث رقم "٢٨٧": "ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل " ثم قال أبو داود: "وعمرو بن ثابت رافضي، رجل سوء؛ ولكنه كان صدوقًا في الحديث"٧. وروى أيضًا عن الحارث الأعور٨ الحديث رقم "٩٠٨"، وفي الحارث كلام كثير٩.
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية: "قال أبو داود: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا نوح
_________________
(١) ١ "مختصر المنذري" "١/ ٨"، و"علوم الحديث" "٣٣"، و"توجيه النظر" "١٥٠"، و"قواعد التحديث" "٣٣١". ٢ انظر: "الميزان" "٤/ ٣٧١". ٣ انظر: "سنن أبي داود" "١/ ٣٧٣- ٣٧٤". ٥ انظر: "الميزان" "١/ ٣٧٩". ٦ انظر ترجمته في "الميزان" "٣/ ٢٤٩". ٧ انظر: "السنن" "١/ ٣٣٠". ٨ انظر ترجمته في "الميزان" "١/ ٤٣٥". ٩ انظر: "السنن" "١/ ٣٣٠".
[ ٣٤١ ]
ابن قيس، عن يزيد بن كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزراء، عن ابن عباس -﵄- قال: السجل كاتب النبي -ﷺ- وهكذا رواه النسائي ورواه أبي جعفر بن جرير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وقد عرضت هذا الحديث على شيخنا الحافظ الكبير الحافظ المزي فأنكره جدًّا، وأخبرته أن شيخنا العلامة أبا العباس ابن تيمية كان يقول: هو حديث موضوع وإن كان في سنن أبي داود. قال شيخنا المزي: وأنا أقوله"١.
- لماذا أورد في كتابه الحديث الضعيف؟ ٢
أورد أبو داود بعض الأحاديث الضعيفة في كتابه للأمور الآتية:
١- لأن طريقته في التصنيف هي أن يجمع كل الأحاديث التي تتضمن أحكامًا فقهية ذهب إلى القول بها عالم من العلماء.
٢- لأنه كان يرى أن الحديث الضعيف -إن لم يكن شديد الضعف- أقوى من رأي الرجال ومن القياس "حكى ابن منده أنه سمع محمد الباوردي يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه، ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره أقوى عنده من رأي الرجال"٣.
وحكى ابن العربي عن أبي داود أنه قال لابنه: "إن أردت أن أقتصر على ما صح عندي لم أرَ من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء؛ ولكنك يا بني تعرف طريقي في الحديث أني لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان في الباب ما يدفعه"٤.
_________________
(١) ١ "البداية والنهاية" "٥/ ٣٤٧"، وانظر: "تفسير ابن كثير" "٣/ ٢٠٠"، و"تفسير الطبري" "١٧/ ١٠٠"، و"الإصابة" "٢/ ١٥"، و"السنن الكبرى" للنسائي "١/ ١٢٦". ٢ انظر أسباب ذلك في كتاب "أبو داود: حياته وسننه" "ص٥٦، ٥٧"، للدكتور/ محمد لطفي الصباغ، المكتب الإسلامي، بيروت، ط "٢"، ١٤٠٥هـ-١٩٨٥م. ٣ "علوم الحديث" "٣٣، ٣٤"، و"توجيه النظر" "١٥٠". ٤ "المنهل العذب المورود" للشيخ محمود خطاب السبكي "١/ ١٨".
[ ٣٤٢ ]
٣- أما إذا كان الحديث شديد الضعف، فإنما يورده ليدل على عدم تبنِّيه لمضمونه، وكأنه بذلك يرد على الآخرين به قائلًا: ليس لكم دليل بهذا الحديث على رأيكم؛ لأن الحديث شديد الضعف. ومثال ذلك ما جاء في باب النهي عن التلقين١ حيث عقد الباب على حديث ضعيف ولم يورد في الباب غيره، فقد جاء بالحديث رقم "٩٨" فقط وهو: عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: "يا علي! لا تفتح على الإمام في الصلاة". قال أبو داود: أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها٢.
أي: أن الحديث منقطع، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحارث بن عبد الله الأعور نفسه ضعيف عند الجمهور، عرفنا أن الحديث شديد الضعف.
- منهج أبي داود في سننه:
رتب أبو داود أحاديثه ترتيبًا فقهيًّا، وصنفها على كتب، تندرج تحتها أبواب، واشتمل على الكتب الفقهية الآتية:
١- كتاب الطهارة.
٢- كتاب الصلاة.
٣- كتاب الزكاة.
٤- كتاب اللقطة.
٥- كتاب المناسك "الحج".
٦- كتاب النكاح.
٧- كتاب الطلاق.
٨- كتاب الصوم.
٩- كتاب الجهاد.
١٠- كتاب الضحايا "الأضحية".
١١- كتاب الصيد.
١٢- كتاب الوصايا.
١٣- كتاب الفرائض.
١٤- كتاب الخراج والإمارة والفيء.
