هو: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني أبو عبد الله المروزي، ثم البغدادي "١٦٤- ٢٤١هـ"، وهو من ولد شيبان بن ذهل، لا من ولد ذهل بن شيبان، يلتقي نسبه بنسب رسول الله -ﷺ- في نزار.
خُرج به من مرو حملًا، وولد ببغداد، ونشأ بها، ومات بها، وطاف البلاد في طلب العلم، ودخل الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة، والمغرب، والجزائر، والعراق، وفارس، وخراسان، وغيرها.
ومناقبه أكثر من أن تُحصى أو تُستقصى، ويكفي أن الشافعي عده من عجائب الزمن، وعلل ذلك بأنه كان صغيرًا، وكلما قال شيئًا صدقه الكبار.
- ومن تصانيفه:
"المسند"، وهو بزيادة ابن عبد الله أربعون ألف حديث إلا أربعين حديثًا، و"التفسير"، وهو مائة ألف وعشرون ألفًا، وقيل: بل مائة ألف وخمسون ألفًا، و"الزهد"، وهو نحو مائة جزء، و"الناسخ والمنسوخ"، و"المقدم والمؤخر في القرآن" و"المنسك الكبير"، و"المنسك الصغير"، و"الصيام والفرائض"، و"حديث شعبة"، و"فضائل الصحابة"، و"فضائل أبي بكر"، و"فضائل الحسن والحسين"، و"التاريخ"، و"الأسماء والكنى"، و"الرسالة في الصلاة"، و"رسائل في السنة
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: "تهذيب الكمال "١/ ٤٣٧- ٤٧٠"، سير أعلام النبلاء "١١/ ١٧٧- ٣٥٨"، طبقات ابن سعد "٧/ ٣٥٤- ٣٥٥"، التاريخ الكبير "٢/ ٥"، التاريخ الصغير "٢/ ٣٧٥"، الجرح والتعديل "١/ ٢٩٢- ٣١٣"، "٢/ ٦٨- ٧٠"، حلية الأولياء "٩/ ١٦١- ٢٣٣"، تاريخ بغداد "٤/ ٤١٢- ٤٢٣"، طبقات الحنابلة "١/ ٤ - ٢٠"، تهذيب الأسماء واللغات "١/ ١١٠ - ١١٢"، وفيات الأعيان "١/ ٦٣- ٦٥"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٤٣١"، العبر "١/ ٤٣٥"، تذهيب التهذيب "١/ ٢٢"، الوافي بالوفيات "٦/ ٣٦٣- ٣٦٩"، طبقات الشافعية للسبكي "٢/ ٢٧- ٣٧"، البداية والنهاية "١٠/ ٣٢٥- ٣٤٣"، النجوم الزاهرة "٢/ ٣٠٤ - ٣٠٦"، طبقات الحفاظ "ص١٨٦"، شذرات الذهب "٢/ ٩٦- ٩٨"، طبقات المفسرين "١/ ٧٠"، التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة "١/ ٦٩ - ٧١".
[ ٣٩٣ ]
والأشربة"، و"جوابات وأسئلة، و"طاعة الرسول ﷺ"، و"الرد على الزنادقة والجهمية وأهل الأهواء في متشابه القرآن"، وغير ذلك.
ومشايخه أعيان السلف، وأئمة الخلف، وأصحابه خلق كثير لا يحصيهم عدد ولا يحويهم بلد، وقيل: مائة ألف أو يزيدون، وروى الفقه عنه أكثر من مائتي نفس، أكثرهم أئمة أصحاب تصانيف، وروى عنه الحديث أكابر؛ كعبد الرزاق، وابن عُلية، وابن مهدي، ووكيع، وقتيبة، وابن المديني، وخلق غيرهم، وما من مسألة في الفروع والأصول إلا له فيها قول أو أكثر نصًّا أو إيماء.
- مسند الإمام أحمد:
"المسند" للإمام أحمد بن حنبل أعظم كتب الحديث، وقد شهد المحدثون وغيرهم قديمًا وحديثًا بأنه أجمع المصنفات في الحديث الشريف، وأوعاها لكل ما يحتاج إليه المسلم في أمور الدين والدنيا.
