هو: أبو الحسين مسلم بن الححاج بن مسلم القشيري النيسابوري، ولد بنيسابور سنة "٢٠٦هـ"، وتوفي بها -أيضًا- عشية الأحد، ودفن يوم الإثنين في رجب سنة "٢٦١هـ"، وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقضى عمره في طلب الحديث وحفظه وتدوينه، ورحل في طلبه إلى بلدان كثيرة؛ منها: الحجاز، ومصر، والشام، والعراق، وخراسان، والري، وغيرها، وسمع من خلائق من الأئمة وغيرهم، منهم: قتيبة بن سعيد، وأحمد بن حنبل، وإسماعيل بن أبي أويس، ويحيى بن يحيى، وأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، وعبد الله بن أسماء، وشيبان بن فروخ، وحرملة بن يحيى صاحب الشافعي، ومحمد بن يسار، ومحمد بن مهران، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، ومحمد بن سلمة المرادي، وخلائق من الأئمة غيرهم، وروى عنه: أبو عيسى الترمذي، ويحيى بن صاعد، ومحمد بن مخلد، وإبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الزاهد، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن عبد الوهاب الفراء، وعلي بن الحسين، ومكي بن عبدان، وأبو عوانة، يعقوب بن إسحاق الإسفراييني، وأبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي، ونصر بن أحمد، وخلائق.
- مصنفات الإمام مسلم:
له العديد من المصنفات؛ منها: "المسند الصحيح"، و"المسند الكبير" رتبه على الرجال، و"الجامع" رتبه على الأبواب، و"كتاب التمييز"، و"العلل"، و"سؤالات
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في:الأعلام للزركلي "٨/ ١١٧"، الطبعة الثانية، تهذيب الأسماء واللغات للنووي "١/ ١٣١"، تهذيب الكمال "٢٧/ ٤٩٩ - ٥٠٧"، تهذيب التهذيب "١٠/ ٢٢٦"، التقريب "٢/ ٢٤٥"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٥٨٨"، تاريخ بغداد "١٣/ ١٠٠"، الأنساب للسمعاني "١٠/ ١٥٥"، سير أعلام النبلاء "١٢/ ٥٥٧"، الكاشف "٣" ترجمة "٥٥٠٥"، العبر "١/ ١٩٧"، شذرات الذهب "٢/ ١٤٤"، خلاصة الخزرجي "٣/ الترجمة ٦٩٦٢"، المنتظم "٥/ ٣٢"، شرح صحيح مسلم للنووي "١/ ١٠٩ - ١٥٨"، فهرسة ابن خير "٩٨، ٢١٢، ٢١٣"، فتح الباري لابن رجب "٣/ ٢٠١"، ففيه ذكر كتاب التفصيل لمسلم.
[ ٢٧٩ ]
أحمد بن حنبل"، والانتفاع بأهُب السِّباع"، و"الأسماء والكنى" و"الأفراد"، و"الوحدان" و"الأقران"، و"كتاب عمرو بن شعيب"، و"تسمية شيوخ مالك"، و"مشايخ سفيان الثوري"، و"مشايخ شعبة"، و"كتاب المخضرمين"، وكتاب أولاد الصحابة فمن بعدهم من المحدثين"، و"أوهام المحدثين"، و"الطبقات"، و"أفراد الشاميين"، و"من ليس له إلا راوٍ واحد"، وكتاب "تفصيل السنن".
وقد كتب صحيحه -وهو المسمى بالمسند الصحيح- في خمس عشرة سنة، وهو أشهر كتبه. قال الزركلي في الأعلام: جمع فيه اثني عشر ألف حديث كتبها في خمس عشرة سنة، وهو أحد الصحيحين المعول عليهما عند المحدثين والفقهاء والأصوليين١.
وقال مسلم رحمه الله تعالى: "صنفتُ هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة"٢.
وقال أيضًا: "لو أن أهل الحديث يكتبون مائتي سنة، فمدارهم على هذا المسند، ولقد عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار إلَيَّ أن فيه علة تركته وما قال: هو صحيح ليس له علة أخرجته"٣.
وقال أيضًا: "ما وضعت شيئًا في هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت منه إلا بحجة"٤.
وقال أيضًا: "ليس كل شيء صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه"٥.
_________________
(١) ١ الأعلام للزركلي "٨/ ١١٧"، وقوله: "اثنتي عشر ألف حديث" يعني بالأحاديث المكررة، وبإسقاط المكرر فهي نحو أربعة آلاف حديث، مقدمة ابن صلاح، هامش "ص١١"، وراجع: شرح صحيح مسلم للنووي "١/ ١٢٩"، وبلغ العدد بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي "٣٠٣٣". ٢ تذكرة الحفاظ "٢/ ٥٨٩"، شذرات الذهب "٢/ ١٤٤". ٣ تلخيص صحيح مسلم، للقرطبي "١/ ٣٣"، هدى الساري "ص٣٤٥"، سير أعلام النبلاء "١٢/ ٥٦٨"، "١٢/ ٥٧٩"، شرح مسلم للنووي "١/ ١٢١، ١٣٦". ٤ تلخيص صحيح مسلم للقرطبي "١/ ٣٣"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٥٩٠"، سير أعلام النبلاء "١٢/ ٥٨٠". ٥ صحيح مسلم "١/ ٣٠٤" كتاب الصلاة، في الحديث رقم "٦٣".
[ ٢٨٠ ]
قال سراج الدين البلقيني: "أراد مسلم بقوله: "ما أجمعوا عليه" أربعة: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، وسعيد بن منصور الخراساني"١.