١٥- كتاب الجنائز.
١٦- كتاب الأيمان والنذور.
_________________
(١) ١، ٢ انظر: "السنن" "١/ ٣٣٠".
[ ٣٤٣ ]
١٧- كتاب البيوع والإجارات.
١٨- كتاب الأقضية.
١٩- كتاب العلم.
٢٠- كتاب الأشربة.
٢١- كتاب الأطعمة.
٢٢- كتاب الطب.
٢٣- كتاب العتق.
٢٤- كتاب الحروف والقراءات.
٢٥- كتاب الحمام.
٢٦- كتاب اللباس.
٢٧- كتاب الترجل.
٢٨- كتاب الخاتم.
٢٩- كتاب الفتن والملاحم.
٣٠- كتاب المهدي.
٣١- كتاب الملاحم.
٣٢- كتاب الحدود.
٣٣- كتاب الديات.
٣٤- كتاب السُّنَّة.
٣٥- كتاب الأدب.
ومن خلال تأمل كتاب أبي داود يتضح الآتي١:
١- يبدأ أولًا الأبواب بذكر الأحاديث الصحيحة، وقد يسوق بعدها أحيانًا غير الصحيحة.
٢- أنه يذكر أكثر من طريق للمتن عندما يريد أن يؤكد حكمًا فقهيًّا، كما في كتاب الصلاة في باب: "المرأة لا تقطع الصلاة" ذكر خمسة أحاديث وكلها تبين أن الرسول -ﷺ- كان يصلي وعائشة بينه وبين القبلة معترضة؛ مما يدل على أن المرأة لا تقطع الصلاة٢.
٣- وأنه يعنَى بالتنبيه على اختلاف الرواة في ألفاظ المتون التي تلتقي في موضوع واحد، ومن ذلك ما جاء أيضًا في باب المرأة لا تقطع الصلاة: "حدثنا
_________________
(١) ١ راجع كتب السنة الجزء الثاني، د. رفعت فوزي "مخطوط بالآلة الكاتبة". ٢ سنن أبي داود "١/ ٤٥٦، ٤٥٧" "١١٢"، باب من قال: "المرأة لا تقطع الصلاة"، الأحاديث من "٧١٠" إلى "٧١٤".
[ ٣٤٤ ]
عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر "ح" قال أبو داود: وحدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد، وهذا لفظه- عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت: كنت أنام وأنا معترضة في قبلة رسول الله -ﷺ- فيصلي رسول الله -ﷺ- وأنا أمامه إذا أراد أن يوتر". زاد عثمان: "غمزني"، ثم اتفقا "فقال: تَنَحَّيْ"١.
ففي هذا الحديث ثلاثة تنبيهات:
الأول: أن عبد العزيز هو ابن محمد "يعني الدراوردي حتى لا يلتبس بغيره".
والثاني: أن هذا الحديث لفظ عبد العزيز بن محمد وليس لفظ محمد بن بشر.
والثالث: أن عثمان بن أبي شيبة زاد في لفظ الحديث عن عبد العزيز كلمة "غمزني"؛ وهذا يدل على دقة أبي داود في روايته، وحرصه على نسبة ألفاظ الحديث إلى رواتها، كما هو الحال مع كثير من المحدثين؛ حفاظًا على السُّنة.
٤- يذكر ما يخدم الناحية الفقهية التي عُنِيَ بها كتابه، ومن ذلك:
أ- أنه يذكر بعض القواعد التي تتبع عندما يبدو تعارض ظاهر الأحاديث؛ ليلفت نظرنا إلى الفهم الصحيح، ففي الأبواب التي روى فيها أحاديث تقول: إن الصلاة تقطعها أشياء، وأخرى تقول: إن الصلاة لا تقطعها هذه الأشياء٢.
يذكر عقبها هذه القاعدة: "إذا تنازع الخبران عن رسول -ﷺ- نُظِرَ إلى ما عمل به أصحابه من بعده"٣.
ب- ينقل أقوال بعض الأئمة تعقيبًا على بعض الأحاديث، ففي "باب
_________________
(١) ١ المصدر السابق، حديث رقم "٧١٤". ٢ انظر: سنن أبي داود "١/ ٤٤٢- ٤٦٠"، كتاب الصلاة الأبواب: "١٠٢" حتى "١١٥" التي اشتملت على الأحاديث "٦٨٥- ٧٢٠". ٣ سنن أبي داود "١/ ٤٦٠" نهاية الباب رقم "١١٥" باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء - عقب حديث رقم "٧٢٠".
[ ٣٤٥ ]
المحرم يموت كيف يصنع به" بعد أن روى حديث ابن عباس قال: أُتي النبي -ﷺ- برجل وَقَصَتْهُ راحلته، فمات وهو محرم، فقال: "كفونه في ثوبيه واغسلوه بماء وسدر، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة يلبي" ١.