ومن مسماه يتبين أنه جمع الأحاديث المسندة أو المرفوعة إلى رسول الله -ﷺ- وأنه اهتم بجمع أحاديث كل صحابي على حدة، دون أن يهتم بالترتيب الموضوعي أو الفقهي.
كما أنه جمع بين الصحيح والضعيف بحيث يصعب على أهل عصرنا -سوى القليل من المتخصص منهم- التمييز بين أسانيد هذه الأحاديث، ولم تكن هذه الصعوبة لدى أهل عصره؛ لحفظهم وضبطهم وخبرتهم.
- عدد أحاديثه:
اشتمل على أربعين ألفًا بالمكرر١ وثلاثين ألفًا بدون المكرر، وهو كغيره من مصنفات الحديث لم يستوعب أحاديث رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ قال ذلك الحسيني في كتابه التذكرة في رجال العشرة، كما حكاه السيوطي في التدريب "١/ ٢١٣".
[ ٣٩٤ ]
قال الحافظ ابن كثير: "لا يوازي مسند أحمد كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته، وقد فاته أحاديث كثيرة جدًّا، بل قيل: إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبًا من مائتين"١.
وقال عبد الله بن أحمد: خرَّج أبي المسند في سبعمائة ألف حديث٢.
- أقسام المسند من حيث الرواية:
المسند المطبوع ليس كله من رواية الإمام أحمد؛ ولكن أضاف إليه ابنه عبد الله زيادات ليست من رواية أبيه، وكذلك فعل أبو بكر القطيعي راوي المسند عن عبد الله بن أحمد.
قال الأستاذ المحدث أحمد البنا الشهير بالساعاتي في مقدمة الفتح الرباني: بتتبعي لأحاديث المسند وجدتها تنقسم إلى ستة أقسام:
قسم رواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه سماعًا منه وهو المسمى بمسند الإمام أحمد، وهو كبير جدًّا يزيد عن ثلاثة أرباع الكتاب.
وقسم سمعه عبد الله من أبيه، ومن غيره، وهو قليل جدًّا.
وقسم رواه عن غير أبيه، وهو المسمى عند المحدثين بزوائد عبد الله، وهو كثير بالنسبة للأقسام كلها عدا القسم الأول.
وقسم قرأه "عبد الله" على "أبيه"، ولم يسمعه منه، وهو قليل.
وقسم لم يقرأه ولم يسمعه؛ ولكنه وجده في كتاب أبيه بخط يده.
وقسم رواه الحافظ أبو بكر القطيعي عن غير عبد الله وأبيه -رحمهما الله تعالى- وهو أقل الجميع.
_________________
(١) ١ نقلًا عن: تدريب الراوي "١/ ٢١٣"، طبع مؤسسة الرسالة، بيروت. ٢ التذكرة بمعرفة رجال العشرة "١/ ٧٠" لأبي المحاسن محمد بن علي العلوي الحسيني "٧١٥- ٧٦٥هـ"، الناشر، مكتبة الخانجي القاهرة، تحقيق أ. د. رفعت فوزي عبد المطلب.
[ ٣٩٥ ]
فهذه ستة أقسام، وكل هذه الأقسام من المسند، إلا الثالث فإنه من زوائد عبد الله، والسادس من زوائد القطيعي١.
سمع المسند من الإمام أحمد أولاده الثلاثة: صالح، وعبد الله، وحنبل.
قال عثمان بن السباك: حدثنا حنبل قال: جمعنا أحمد بن حنبل: أنا، وصالح، وعبد الله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه غيرنا، وقال لنا: هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفًا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله -ﷺ- فارجعوا إليه، فإن وجدتموه، وإلا فليس بحجة٢.