وحكى القاضي أبو الفضل عياض الإجماع على إمامته، وتقديمه، وصحة حديثه، وميزه٢، وثقته، وقبول كتابه٣.
وقد أبقى له صحيحه ذكرًا جميلًا، وثناء حسنًا، وثوابًا عظيمًا إلى يوم القيامة، قال الإمام النووي: "ومن حقق نظره في صحيح مسلم -﵀- واطلع على ما أودعه في أسانيده، وترتيبه، وحسن سياقته، وبديع طريقته، من نفائس التحقيق، وجواهر التدقيق، وأنواع الورع والاحتياط والتحري في الرواية، وتلخيص الطرق واختصارها، وضبط متفرقاتها وانتشارها، وكثرة اطلاعه، واتساع روايته، وغير ذلك مما فيه من المحاسن والأعجوبات، واللطائف الظاهرات والخفيات -علم أنه إمام لا يلحقه من بعد عصره، وقل من يساويه بل يداينه من أهل وقته ودهره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم"٤، حتى قال أبو علي الحافظ النيسابوري أستاذ الحاكم: "ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج"٥، والجمهور على أن صحيح البخاري مُقدَّم على صحيح الإمام مسلم رحمهما الله جميعًا.
- دوافع تصنيف الإمام مسلم لصحيحه:
يمكن إرجاع الأسباب التي من أجلها صنف الإمام مسلم صحيحه إلى سببين رئيسيين هما:
_________________
(١) ١ محاسن الاصطلاح "ص٩١". ٢ المراد التمييز بين الأشياء، ويعني دقة فرز الإمام مسلم لأحاديث صحيحه. ٣ تلخيص صحيح مسلم، للقرطبي "ص٣٢". ٤ في مقدمة شرح صحيح مسلم له "١/ ١١٥". ٥ مقدمة ابن الصلاح "ص١٠"، تلخيص صحيح مسلم للقرطبي "١/ ٣٢".
[ ٢٨١ ]
الأول: انتخاب طائفة من الأحاديث الصحيحة المتصلة والمشتملة على أحكام الدين وسننه، مرتبة فقهيًّا، خاصة وأن المصنفات الحديثة في عصره -أو قبله- كانت غير مرتبة فقهيًّا، وتجمع الصحيح والضعيف معًا، باستثناء صحيح الإمام البخاري، وموطأ الإمام مالك.
الثاني: صرف غير المشتغلين بعلوم الحديث المتخصصين إلى مصنف مشتمل على الأحاديث الصحيحة الجامعة لأحكام الدين بعيدًا عن روايات الزنادقة والقصاصين وجهلة المتصوفة.
- منهج الإمام مسلم، وشروطه في صحيحه:
رتب الإمام مسلم صحيحه ترتيبًا فقهيًّا دقيقًا على الكتب والأبواب، دون تكرار أو تجزئة لها كما صنع شيخه البخاري، ولتوضيح منهجه نسوق مثالًا من صحيحه:
يقول في باب تحريم إيذاء الجار والحث على إكرامه هو والضيف١:
١- حدثنا يحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حُجْر -جميعًا- عن إسماعيل بن جعفر، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه".
٢- حدثني حرملة بن يحيى، أنبأنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: $"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه".
٣- حدثنا أبو بكر بن شيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي حصين، عن أبي
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي "١/ ٣٧٧ - ٣٨٠".
[ ٢٨٢ ]
صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت".
٤- حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- بمثل حديث أبي حصين، غير أنه قال: "فليحسن إلى جاره ".
٥- حدثنا زهير بن حرب، ومحمد بن نمير، جميعًا عن ابن عيينة، قال ابن نمير: حدثنا سفيان، عن عمرو: أنه سمع نافع بن جبير يخبر عن أبي شريح الخزاعي أن النبي -ﷺ- قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت".
وواضح من هذا المثال -كما قال فضيلة الدكتور رفعت فوزي- أن الإمام مسلمًا يجمع طرق المتن الواحد من غير تكرار، كما ألزم نفسه بذلك في مقدمة كتابه، فإذا اتحد المتن لا يكرره، فإذا كان الاختلاف يسيرًا نبه عليه فقط، أما إذا كان غير يسير فإنه يعيد المتن؛ لأنه يصبح حينئذ متنًا جديدًا.
وواضح أيضًا دقة الإمام مسلم في روايته للأحاديث، ويتمثل هنا في اعتنائه بضبط اختلاف ألفاظ الرواة، ففي الحديث الخامس حدثه زهير بن حرب، ومحمد بن نمير بحديث واحد؛ ولكنه ينبه إلى أن ما أثبته في كتابه إنما هي رواية ابن نمير وألفاظه، فقال: "قال ابن نمير: حدثنا سفيان " إلى آخره.
ومما يتصل بدقة الإمام مسلم في كتابه ما ذكره الإمام النووي من أنه يعتني بالتمييز بين "حدثنا" و"أخبرنا"، وتقييده ذلك على مشايخه، وفي روايته، وكان من مذهبه -﵀- الفرق بينهما، وأن "حدثنا" لا يجوز إطلاقه إلا على ما سمعه من لفظ الشيخ خاصة، و"أخبرنا" لما قرئ على الشيخ١.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي "١/ ١٣٠".
