بعد أم المؤمنين أم سلمة التي تحتل المرتبة الثانية من حيث كثرة الرواية بين كل الروايات عمومًا وبين أمهات المؤمنين خصوصًا، تأتي أم المؤمنين ميمونة، وأم المؤمنين أم حبيبة، وأم المؤمنين حفصة، في الدرجة الثالثة، وقد صنفهن بقي بن مخلد في أصحاب العشرات بهذا الترتيب١.
- ترجمتها وفضلها ﵂:
هي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن روبية بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية٢، وهي أخت أم الفضل زوجة العباس، وخالة خالد بن الوليد وابن عباس.
تزوجها أولًا مسعود بن عمر الثقفي قبيل الإسلام، ففارقها، وتزوجها أبو رهم بن عبد العزى فمات عنها، فتزوجها النبي -ﷺ- في وقت فراغه من عمرة القضاء سنة "٧هـ" في ذي القعدة، وبَنَى بها بسَرِف٣.
كانت ميمونة -﵂- من سادات النساء، وخير شهادة على ذلك ما ذكرته عنها ضرتها عائشة لابن أختها يزيد بن الأصم، وقد أقبلت تلومه في أمر؛ حيث يقول: " ثم وعظتني موعظة بليغة، ثم قالت: أما علمت أن الله ساقك حتى جعلك في بيت نبيه، ذهبت والله ميمونة، ورمَى بحبلك على غاربك، أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم"٤.
_________________
(١) ١ تلقيح الفهوم، ابن الجوزي "٣٦٥"، وبقي بن مخلد هو شيخ الإسلام أبو عبد الله عبد الرحمن الأندلسي القرطبي، الحافظ، صاحب "التفسير"، "المسند"، وهو أول من كثر الحديث ونشره بالأندلس، توفي سنة ٢٧٣هـ. انظر: طبقات الحفاظ، السيوطي "ص٢٧٧". ٢ لها ترجمة في الإصابة، ابن حجر "٤/ ٣٩٧"، طبقات ابن سعد "٨/ ١٣٢"، السير "٢/ ٢٣٨- ٢٤٦" وغيره. ٣ سَرِف: بفتح أوله وكسر ثانيه وآخره فاء، وهو موضع على ستة أميال من مكة. انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر بيروت "٣/ ٢١٢". ٤ أخرجه ابن سعد في الطبقات "٨/ ١٣٨"، والحاكم في المستدرك "٤/ ٣١".
[ ١٩١ ]
وفي هذا الخبر ما يفيد أن ميمونة ماتت قبل عائشة، فقد ذكر خليفة بن خياط موتها سنة "٥١هـ"١.
وقد دفنت في الظلة التي بَنَى فيها رسول الله -ﷺ- بسرف٢.
- تلاميذها ومروياتها ﵂:
روت أم المؤمنين ميمونة ستة وسبعين حديثًا "٧٦"٣، وبالتالي تأتي مباشرة بعد أم المؤمنين أم سلمة في الترتيب حسب كثرة الرواية، وعدد أحاديثها في الكتب الستة واحد وثلاثون حديثًا "٣١"٤، ورُوي لها في الصحيحين سبعة أحاديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة أحاديث٥.
وقد روى عنها: ابن عباس ابن أختها، وابن أختها الثاني عبد الله بن شداد بن الهاد، وابن اختها الثالث عبد الرحمن بن السائب، وابن أختها الرابع يزيد بن الأصم، وعبيد بن السباق، وكريب مولى ابن عباس -وكان يدخل على أمهات المؤمنين- ومولاها سليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وعمران بن حذيفة، ومولاتها ندبة، والعالية بنت سُبَيْع، وأم منبوذ.
- محتوى مروياتها:
يلاحظ أن مروياتها توزعت على هؤلاء الرواة السابق ذكرهم، وأغلبهم من محارمها وفيهم الحبر ابن عباس، إضافة إلى أن مروياتها غلبت عليها الصفة العملية؛ أي: أنها تصف فعل النبي -ﷺ- في بيته ومع أهله.
فقد رُوي عنها في أبواب الطهارة: في كيفية الغسل من الجنابة، وفي
_________________
(١) ١ تاريخ خليفة، تحقيق أكرم ضياء العمري، دار طيبة، ط١، ١٩٨٥م "ص٢١٨". ٢ انظر: ابن سعد في الطبقات "٨/ ١٣٩"، والحاكم في المستدرك "٤/ ٣١". ٣ تلقيح الفهوم، ابن الجوزي "ص٣٦٥". ٤ العدد مأخوذ من تحفة الأشراف "١٣/ ٤٨٤- ٤٩٨". ٥ سير أعلام النبلاء "٢/ ٢٤٥".
[ ١٩٢ ]
وضوء النبي -ﷺ- بفضل غسل نسائه، ومباشرة الحائض وهي مؤتزرة، وقراءة القرآن في حجر الحائض، والصلاة بعد الأكل بدون وضوء، وهي كلها أفعال نبوية. وفي أبواب الصلاة: رُوي عنها في فضل الصلاة في مسجد النبي -ﷺ- وفي سجود النبي ﷺ ، وفي الجنائز: في الميت يصلي عليه أمة من الناس ، وروت في الصيام: في صيام النبي -ﷺ- في عرفة.
ورُوي عنها في الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة، وفي رقية النبي -ﷺ- كما رُوي عنها في العتق، ولعل أبرز حكم ارتبط باسم ميمونة -﵂- هو تزويج المحرم، فقد تضاربت الروايات في قصة تزويج النبي -ﷺ- ميمونة، هل كان حلالًا أم محرما؟
وقد عاشت أم المؤمنين ميمونة في البيت النبوي ثلاث سنوات، وبقيت بعده إلى سنة "٥١هـ"، فثلاث سنوات وإن كانت مدة قصيرة إلا أنها سمحت لها بأن تنقل عنه -ﷺ- مجموعة لا بأس بها من الأحاديث -كما رأينا- ساهمت في إعطاء نظرة مفصلة عن حياته -ﷺ- في بيته، وكفى بها شرفًا أن قصة زواجها منه -ﷺ- فرع من الفروع المهمة في الفقه الإسلامي، الذي كثرت حوله الآراء.
ومما ساعد على كثرة مروياتها -مقارنة بغيرها من أمهات المؤمنين، رغم كونها آخر مَن تزوجها النبي ﷺ من نسائه- أمران؛ هما:
- تأخر وفاتها ﵂ "٥١هـ".
- كون أحد المكثرين من الرواية من محارمها وهو ابن عباس، ولا شك أن هذا يسهل عليه الدخول عليها وسؤالها في القضايا المختلفة؛ إذ إن أمهات المؤمنين كانت لهن حرمة خاصة.
[ ١٩٣ ]