- درجة أحاديث المسند:
للعلماء في درجة أحاديث المسند أقوال:
القول الأول: إن ما فيه من الأحاديث حجة، وهو ظاهر عبارة الإمام السابقة التي رواها ابن السباك عن حنبل عن الإمام، وفي معناه ما روى أبو موسى المديني عن الإمام أحمد أنه سئل عن حديث فقال: انظروه فإن كان في المسند وإلا فليس بحجة، وما قاله أبو موسى المديني أيضًا في كتابه "خصائص المسند"٣ قال: وهذا الكتاب أصل كبير، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتُقي من حديث كثير ومسموعات وافرة، فجعله صاحبه إمامًا ومعتمدًا، وعند التنازع ملجأ ومستندًا، قال: ولم يخرج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته دون من طعن في أمانته. قال: ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد -﵀- مسنده قد احتاط فيه إسنادًا ومتنًا ولم يورد فيه إلا ما صح عنده -ما رواه القطيعي. قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت أبا زرعة يحدث عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال:
_________________
(١) ١ مقدمة الفتح الرباني "ص١٩ وما بعدها". ٢ المصدر السابق "ص٨". ٣ السابق "ص٢٧".
[ ٣٩٦ ]
"يهلك أمتي هذا الحي من قريش" قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: "لو أن الناس اعتزلوهم". قال عبد الله: قال لي أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث، فإنه خلاف الأحاديث عن النبي -ﷺ- يعني قوله: "اسمعوا وأطيعوا". فهذا الحديث مع ثقة رجال إسناده حين شذ لفظه عن المشاهير أمر بالضرب عليه فقال عليه ما قلنا، وفيه نظائر له.
قال الأستاذ المحدِّث الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا:
هذا مثال لشدة احتياط الإمام أحمد في المتن، وأما احتياطه في السند، فقد روى القطيعي قال: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا علي بن ثابت الجزري، عن ناصح أبي عبد الله، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة: أن النبي -ﷺ- قال: "لأن يؤدب الرجل ولده -أو أحدكم ولده- خير له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع" قال عبد الله: وهذا الحديث لم يخرجه أبي في مسنده من أجل ناصح؛ لأنه ضعيف في الحديث، وأملاه عليَّ في النوادر١. اهـ.
القول الثاني: إن فيه الصحيح والضعيف والموضوع، فقد ذكر ابن الجوزي في الموضوعات تسعة وعشرين حديثًا منه، وحكم عليها بالوضع، وزاد الحافظ العراقي عليه تسعة أحاديث حكم عليها بالوضع وجمعها في جزء، قال العراقي ردًّا على من قال: إن أحمد شرط في مسنده الصحيح: لا نسلم ذلك والذي رواه عنه أبو موسى المديني أنه سئل عن حديث فقال: انظروه فإن كان في المسند، وإلا فليس بحجة، فهذا ليس بصريح في أن كل ما فيه حجة؛ وإنما هو صريح في أن ما ليس فيه ليس بحجة، قال: على أن ثَمَّ أحاديث صحيحة مخرجة في الصحيحين وليست فيه، منها حديث عائشة في قصة أم زرع، قال: وأما وجود الضعيف فيه فهو محقق؛ بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء، ولعبد الله ابنه فيه زيادات فيها الضعيف والموضوع٢.
_________________
(١) ١ مقدمة الفتح الرباني "ص٩". ٢ تدريب الراوي "١/ ٢١٢" طبع مؤسسة الرسالة، بيروت.
[ ٣٩٧ ]
وقد صوَّر لنا ابن الجوزي استغراب معاصريه من أن يكون في "المسند" ما ليس بصحيح، فقال: كان قد سألني بعض أصحاب الحديث: هل في "مسند الإمام أحمد" ما ليس بصحيح؟ فقلت: نعم. فعظم ذلك جماعة ينتسبون إلى المذهب، فحملت أمرهم على أنهم عوام، وأهملت فكر ذلك، وإذا بهم قد كتبوا فتاوى، فكتب فيها جماعة من أهل خراسان منهم أبو العلاء الهمذاني، يعظمون هذا القول ويردونه، ويُقبحون قول من قاله، فبقيت دَهِشًا متعجبًا، وقلت في نفسي: واعجبًا، صار المنسبون إلى العلم عامة أيضًا! وما ذاك إلا أنهم سمعوا الحديث، ولم يبحثوا عن صحيحه وسقيمه، وظنوا أن من قال ما قلته قد تعرض للطعن فيما أخرجه أحمد، وليس كذلك، فإن الإمام أحمد روى المشهور والجيد والرديء، ثم هو قد رد كثيرًا مما روى ولم يقل به، ولم يجعله مذهبًا له، ومن نظر في كتاب "العلل" الذي صنفه أبو بكر الخلال رأى أحاديث كثيرة كلها في "المسند"، وقد طعن فيها أحمد١.