[ ٢٨٣ ]
ومن دقته أيضًا اعتناؤه بالأسانيد وتحويلها، وعدم الاكتفاء ببعضها، مع إيجاز العبارة وكمال حُسنها، ولا يجيز لنفسه أن يروي الصحيفة الواحدة بإسناد واحد، وإنما ينبه على الإسناد في كل حديث، ويتجلى ذلك في صحيفة همام بن منبه، عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- فقد رويت هذه الصحيفة بإسناد واحد في أولها، وكان مسلم يستطيع أن يفعل ذلك بألا يذكر الإسناد إلا مع الحديث الأول فيها، كما أجاز ذلك وكيع بن الجراح، ويحيى بن معين، وأبو بكر الإسماعيلي الشافعي؛ ولكنه "ورعًا واحتياطًا وتحريًا وإتقانًا" ذكر كل حديث منهما مقترنًا بإسناده١.
ومن دقته تحريه في مثل قوله: "حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا سليمان -يعني ابن بلال- عن يحيى، وهو ابن سعيد"، فلم يستجز -﵁- أن يقول: سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد؛ لكونه لم يقع في روايته منسوبًا، فلو ذكره بنسبه إلى أبيه لكان مخبرًا عن شيخه أنه أخبره بنسبه، والحقيقة أنه لم يخبره.
فهو بهذا كله قد حافظ على التقاليد الأصيلة لعلم الإسناد وروايته، تلك التقاليد التي وضعها أئمة الحديث؛ صيانة للرواية من التبديل والتغيير، وتوثيقًا لها؛ بحيث يطمأن إلى ورود الحديث ورودًا نقيًّا دون تحريف فيه، وأصبح كتاب مسلم -كما قال أحد الدارسين المحققين المعاصرين- بهذا كله "كامل الأسانيد، واضح البناء، منطقيًّا في ترتيب مواده، موفقًا في اختيار مصادره٢" ٣.
هذا، وقد أعلن الإمام مسلم عن منهجه وشرطه في مقدمه صحيحه فقال:
"ثم إنَّا -إن شاء الله- مبتدئون في تخريج ما سألت وتأليفه على شريطة سوف أذكرها لك، وهو أنا نَعْمِدُ إلى جُمْلَةِ ما أُسند من الأخبار عن رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) ١ مقدمة شرح صحيح مسلم "١/ ١٣١". ٢ فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي "١/ ٣٥٣". ٣ كتب السنة، الجزء الأول "ص١٩٦ - ١٩٩".
[ ٢٨٤ ]
فنقسمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس، على غير تكرار، إلا أن يأتي موضع لا يُستغنَى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك؛ لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام، فلا بد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة، أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن؛ ولكن تفصيله ربما عسر من جملته، فإعادته بهيئته -إذا ضاق ذلك- أسلم.
فأما ما وجدنا بُدًّا من إعادته بجملته من غير حاجة منا إليه، فلا نتولى فعله إن شاء الله تعالى.
فأما القسم الأول: فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى، من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد، ولا تخبط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم، فإذا نحن تقصَّينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم، فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم؛ كعطاء بين السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سُليم، وأضرابهم من حُمَّال الآثار ونُقَّال الأخبار، فهم -وإن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية- يفضلونهم في الحال والمرتبة؛ لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة وخصلة سنية
فعلى نحو ما ذكرنا من الوجوه نؤلف ما سألت من الأخبار عن رسول الله -ﷺ- فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم؛ كعبد الله بن مسور أبي جعفر المدائني، وعمرو بن خالد، وعبد القدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغياث بن
[ ٢٨٥ ]
إبراهيم، وسليمان بن عمرو أبي داود النخعي، وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار، وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط أمسكنا أيضًا عن حديثهم، وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفتْ روايتُه أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله، فمن هذا الضرب من المحدثين: عبد الله بن مُحرَّر، ويحيى بن أبي أنيسة، والجراح بن المنهال أبو العطوف، وعباد بن كثير، وحسين بن عبد الله بن ضميرة، وعمر بن صُهْبان، ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث، فلسنا نعرج على حديثهم ولا نتشاغل به؛ لأن حكم أهل العلم -والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدِّث من الحديث- أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجِدَ كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند الصحابة قُبِلَتْ زيادته
فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مُشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما -أو عند أحدهما- العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم.
واعلم -وفقك الله تعالى- أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين، ألا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والسِّتارة١ في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع "٢.
_________________
(١) ١ الستارة: ما يستتر به، وكذلك السترة، وهي هنا إشارة إلى الصيانة، م "١/ ٨" هامش. ٢ صحيح مسلم "١/ ٤- ٨"، طبع دار إحياء الكتب العربية، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.
[ ٢٨٦ ]
وحاصل كلام الإمام مسلم الذي عرض فيه منهجه وشروطه يتلخص فيما يلي:
أولًا: أنه يتحاشى التكرار إلا عند الحاجة الماسة.
ثانيًا: أنه قسم الأخبار المسندة إلى رسول الله -ﷺ- إلى ثلاثة أقسام تضم أربع طبقات تبعًا لدرجات الرواة ومكانتهم من حيث قبول رواياتهم وردها:
القسم الأول: أنه التزم بتخريج روايات أهل الحفظ والإتقان والاستقامة من أهل الطبقة الأولى أولًا.
القسم الثاني: أنه يُتْبِع روايات أهل الطبقة الأولى بروايات أهل الطبقة الثانية، ممن يشملهم الستر والصدق، وليسوا من أهل الحفظ والإتقان، وعنده أن أخبار أهل القسم الثاني لتقوية ومعاضدة روايات أهل القسم الأول عند الاحتياج إليها، وقد بيَّن الحافظ ابن حجر العسقلاني قصد الإمام مسلم من المتابعات، وهو يرفع بها التفرد عن أحاديث أهل القسم الأول إذا وجدت الحاجة لذلك، ويفيد قلة أحاديث القسم الثاني في الصحيح نسبيًّا؛ لأن هدفه الأول الصحة، وقد يتحقق في كثير من الأحيان بأحاديث أهل القسم الأول.