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: في هذا الحديث خمس سنن: "كفنوه في ثوبيه" أي: يكفن الميت في ثوبين، "واغسلوه بماء وسدر" أي: إن في الغسلات كلها سدرًا، "ولا تخمروا رأسه": ولا تقربوه طيبًا، وكان الكفن من جميع المال.
وفي "باب الرجل يُكَفِّر قبل أن يحنث" قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يرخص فيها: الكفارة قبل الحنث٢.
جـ- يذكر بعض آراء السلف، ويختار منها؛ فقد روى حديث خالد بن الوليد أن رسول الله -ﷺ- نهى عن أكل لحوم الخيل، والبغال، والحمير، وكل ذي ناب من السباع٣.
ثم علق أبو داود عليه بقوله: "وهو قول مالك"، ثم قال أيضًا: "لا بأس بلحوم الخيل، وليس العمل عليه"، ثم قال أيضًا: "وهذا منسوخ، فقد أكل لحوم الخيل جماعة من أصحاب النبي -ﷺ- منهم: ابن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة، وكانت قريش في عهد رسول الله -ﷺ- تذبحها"٤.
وروى عن أم سلمة قالت: كنت عند رسول الله -ﷺ- وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أُمِرْنَا بالحجاب، فقال النبي ﷺ:
_________________
(١) ١ سنن أبي داود "٣/ ٥٦٠" "١٥"، كتاب الجنائز "٨٤"، باب المحرم يموت كيف يصنع به، حديث "٣٢٣٨". ٢ سنن أبي داود "٣/ ٥٨٥" "١٦"، كتاب الأيمان والنذور "١٧"، باب: الرجل يكفر قبل أن يحنث - عقب حديث رقم "٣٢٧٧". ٣ سنن أبي داود "٤/ ١٥١، ١٥٢" "٢١" كتاب الأطعمة "٢٦" باب في أكل لحوم الخيل - حديث رقم "٣٧٩٠". ٤ في الموضع السابق، عقب الحديث المذكور "٣٧٩٠".
[ ٣٤٦ ]
"احتجبا منه"، فقلنا: يا رسول الله، أليس أعمى، لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي ﷺ: "أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟! " ١.
قال أبو داود: هذا لأزواج النبي -ﷺ- خاصة، ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم، قد قال النبي -ﷺ- لفاطمة بنت قيس: "اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده"٢.
وفي المستحاضة بعد أن روى ما يفيد أن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ قال: "وهو قول الحسن، وسعيد بن المسيب، وعطاء، ومكحول، وإبراهيم، وسالم، والقاسم: إن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها"٣.
كما روى عن ربيعة: "أنه كان لا يرى على المستحاضة وضوءًا إلا عند كل صلاة إلا أن يصيبها حدث غير الدم"٤، فتوضأ، ثم ذكر أن ذلك قول مالك، فقال أبو داود: هذا قول مالك يعني ابن أنس٥.
- شروحه ومختصراته:
شرح السنن كثير من العلماء، منهم:
١- الإمام أبو سليمان الخطابي "ت ٣٢٨م"، في كتابه "معالم السنن" "مطبوع".
٢- وقطب الدين أبو بكر اليمني الشافعي "ت ٦٥٢هـ".
٣ وشهاب الدين الرملي "ت ٨٤٨هـ" وغيرهم.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود "٤/ ٣٦١، ٣٦٢" "٢٦" كتاب اللباس "٣٧" باب في قوله ﷿: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ﴾ [النور: ٣١] حديث رقم "٤١١٢". ٢ الموضع السابق "٤/ ٣٦٢" عقب الحديث المذكور رقم "٤١١٢". ٣ سنن أبي داود "١/ ١٩٤" "١" كتاب الطهارة "١٠٨" باب في المرأة التي تستحاض، ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض في آخر تعقيبه على الحديث رقم "٢٨١". ٤ سنن أبي داود "١/ ٢١٤" "١" كتاب الطهارة "١١٨" باب من لم يذكر الوضوء إلا عند الحدث - رقم "٣٠٦". ٥ الموضع السابق "١/ ٢١٥" عقب الحديث المذكور رقم "٣٠٦". وقد قال الخطابي: "وقول ربيعة شاذ، ليس عليه العمل" هامش سنن أبي داود "١/ ٢١٤".
[ ٣٤٧ ]
واختصرها الحافظ عبد العظيم المنذري صاحب الترغيب والترهيب المتوفَّى سنة "٦٥٦هـ".
وهذب المختصر ابن قيم الجوزية المتوفَّى "٧٥١هـ" ذكر فيه أن الحافظ المنذري قد أحسن في اختصاره، فهذبته نحو ما هذب هو به الأصل، وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها إذ لم يكملها، وتصحيح أحاديثه، والكلام على متون مشكلة لم يفتح معضلها، وقد بسطت الكلام على مواضع لعل الناظر لا يجدها في كتاب سواه١.
_________________
(١) ١ كشف الظنون "١/ ٤٧٨"، مفتاح السُّنة "ص٨٦".
[ ٣٤٨ ]