وقال الحافظ السخاوي في "شرح الألفية"٢: والحق أن في مسند أحمد أحاديث كثيرة ضعيفة، وبعضها أشد في الضعف من بعض حتى إن ابن الجوزي أدخل كثيرًا منها في موضوعاته؛ ولكن قد تعقبه في بعضها الحافظ العراقي في جزء له، وفي سائرها الحافظ ابن حجر، وحقق نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاء وتحريرًا من الكتب التي لم تلتزم الصحة في جمعها. اهـ.
القول الثالث: إن فيه الصحيح والضعيف الذي يقرب من الحسن، ومن ذهب إلى ذلك من الحفاظ: أبو عبد الله الذهبي، وابن حجر العسقلاني، وابن تيمية، والسيوطي، وإليك أقوالهم في ذلك: قال الحافظ السيوطي في خطبة الجامع الكبير ما لفظه: "وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول؛ فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن"، وقال الحافظ ابن حجر في كتابه "تعجيل المنفعة في رجال
_________________
(١) ١ صيد الخاطر "ص٢٤٥، ٢٤٦". ٢ شرح الألفية "١/ ٨٩".
[ ٣٩٨ ]
الأربعة": "ليس في المسند حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة، منها حديث عبد الرحمن بن عوف: "أنه يدخل الجنة زحفًا"، والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه، فترك سهوًا، أو ضرب وكتب من تحت الضرب".
وقال ابن تيمية في كتابه "منهاج السُّنَّة": "شرط أحمد في المسند ألا يروي عن المعروفين بالكذب عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف قال: ثم زاد عبد الله بن أحمد زيادات على المسند ضمت إليه، وكذلك زاد أبو بكر القطيعي، وفي تلك الزيادات كثير من الأحاديث الموضوعة، فظن مَن لا علم عنده أن ذلك من رواية أحمد في مسنده"١.
وقال الحافظ الذهبي: "ولو أنه -يعني عبد الله بن الإمام أحمد- حرر ترتيب المسند وقربه وهذبه لأتى بأسنى المقاصد، ولعل الله -﵎- أن يقيض لهذا الديوان السامي من يخدمه، ويبوب عليه، ويتكلم على رجاله، ويرتب هيئته ووضعه، فإنه محتوٍ على أكثر الحديث النبوي، وقل أن يثبت حديث إلا وهو فيه".
قال: "وأما الحسان فما استوعبت فيه؛ بل عامتها -إن شاء الله تعالى- فيه، وأما الغرائب وما فيه لين، فروى من ذلك الأشهر وترك الأكثر مما هو مأثور في السنن الأربعة ومعجم الطبراني الأكبر والأوسط، ومسندي أبي يعلى والبزار، وأمثال ذلك قال ومن سعد مسند الإمام أحمد قل أن تجد فيه خبرًا ساقطًا"٢.
قال محمد أبو زهو تحت عنوان: "الجمع بين أقوال العلماء في مسند أحمد":
"يمكن إرجاع القولين الأولين إلى القول الثالث، وبذلك لا يكون هناك خلاف في درجة أحاديث المسند، فمن حكم على بعض أحاديثه بالوضع نظر إلى ما زاده فيه أبو بكر القطيعي وعبد الله بن الإمام أحمد، والقول بحجية ما فيه من الأحاديث
_________________
(١) ١، ٢ منهاج السُّنة لابن تيمية "ص٣٧".
[ ٣٩٩ ]
لا ينافي القول بأن فيه الضعيف، فإن الضعيف فيه دائر بين الحسن لذاته والحسن لغيره، وكلاهما مما يحتج به عند العلماء"١.
قلت: ولا يغض من قيمة المسند ما جاء فيه من أحاديث ضعيفة؛ فإنها صالحة للترقي إلى درجة الحسن لغيره بما لها من متابعات وشواهد. كما أن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يأخذ بالضعيف ويعمل به، ويقدمه على القياس، بشرط ألا يكون ضعفه شديدًا، وألا يكون في الباب غيره، فقد قال لابنه عبد الله: لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب ما يدفعه٢.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية٣: إن تعدد الطرق مع عدم التشاعر والاتفاق في العادة يُوجب العلم بمضمون المنقول، وفي مثل هذا ينتفع برواية المجهول، والسيئ الحفظ، وبالحديث المرسل، ونحو ذلك؛ ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث، ويقولون: إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره. قال الإمام أحمد: قد أكتب حديث الرجل لأعتبره.