وحين تكلم ابن القطان على أحد رجال مسلم وقال: "وعيب على مسلم إخراج حديثه"، قال ابن القيم ردًّا عليه: "ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه؛ لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه"١.
وهذا يتفق مع تصريح الإمام مسلم نفسه حين قال: "ليس كل شيء صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه"٢.
القسم الثالث: ويشمل المتهمين من أهل الطبقة الثالثة، والغالب على حديثه
_________________
(١) ١ زاد المعاد "١/ ٣٦٤". ٢ صحيح مسلم "١/ ٣٠٤" في الحديث رقم "٦٣".
[ ٢٨٧ ]
النكارة من أهل الطبقة الرابعة، فهؤلاء لا يعرج على حديثهم، ولا يتشاغل بتخريجه.
وهكذا تلاحظ اهتمام الإمام مسلم بالسند، وتحري عدالة الرواة وضبطهم؛ وذلك لأن الإسناد دليل على صحة الحديث أو ضعفه، مما ينعكس بوضوح على الأحكام التشريعية. قال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء١.
وقد التزم الإمام مسلم بهذا المنهج الذي رسمه لنفسه، وليس كما زعم الحاكم والبيهقي، حين ذهبا إلى أنه لم يخرج في كتابه الصحيح إلا عن الطبقة الأولى، ولم يخرج عن الطبقة الثانية٢. قال القاضي عياض: "وليس الأمر على ذلك لمن حقق نظره ولم يتقيد بالتقليد، فإنك إذا نظرت إلى تقسيم مسلم في كتابة الحديث على ثلاث طبقات من الناس كما قال"٣، فجاء بحديث الحفاظ والمتقنين أولًا، ثم أتبعه بحديث أهل الستر والصدق، ثم استشهد بحديث من اتهم من قِبَل بعض العلماء بتهمة نفاها عنه آخرون، ممن ضعف أو اتهم ببدعة، قال النووي: "وهذا الذي اختاره القاضي عياض ظاهر جدًّا، والله أعلم"٤.
فكل الأحاديث التي رواها مسلم في أصول أبواب صحيحه متصلة الإسناد برواية الثقة عن الثقة من أوله إلى آخره، قال ابن الصلاح: شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه، سالمًا من الشذوذ، ومن العلة، وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر، فكل حديث اجتمعت فيه هذه الأوصاف فلا خلاف بين أهل الحديث في صحته٥.
_________________
(١) ١ مقدمة صحيح مسلم "١/ ١٢٨"، المحدث الفاضل "ص٢٠٩"، مقدمة ابن الصلاح "ص١٣٠"، تدريب الراوي "٢/ ١٦٠"، شرف أصحاب الحديث "ص٤١"، معرفة علوم الحديث "ص٩"، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع "١/ ١٢٣". ٢، ٣ شرح مسلم للنووي "١/ ١٣٢". ٤ المصدر السابق "١/ ١٣٣". ٥ صيانة صحيح مسلم "ص٧٢"، ونقله النووي بنحوه في مقدمة صحيح مسلم "١/ ١٢١، ١٢٢".
[ ٢٨٨ ]
وأخطأ الذين عابوا على الإمام مسلم روايته عن جماعة من الضعفاء أو المتوسطين، الذين ليسوا من شرط الصحيح، وذلك لأحد أسباب لا معاب عليه معها١:
أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، قال ابن الصلاح: "ولا يقال: إن الجرح مُقدَّم على التعديل، وهذا تقديم للتعديل على الجرح؛ لأن الذي ذكرناه محمول على ما إذا كان الجرح غير مفسر السبب فإنه لا يعمل به".
الثاني: أن يكون ذلك واقعًا في الشواهد والمتابعات لا في الأصول؛ وذلك بأن يذكر الحديث أولًا بإسناد نظيف رجاله ثقات، ويجعله أصلًا، ثم يتبع ذلك بإسناد آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجهة التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قدمه.
الثالث: أن يكون ضَعْف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه غير قادح فيما رواه من قبل في زمان سداده واستقامته، كما في "أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن أخي عبد الله بن وهب"، فذكر الحاكم أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر، فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرزاق، وغيرهما ممن اختلط آخرًا، ولم يمنع ذلك من الاحتجاج في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك ثم روى بسنده عن إبراهيم بن أبي طالب٢ يقول: قلت لمسلم بن الحجاج: قد أكثرت الرواية في كتابك الصحيح عن أحمد بن عبد الرحمن الوهبي، وحاله قد ظهر؟ فقال: إنما نقموا عليه بعد خروجي من مصر.
_________________
(١) ١ راجع: صيانة صحيح مسلم "ص٩٤-٩٨"، شرح مسلم للنووي "١/ ١٣٤- ١٣٦". ٢ إبراهيم بن أبي طالب: محمد بن نوح بن عبد الله النيسابوري، أبو إسحاق شيخ خراسان، قال الحاكم: كان إمام عصره في معرفة الحديث والرجال، أملى كتاب العلل وغيره، تُوفي سنة خمس وتسعين ومائتين. راجع: تذكرة الحفاظ "٢/ ٦٣٨"، العبر "٢/ ١٠٠".