وقال شيخ الإسلام أيضًا٤: وقد يروي الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما أحاديث تكون ضعيفة عندهم لاتهام رواتها بسوء الحفظ، ونحو ذلك؛ ليعتبر بها ويستشهد بها، فإنه قد يكون لذلك الحديث ما يشهد أنه محفوظ، وقد يكون له ما يشهد بأنه خطأ، وقد يكون صاحبها كذابًا في الباطن ليس مشهورًا بالكذب؛ بل يروي كثيرًا من الصدق، فيُروى حديثه، وليس كل ما رواه الفاسق يكون كذبًا؛ بل يجب التبيُّن في خبره كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فيروى لتُنظر سائر الشواهد هل تدل على الصدق أو الكذب.
_________________
(١) ١ الحديث والمحدثون "ص٣٧٥" لمحمد محمد أبو زهو، طبع دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٤ هـ-١٩٨٤م. ٢ خصائص المسند "ص٢٧". ٣ مقدمة أصول التفسير "ص٣٠". ٤ منهاج السُّنَّة "٤/ ١٥".
[ ٤٠٠ ]
وقال -﵀- أيضًا: وليس كل ما رواه أحمد في "المسند" وغيره يكون حجة عنده؛ بل يروي ما رواه أهل العلم، وشرطه في "المسند" ألا يروي عن المعروفين بالكذب عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف١.
وقال الإمام الذهبي عن "المسند": فيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها، ولا يجب الاحتجاج بها٢.
وكذلك قال الحافظ العراقي فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في "القول المسدَّد": إن في "المسند" أحاديث ضعيفة كثيرة٣.
وقال الحافظ ابن حجر: "ومسند أحمد" ادَّعى قوم فيه الصحة، وكذا في شيوخه، وصنَّف الحافظ أبو موسى المديني في ذلك تصنيفًا، والحق أن أحاديثه غالبها جياد، والضعاف منها إنما يوردها للمتابعات، وفيه القليل من الضعاف الغرائب الأفراد، أخرجها، ثم صار يضرب عليها شيئًا فشيئًا، وبقي منها بعده بقية٤.
ومما يجب التنبيه عليه، فإن تحسين الحديث الضعيف بتعدد طرقه وشواهده مذهب درج عليه الأئمة المتقدمون من حفاظ الحديث وخبراء العلل نحو: الإمام أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ويحيى بن معين، وأمثالهم، وارتضاه المتأخرون وساروا عليه وأخذوا به مثل: الحافظ المنذري، والعراقي، والذهبي، وابن حجر العسقلاني، وابن كثير الدمشقي، والزيلعي، وغيرهم.
وقال الحافظ ابن حجر في نُكَتِه على ابن الصلاح٥: وأما علي بن المديني فقد
_________________
(١) ١ المصدر السابق "٤/ ٢٧". ٢ سير أعلام النبلاء "١١/ ٣٢٩". ٣ القول المسدد في الذب على المسند "ص٣". ٤ تعجيل المنفعة "ص٦". ٥ النكت على ابن الصلاح "١/ ٤٢٦".
[ ٤٠١ ]
أكثر من وصف الأحاديث بالصحة والحسن في "مسنده"١ وفي "علله"، وظاهر عبارته أنه قصد المعنى الاصطلاحي، وكأنه الإمام السابق لهذا الاصطلاح، وعنه أخذ البخاري ويعقوب بن شيبة وغير واحد، وعن البخاري أخذ الترمذي.
فمن ذلك ما ذكره الترمذي في "العلل الكبير"٢ أنه سأل البخاري عن أحاديث التوقيت في المسح على الخفين، فقال: حديث صفوان بن عسَّال صحيح، وحديث أبي بكرة -﵁- حسن.
وذكر الترمذي في سننه أنه سأل البخاري عن حديث شريك بن عبد الله النخعي، عن أبي إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح، عن رافع بن خديج -﵁- قال: إن النبي -ﷺ- قال: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته"، وهو من أفراد شريك عن أبي إسحاق، فقال البخاري: هو حديث حسن٣.
وقال في "العلل"٤ بعد أن أورد حديث عثمان من طريق عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان أن النبي -ﷺ- كان يخلل لحيته. قال محمد -يعني البخاري: أصح شيء عندي في التخليل حديث عثمان.
_________________
(١) ١ وقد نقل الحافظ ابن كثير في "مسند عمر" قول علي بن المديني في جملة أحاديث: حديث حسن، أو إسناد حسن، أو صالح الإسناد، أو إسناد جيد، انظرها في "مسند عمر" "١/ ١١١ و١٣٢ و٢٧٧ و٢٨٨ و٣٠٧ و٣٣٣ و٣٥٧ و٥١٢ و٥٢٦ و٥٤٤ و٦٠٥". ٢ "١/ ١٧٥" وحديث صفوان الذي أشار إليه موجود في شرائط الصحة، وحديث أبي بكرة رواه ابن ماجه "٥٥٦" من رواية المهاجر أبي مخلد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه ﵁، والمهاجر قال فيه وهيب: إنه كان غير حافظ، وقال ابن معين: صالح، وقال الساجي: صدوق، وقال أبو حاتم: لين الحديث، يُكتب حديثه، فهذا على شرط الحسن لذاته. ٣ سنن الترمذي "حديث رقم ١٣٦٦" وتفرد شريك يحول دون الاحتجاج بما تفرد به؛ لكنه اعتضد بحديث عقبة بن الأصم عن عطاء عن رافع -﵁- الذي رواه الترمذي أيضًا في نفس الموضع "في حديث ١٣٦٦" فوصفه بالحسن. ٤ العلل للترمذي "١/ ١١٢".
[ ٤٠٢ ]
قلت "أي الترمذي": إنهم يتكلمون في هذا الحديث، فقال: هو حسن.
وفي الصحيحين أحاديث في أسانيدها رواة تنزل درجتهم عن رتبة أهل الضبط التام، مما يقال في أسانيد رواياتهم بأنها حسنة.
وقال الإمام الذهبي في "الموقظة"١ أعلى مراتب الحسن:
١- بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده.
٢- وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
٣- ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
٤- وابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، وأمثال ذلك.
وهو قسم متجاذب بن الصحة والحسن، فإن عدة من الحفاظ يصححون هذه الطرق، وينعتونها بأنها من أدنى مراتب الصحيح.
وقال الإمام الحافظ العلامة سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني المتوفَّى سنة ٨٠٥هـ في "محاسن الاصطلاح"٢: قد أكثر يعقوب بن شيبة تلميذ علي بن المديني من تحسين الأحاديث في كتابه، وفي مواضع كثيرة يجمع بين الحسن والصحة، وجمع أبو علي الطوسي شيخ أبي حاتم الرازي في كتابه "الأحكام" بين الحسن والصحة والغرابة إثر كل حديث، وكان معاصرًا للترمذي.
هذا، وقد صرح الإمام الذهبي بأن في المسند أحاديث قليلة جدًّا شديدة الضعف، فقال في كلامه عن "المسند" في "السير": "وفي أحاديث معدودة شبه موضوعة؛ ولكنها قطرة في بحر"٣.
وقد صنفها بعض النقاد في الموضوعات، فبلغت ثمانية وثلاثين حديثًا، ناقش
_________________
(١) ١ الموقظة للذهبي "ص٣٢". ٢ محاسن الاصطلاح "ص١٠٩". ٣ سير أعلام النبلاء "١١/ ٣٢٩".
[ ٤٠٣ ]
معظمها الإمام الحجة شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتاب سماه: "القول المسدد في الذب عن المسند"، وقال في خطبة هذا الكتاب النفيس: "ذكرت في هذه الأوراق ما حضرني من الكلام على الأحاديث التي زعم بعض أهل الحديث أنها موضوعة، وهي في مسند أحمد؛ ذبًّا عن هذا التصنيف العظيم الذي تلقته الأمة بالقبول والتكريم، وجعله أمامهم حجة يرجع إليه ويعول عند الاختلاف عليه"، ثم سرد الأحاديث التي جمعها العراقي في جزء وحكم عليها بالوضع، وهي تسعة وأضاف إليها خمسة عشر حديثًا أوردها ابن الجوزي في الموضوعات، وهي فيه، وأجاب عنها حديثًا حديثًا.