[ ٢٨٩ ]
الرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده برواية الثقات نازل، فيذكر العالي أولًا بطول بإضافة النازل إليه مكتفيًا بمعرفة أهل الشأن بذلك، فقد بلغه إن أبا زرعة الرازي أنكر روايته في صحيحه عن "أسباط بن نصر"، وقطن بن نسير" "وأحمد بن عيسى"، فرد الإمام مسلم على ذلك بقوله: وإنما أدخلت من حديث "أسباط" و"قطن" و"أحمد" ما قد رواه الثقات عن شيوخهم إلا أنه ربما وقع إلَيَّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فأقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات.
ذكر الحاكم أن من شروط الصحيحين إخراج الحديث عن عدلين إلى النبي -ﷺ- ونفى الحازمي هذا الشرط نفيًا قاطعًا، وقال: "فهذا غير صحيح طردًا وعكسًا"١. وجاء من الصحيحين بأمثلة تؤكد عدم صحة ما ذهب إليه الحاكم٢، ومن بين الأمثلة الموجودة في صحيح البخاري -والتي تنفي ادعاء الحاكم وزعمه، كما يرى الحازمي- أن أول حديث في صحيح الإمام البخاري، وهو: "إنما الأعمال بالنيات "، وآخر حديث فيه، وهو: "كلمتان خفيفتان " فردان غريبان، كما نص على ذلك الحافظ البرهان البقاعي وغيره، وقد صنف الحافظ الضياء المقدسي مؤلفًا سماه: "غرائب الصحيحين"، وذلك فيه ما يزيد على مائتي حديث من الغرائب والأفراد المخرجة في الصحيحين٣.
قلت: وقد يكون مراد الحاكم أن هذا الشرط استحسنه الشيخان؛ ولكنهما لم يلتزما به في كل الأحاديث!
- عناية الأمة الإسلامية بصحيح الإمام مسلم:
حَظِيَ صحيح الإمام مسلم بعناية كبيرة من الأمة الإسلامية وعلمائها في
_________________
(١) ١ شروط الأئمة الخمسة "ص٤٣، ٤٤". ٢ راجع: المصدر السابق "ص٤٤-٥٠". ٣ راجع: المصدر السابق، "التعليق في الهامش" "ص٤٣".
[ ٢٩٠ ]
مشارق الأرض ومغارها، وهذه العناية تلت العناية بصحيح البخاري مباشرة، وكانت هذه العناية من وجوه عدة تكاتفت جميعًا لتؤكد أن صحيح الإمام مسلم انتقل إلينا عبر الأجيال موثقًا ومحفوظًا ومصانًا من أي عبث أو تحريف أو تغيير، وسيظل كذلك حتى قيام الساعة، ونوضح هذه الوجوه فيما يلي١:
أولًا: انتقل صحيح الإمام مسلم إلى العلماء بالسماع، أو القراءة، أو المناولة، أو الإجازة جيلًا بعد جيل، شأنه في ذلك شأن المؤلَّفات في العلوم الإسلامية، وإن العناية هنا في هذا المجال أكثر وأوفر.
يصف الإمام النووي "٦٣١-٦٧٦هـ/١٢٣٣-١٢٧٧م" كيف انتقل صحيح الإمام مسلم إليه خاصة، وإلى عصره عامة فيقول:
"صحيح مسلم -﵀- في نهاية من الشهرة، وهو متواتر عنه من حيث الجملة، فالعلم القطعي حاصل بأنه تصنيف أبي الحسين مسلم بن الحجاج، وأما من حيث الرواية المتصلة بالإسناد المتصل بمسلم، فقد انحصرت طريقه عنده في هذه البلدان في رواية أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم، ويروي في بلاد المغرب -مع ذلك- عن أبي محمد أحمد بن علي القلانسي عن مسلم، ورواه عن ابن سفيان جماعة منهم الجلودي، وعن الجلودي جماعة منهم الفارسي، وعنه جماعة منهم الفراوي، وعنه خلائق منهم منصور، وعنه خلائق منهم شيخنا أبو إسحاق"٢.
قال الشيخ الحافظ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: وأما القلانسي فوقعت روايته عند أهل المغرب، ولا رواية له عند غيرهم، دخلت روايته إليهم من جهة أبي عبد الله محمد بن يحيى الحذَّاء التميمي القرطبي وغيره، سمعوها بمصر من أبي العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن الرحمن بن ماهان البغدادي، قال:
_________________
(١) ١ انظر كتب السنة، الجزء الأول "ص٢١٢ - ٢٢١". ٢ شرح صحيح مسلم للنووي "١/ ١١٦".
[ ٢٩١ ]
حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى الأشقر الفقيه على مذهب الشافعي، قال: حدثنا أبو محمد القلانسي، قال: حدثنا مسلم إلا ثلاثة أجزاء من آخر الكتاب أولها حديث الإفك الطويل١، فإن أبا العلاء بن ماهان كان يروي ذلك عن أبي أحمد الجلودي، عن ابن سفيان، عن مسلم رضي الله عنه٢.
وبلغ من دقتهم أن ميزوا بين ما أخذه أشهر الرواة عن مسلم سماعًا وما أخذوه إجازة، وينقل النووي عن ابن الصلاح ذلك، يقول: "اعلم أن لإبراهيم بن سفيان في الكتاب فائتًا لم يسمعه من مسلم، يقال فيه: أخبرنا إبراهيم عن مسلم، ولا يقال فيه: أخبرنا مسلم، ولا: حدثنا مسلم، وروايته لذلك عن مسلم إما بطريق الإجازة، وإما بطريق الوجادة٣.