قال السيوطي: وقد فاته أحاديث أخر أوردها ابن الجوزي، وهي فيه، وجمعتها في جزء سميته "الذيل الممهد"، وعدتها أربعة عشر حديثًا١.
قال الشوكاني: وقد حقق الحافظ نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاء وتحريرًا من الكتب التي لم يلتزم مصنفوها الصحة في جميعها، وليست الأحاديث الزائدة فيه على الصحيحين بأكثر ضعفًا من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي.
- عناية الأمة بمسند الإمام أحمد بن حنبل ﵀:
اهتم العلماء في كافة الأمصار والأعصار بمسند الإمام أحمد، وضربوا لسماعه أكباد الإبل، فقد حوى معظم الحديث النبوي الشريف، والذي جمعه الإمام وانتقاه ليكون مثابة للناس وإمامًا، كما صرح هو نفسه بذلك، فقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: لِمَ كرهت وضع الكتب، وقد عملت المسند؟ فقال: عملت هذا الكتاب إمامًا، إذا اختلف الناس في سنة رسول الله -ﷺ- رُجِعَ إليه"٢، فكان له
_________________
(١) ١ تدريب الراوي "١/ ٢١٢" طبع مؤسسة الرسالة، بيروت. ٢ التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة "١/ ٧٠" في الترجمة رقم "٢٤٠" لأبي محاسن محمد بن علي العلوي الحسيني "٧١٥-٧٦٥هـ"، الناشر مكتبة الخانجي بالطاهرة، تحقيق أ. د. رفعت فوزي عبد المطلب. وانظر: خصائص المسند لأبي موسى المديني "ص٢٢" في مقدمة الجزء الأول من المسند، تحقيق الشيخ أحمد شاكر.
[ ٤٠٤ ]
ذلك، وقد تجلت عناية علماء الأمة به من خلال حرصهم على سماعه، وقراءته، وحفظه، وشرح غريبه، واختصاره، وترتيبه.
قال الحافظ أبو موسى المديني: إن مما أنعم الله علينا أن رزقنا سماع كتاب "المسند" للإمام الكبير إمام الدين أبي عبد الله أحمد١.
ويصور الحافظ أبو موسى ما كان يجده المحدث في نفسه من غبطة وفخر إذا وقع له جزء من أجزاء هذا "المسند" فيقول٢: ولعمري إن مَن كان من قبلنا من الحفاظ يتبجحون بجزء واحد يقع لهم من حديث هذا الإمام الكبير.
ويستشهد أبو موسى المديني لقوله هذا بذكر ما قاله أبو محمد المزني -وهو "بشهادة المديني" من الحفاظ الكبار المكثرين- لرجل قدم عليه من بغداد كان أقام بها على كتابة الحديث، إذ سأله أبو محمد المزني، وذلك في سنة ست وخمسين وثلاثمائة، عن فائدته ببغداد، وعن باقي إسناد العراق، فقال في جملة ما ذكر: سمعت "مسند" أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- من أبي بكر بن مالك في مائة وخمسين جزءًا، فعجب أبو محمد المزني من ذلك، وقال: مائة وخمسون جزءًا من حديث أحمد بن حنبل! كنا ونحن بالعراق إذا رأينا عند شيخ من شيوخنا جزءًا من حديث أحمد بن حنبل قضينا العجب من ذلك، فكيف في هذا الوقت هذا "المسند" الجليل!
ثم ذكر المديني كيف أن الحاكم لم يبدأ بتأليف كتابه "المستدرك على الصحيحين" إلا بعد أن أقام في بغداد أشهرًا، وسمع جملة "المسند" من أبي بكر مالك القطيعي.
وسئل الشيخ الإمام الحافظ أبو الحسين علي ابن الشيخ الإمام الحافظ الفقيه محمد اليونيني -رحمهما الله تعالى- فيما رواه ابن الجزري٣: أنت تحفظ الكتب
_________________
(١) ١، ٢ خصائص المسند "ص٢٠". ٣ المصعد الأحمد "ص٣٢"، مقدمة الجزء الأول للمسند.