وقد أغفل أكثر الرواة عن تبيين ذلك وتحقيقه في فهارسهم وتسميعاتهم وإجازاتهم وغيرها؛ بل يقولون في جميع الكتاب: أخبرنا إبراهيم قال: أخبرنا مسلم، وهذا الفوت في ثلاثة مواضع محققة في أصول معتمدة".
وهذه الفوائت قريبًا من ست وثلاثين ورقة٤.
وقد اجتهد العلماء في كل جيل وكل عصر لأن يسمعوا صحيح الإمام مسلم أكثر من مرة، وعلى أكثر من شيخ، وهذا من شأنه يزيد في الاطمئنان إلى سلامة وصول الكتاب إلى كل جيل لاحق دون تحريف أو تغيير.
وقد ذكر ابن خير الإشبيلي "٥٠٢-٥٧٥هـ" في فهرسته الطرق التي وصل بها
_________________
(١) ١ من "ص١١٢- ٢٤٦" آخر الكتاب ج٨ وهو الجزء الأخير من طبعة إستنابول سنة ١٣٢٩هـ. ومن "ص٦٢٨ - ٨٨٣"، من صحيح مسلم على شرح النووي، طبعة دار الشعب بالقاهرة. ٢ مقدمة شرح مسلم للنووي "١/ ١١٦، ١١٧" دار القلم، بيروت. ٣ وقد رجح النووي، كما هو موجود عنده في بعض الأصول أنه يروي هذا الجزء إجازة "١/ ١١٧" من شرح مسلم، وهذا بطبيعة الحال لا يتنافَى مع كون محمد بن سفيان سمع أحاديث هذا الجزء من مسلم في غير كتاب الصحيح. ٤ مقدمة شرح صحيح مسلم، النووي "١/ ١١٧-١١٩".
[ ٢٩٢ ]
صحيح الإمام مسلم دون تحريف أو تغيير، فقال في روايته لصحيح مسلم: مصنف الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، وهو "المسند الصحيح المختصر من السنن، بنقل العدل عن العدل عن رسول الله ﷺ".
أما رواية الجلودي فحدثني بها الشيخ القاضي أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن العربي -﵀- قراءة مني عليه، قال: أنا به الشيخ أبو بكر محمد بن طرخان بن يلتكين بن يَحْكَم التركي، قال: أنا أبو الليث أبو الفتح نصر بن الحسن بن أبي القاسم التنكتي الشاسي.
قال ابن العربي أيضًا: وأخبرنا الشيخ الإمام جمال الإسلام إمام الحرمين أبو عبد الله الحسين بن علي الطبري نزيل مكة بها سماعًا ومناولة، قالا: أنا عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الزكي العدل، قال: نا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم، وفي بعض المواضع يقول ابن سفيان: حدثنا مسلم، وذلك مقيد مجود في أصلي بحمد الله، وحدثني بها أيضًا الشيخ الخطيب أبو بكر موسى بن سيد بن إبراهيم الأموي -﵀- قراءة مني عليه في أصل كتابه بالمسجد الجامع بالجزيرة الخضراء -حرسها الله- في ذي القعدة من سنة ٥٣٤هـ، والشيخ المحدث أبو الحسن عباد بن سرحان المعافري -﵀- مناولة منه لي في أصل كتابه، والشيخ الإمام أبو الحكم عبد الرحمن بن عبد الملك بن غشَلْيان الأنصاري -﵀- إجازة قالوا كلهم: حدثنا بها الشيخ الإمام أبو عبد الله الحسين بن علي الطبري المذكور، أما ابن سيد، وابن سرحان، فسمعاه عليه، وأما ابن غشليان فإجازة منه له، وقد تقدم سند الطبري فوق هذا، وحدثني بها أيضًا شيخنا أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث -﵀- قراءة عليه، وأنا أسمع إلا يسيرًا من آخره، فإنه أجازه لي وناولني الديوان كله، قال: حدثني به الشيخ الصالح أبو عبد الله محمد بن محمد بن بشير المعافري الصيرفي -﵀- قراءة عليه، قال: نا به أبو محمد عبد الله بن الوليد بن سعد بن بكر الأنصاري بمصر وكتبته من كتابه، قال: نا به أبو العباس أحمد بن الحسن بن عبد الرحمن بن
[ ٢٩٣ ]
بِنْدَار بن جبريل الرازي، قال: نا أبو أحمد الجلودي، قال: نا إبراهيم بن محمد بن سفيان، قال: نا مسلم بن الحجاج، وحدثني بها أيضًا الشيخ الأديب أبو عبد الله محمد بن سليمان بن أحمد النفزي المالقي -﵀- مناولة منه لي، قال: حدثني به الشيخ أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس بن دلهاث العذري، ثم الدلائي -﵀- سماعًا مني عليه مرة وثانية، قال: نا به أبو العباس أحمد بن الحسن بن عبد الرحمن بن بندار الرازي بمكة -حرسها الله- قراءة عليه وأنا أسمع سنة "٤٠٩هـ" بالإسناد المتقدم، وحدثني بها الشيخ المحدث أبو بكر محمد بن أحمد طاهر القيسي سماعًا عليه لبعضه وإجازة لجميعه، قال: حدثني به الشيخ الحافظ أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الغسائي -﵀- قراءة عليه قال: حدثني به الشيخ أبو العباس العذري المذكور، قراءة مني عليه بمدينة بلنسية في أيام من رجب وشعبان سنة "٤٧٠هـ" قال: نا أبو العباس بن بندار المذكور بالسند المتقدم.