[ ٤٠٥ ]
الستة؟ فقال: أحفظها وما أحفظها، فقيل له: كيف هذا؟ فقال: أنا أحفظ "مسند" أحمد، وما يفوت "المسند" من الكتب الستة إلا قليل، أو قال: وما في الكتب هو في "المسند" يعني إلا قليل، وأصله في "المسند"، فأنا أحفظها بهذا الوجه.
وفي كشف الظنون: جمع غريبه أبو عمر محمد بن عبد الواحد المعروف بغلام ثعلب في كتاب، وتوفي سنة "٣٤٥"، واختصره الشيخ الإمام سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقن الشافعي المتوفى سنة "٨٠٥هـ" خمس وثمانمائة، وعليه تعليقه للسيوطي في إعرابه سماها: الزبرجد، وقد شرح المسند أبو الحسن بن عبد الهادي السندي، نزيل المدينة المنورة المتوفى سنة "١١٣٩هـ" شرحًا كبيرًا نحوًا من خمسين كراسة كبار، واختصره الشيخ زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبي١.
وقال الحافظ ابن الجزري: أقام الله تعالى لترتيبه شيخنا خاتمة الحفاظ أبا بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت، فرتبه على معجم الصحابة، ورتب الرواة كذلك كترتيب الأطراف، تعب فيه تعبًا كثيرًا، ثم إن شيخنا الإمام مؤرخ الإسلام وحافظ الشام عماد الدين أبا الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير -رحمه الله تعالى- "ت ٧٧٤هـ" أخذ هذا الكتاب المرتب من مؤلفه، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي، وجهد نفسه كثيرًا، وتعب فيه تعبًا عظيمًا، فجاء لا نظير له في العالم وأكمله إلا بعض مسند أبي هريرة، فإنه قبل أن يكمله كف بصره ومات، وقال رحمه الله تعالى: لا زلت أكتب فيه في الليل والسراج ينونص حتى ذهب بصري معه، ولعل الله أن يقيض له من يكمله مع أنه سهل. فإن معجم الطبراني الكبير لم يكن فيه شيء من مسند أبي هريرة ﵁.
واسم هذا الكتاب الذي ألفه ابن كثير "جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم
_________________
(١) ١ كشف الظنون "٢/ ٢٦٥".
[ ٤٠٦ ]
سنن"، ويوجد منه في دار الكتب المصرية ثمانية أجزاء١، وقد رتب المسند على الأبواب بعض الحفاظ الأصبهانيين، وكذا الحافظ ناصر الدين بن رزيق وغيره، ورتبه على حروف المعجم الحافظ أبو بكر محمد بن أبي محمد عبد الله المقدسي الحنبلي٢، وقد رتب المسند على الأبواب ترتيبًا متقنًا مهذبًا الشيخ المحدث العلامة أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الشهير بالساعاتي، وجعله سبعة أقسام: قسم التوحيد وأصول الدين، وقسم الفقه، وقسم التفسير، وقسم الترغيب، وقسم الترهيب، وقسم التاريخ، وقسم القيامة وأحوال الآخرة، على هذا الترتيب، وكل قسم من هذه الأقسام السبعة يشتمل على جملة كتب، وكل كتاب يندرج تحته جملة أبواب، وبعض الأبواب يدخل فيه جملة فصول، وفي أكثر تراجم الأبواب ما يدل على مغزى أحاديث الباب، وسمى هذا الكتاب "الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني"، ثم شرح كتابه هذا وخرج أحاديثه في كتاب آخر سماه "بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني" جعله معه.
ويكفي لتعليل هذه العناية الكبرى التي لقيها هذا "المسند" أن نذكر ما قاله فيه ابن الجزري٣ حين وصفه فقال: هو كتاب لم يُروَ على وجه الأرض كتاب في الحديث أعلى منه.
_________________
(١) ١ مقدمة الفتح الرباني، وطبع "جامع المسانيد والسنن" في بيروت، دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع. ٢ الرسالة المستطرفة "١٥، ١٦". ٣ المصعد الأحمد "ص٢٩، ٣٠".
[ ٤٠٧ ]