قال أبو علي: وأخبرني به أبو القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي مناولة من يده إلى يدي، قال: أخبرني به أبو سعيد عمر بن محمد بن محمد بن داود السجزي بمكة سنة "٤٠٣هـ" قال: نا أبو أحمد الجلودي قراءة عليه في سنة "٣٦٩هـ" بنيسابور، قال: نا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم، قال حاتم: وحدثني به أبو محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي، قال: نا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يحيى الكسائي بنيسابور سنة "٣٨٢هـ"، قال: نا إبراهيم بن محمد بن سفيان سنة "٣٠٨هـ" قال: نا أبو الحسين مسلم بن الحجاج بنيسابور سنة "٢٥٧هـ".
قال إبراهيم: فرغ لنا مسلم من قراءة الكتاب لعشر خلون من رمضان من العام المذكور، وتوفي مسلم بن الحجاج -﵀- سنة "٢٦١هـ"، ذكر أبو بكر الخطيب في تاريخه مدينة السلام: أخبرني محمد بن علي المقري، قال: أنا محمد بن عبد الله النيسابوري، قال: سمعت محمد بن يعقوب أبا عبد الله الحافظ يقول: توفي مسلم بن الحجاج عشية يوم الأحد، ودفن يوم الإثنين لخمس بقين من رجب سنة "٢٦١هـ"، وحدثني أيضًا الشيخ أبو محمد بن
[ ٢٩٤ ]
عتاب -﵀- إجازة فيما كتب به إليَّ، قال: أنا الشيخ الصالح أبو محمد عبد الله بن سعيد الشنتجالي وأبو القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي إجازة، قالا: نا أبو سعيد عمر بن محمد السجزي بإسناده المتقدم، قال أبو محمد بن عتاب: وأخبرني بها أيضًا الشيخ أبو محمد مكي بن أبي طالب المقري إجازة عن أبي العباس أحمد بن محمد بن زكريا القسوي قال: نا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يحيى الكسائي، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم.
وأما رواية ابن ماهان، فحدثني بها الشيخ القاضي أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز اللخمي الباجي سماعًا عليه مرة وثانية، قال: حدثني بها أبي، وعماي أبو عمر أحمد، وأبو عبد الله محمد، وابن عمي الفقيه أبو محمد عبد الله بن علي بن محمد، قالوا كلهم: حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الفقيه، قال: نا أبو العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن ماهان البغدادي سماعًا عليه مع أبي -﵀- بمصر، قدمها علينا، قال: نا أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى الفقيه على مذهب الشافعي المعروف بالأشقر بنيسابور، قال: نا أبو محمد أحمد بن علي بن الحسين بن المغيرة بن عبد الرحمن القلانسي، قال: نا أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري -﵀- وحدثني بها أيضًا أبو بكر محمد بن أحمد بن طاهر القيسي المذكور سماعًا عليه وإجازة على نحو ما تقدم، قال: نا أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الغساني، قال: حدثني بها القاضي أبو عمر أحمد بن محمد الحذاء التميمي قراءة عليه سنة ٤٥٧هـ، قال: نا أبي -﵀- قراءة مني عليه سنة "٣٩٥هـ"، قال: نا أبو العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن ماهان البغدادي، قال: نا أبو بكر أحمد بن محمد الفقيه الأشقر، قال: نا أبو محمد أحمد بن علي القلانسي، قال: نا مسلم بن الحجاج، حاشا ثلاثة أجزاء من آخر الكتاب، أولها حديث عائشة في الإفك الحديث الطويل إلى آخر الديوان، فإن أبا العلاء بن ماهان يروي ذلك عن أبي الجلودي، عن إبراهيم بن محمد
[ ٢٩٥ ]
ابن سفيان عن مسلم بن الحجاج، وحدثني بها أيضًا الشيخ أبو محمد بن عتاب إجازة قال: نا أبو عمر بن الحذاء المذكور إجازة بالسند المتقدم، قال: وحدثني بها أبو محمد بن عتاب -﵀- قراءة عليه وأنا أسمع "٣٤ب" غير مرة قال: نا أبو القاسم أحمد بن فتح، قال: نا أبو العلاء بن ماهان بالإسناد المتقدم، قال أبو علي: سمعت أبا عمر بن الحذاء يقول: سمعت أبي -﵀- يقول: أخبرني ثقات أهل مصر: أن أبا الحسن علي بن عمر الدارقطني كتب إلى أهل مصر من بغداد: أن اكتبوا عن أبي العلاء بن ماهان كتاب مسلم بن الحجاج، ووصف أبا العلاء بالثقة والتمييز١.
قال فضيلة الدكتور رفعت فوزي٢: "وقد انتقل صحيح مسلم بعد ذلك بنفس الطريقة كما يعلم ذلك بدهيًّا من الفهارس والأثبات، والنسخ المخطوطة التي لا يكاد يخلو عصر منها من العصور، كما لا تخلو مكتبة منها من مكتبات المخطوطات العربية في جميع أنحاء العالم، كما ذكر صاحب تاريخ التراث العربي"٣.
وعندنا أريد طبع صحيح مسلم انتضى له علماء أجلاء وحققوه، وقارنوا بين نسخ مخطوطة منه، فجاء على "أتم وأدق تصحيح" مقيدًا بالشكل الكامل، ومن ذلك ما طبع بدار الطباعة بالأستانة، عام "١٣٢٩هـ".يقول الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي: "وهذه النسخة لم يأل القائمون على طبعها جهدًا في تصحيحها، ومراجعة النسخ المخطوطة التي كانت تحت أيديهم"٤. وما يزال العلماء يطبعون صحيح مسلم، ويعنون بضبطه٥ وتحقيقه.
_________________
(١) ١ فهرسة ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنفة "ص٩٨ - ١٠٢". ٢ كتب السنة، الجزء الأول "ص٢١٨ - ٢٢١". ٣ فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي "١/ ٣٥٤". ٤ أول ورقة من طبعة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي. ٥ نشر صحيح مسلم في كلكتا عام "١٢٦٥هـ"، وفي القاهرة "١٣٢٧هـ"، "تاريخ الأدب العربي ٣/ ١٠٨"، ومن الطبعات الحديثة المحققة طبعة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، بالقاهرة، عام "١٣٧٤هـ- ١٩٥٥م".
[ ٢٩٦ ]
ولم يكن انتقال صحيح الإمام مسلم -خاصة هو وصحيح البخاري- كتابة وسماعًا وقراءة فقط، وإنما كان علماء الأمة الإسلامية يعنون بحفظه ومدارسته، والتنبيه إلى ما فيه، وما ليس فيه من الأحاديث وألفاظها وزياداتها.
ويعطينا الشيخ عبد الحي الكتاني -وهو من كبار المحدثين في كتابه "فهرس الفهارس والأثبات"١- عند كلامه عن والده المحدث الكبير الكتاني فيقول: "وديوانه الصحيح ختمه نحو الخمسين مرة، ما بين قراءته له على المشايخ وإسماع له، وكان يعرفه معرفة جيدة وأتم سماع وإسماع الكتب الستة٢ يستحضر أحاديث الكتب الستة كأصابع يده، وإن أَنْسَ فلا أنسى أني كنت مرة أسمع عليه كتاب المجالس المكية لأبي حفص الميانسي المكي من أصل عتيق بخط الحافظ أبي العلاء العراقي، فوصلنا فيه إلى حديث عثمان في كيفية وضوء النبي -ﷺ- فمع عزو الميانسي له إلى مسلم ذكر فيه المسح على الأذنين، فقال لنا الشيخ الوالد: مسح الأذنين في الوضوء لا يوجد في الصحيحين من حديث عثمان، ولا غيره، فقمت بعد ذلك على ساق في مراجعة نسخ صحيح مسلم العتيقة المسموعة وغيرها من المستخرجات والمصنفات الأثرية، فلم أجد لذلك ذكرًا فيها، فأيقنت بحفظ الرجل، وقوة استحضاره وخوضه في السُّنَّة"٣.
ثانيًا: انتقل صحيح مسلم مرة أخرى على أيدي العلماء الذين شرحوه، ومخطوطات هذه الشروح منتشرة في مكتبات العالم، وبعضها طبع طبعًا محققًا٤، وبعضها قارن بين نسخ مسلم، ونبه على ما فيها من اختلافات سببها زيادات يسيرة، أو اختلاف أصحابها، واختلاف أوقات أخذهم لها من مسلم رحمه الله تعالى.
_________________
(١) ١ طبع عام ١٣٤٦هـ، بالمطبعة الجديدة الفاسية بالطالعة. ٢ الكتب الستة: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن النسائي، سنن ابن ماجه. ٣ فهرس الفهارس "٢/ ١٤١". ٤ انظر: أماكنها، وسنوات طباعة بعضها، ومتى طبعت في "تاريخ التراث العربي" لفؤاد سزكين "١/ ٣٥٤- ٣٦٢"، الطبعة الأولى.
[ ٢٩٧ ]
ومن هذه الشروح: "إكمال الْمُعْلِم بفوائد مسلم للقاضي عياض بن موسى اليحصبي" "٥٤٤هـ-١١٤٩م"، و"إكمال إكمال المعْلِم" لمحمد بن خليفة بن عمر الوشتاتي الأبي التونسي "ت٨٢٧هـ-١٤٢٤م"، وهو تكملة للشرح السابق، و"المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" ليحيى بن شرف النووي "ت٦٧٦هـ-١٢٧٧م".
ثالثًا: كما ألفت كتب تعنَى بنص صحيح مسلم، من حيث الجمع بينه وبين صحيح البخاري، وما اتفقا عليه وانفردا به، وما استخرج عليه، ومن هذه الكتب "الجمع بين الصحيحين" لمحمد بن عبد الله الجوزقي "ت٣٨٨هـ-٩٩٨م"، و"الجمع بين الصحيحين" لمحمد بن نصر الحميدي "ت٤٨٨هـ-١٠٩٥م"، و"المستدرك على الصحيحين" لمحمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري "ت٤٠٤هـ-١٠١٤م"، و"أطراف الصحيحين" لخلف بن محمد علي الواسطي، و"المستخرج" للإسماعيلي، و"شرح زوائد مسلم على البخاري، لعمر بن رسلان البلقيني "٨٠٥هـ-١٤٠٣م"، وغيرها١.
رابعًا: هذا عدا الكتب الأخرى التي تُعْنَى بشرح غريب مسلم، وحل مشكلاته، وإحصاء رجاله، والكشف عن أحوالهم وضبطهم٢.
وهذا كله يدل على عناية العلماء بصحيح مسلم، وهو أمر يؤكد الثقة به وبنقله وبالمحافظة على نصه، وتواتر نقله، كما قال الإمام النووي رحمة الله عليه.
_________________
(١) ١ تاريخ التراث "١/ ٣٦٦- ٣٦٨"، تدريب الراوي "١/ ١١١". ٢ تاريخ التراث "١/ ٣٦٤- ٣٦٦".
[ ٢٩٨ ]