هو: أبو عبد الله محمد بن يزيد الرَّبَعِي القزويني. ذكره الحافظ أبو علي الخليل بن عبد الله الخليلي القزويني في رجال قزوين، وقال فيه: "ثقة كبير، متفق عليه، محتج به، له معرفة بالحديث وحفظٌ، وله مصنفات في السنن، والتفسير، والتاريخ". وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء "١٣/ ٢٧٩": "الحافظ الكبير، الحجة، المفسر، مصنف "السنن"، و"التاريخ" و"التفسير"، وحافظ قزوين في عصره". وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: "أحد الأئمة، حافظ، صنف السنن والتفسير والتاريخ"١.
- سنن ابن ماجه: منهجه وشروطه:
المتقدمون من أهل الحديث وكثير من محققي المتأخرين عدوا أصول كتب الحديث الخمسة: الصحيحين، وسنن النسائي، وأبي داود، والترمذي، وخالفهم بعض المتأخرين، فعد الأصول ستة، بإضافة ابن ماجه إلى الخمسة المذكورة؛ وذلك لأنهم رأوا كتابه مفيدًا عظيم النفع في الفقه.
وأول من أضافه إلى الخمسة الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي المتوفَّى سنة "٥٠٧" في أطراف الكتب الستة له، وكذلك في كتابه شروط الأئمة الستة، ثم الحافظ عبد الغني المقدسي في كتابه "الإكمال في أسماء الرجال" -أي: رجال الكتب الستة- وهو الذي هذبه الحافظ المزي، وتبعهما على ذلك أصحاب الأطراف والرجال، ولما كان ابن ماجه قد أخرج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث قال بعضهم: ينبغي أن يجعل السادس كتاب الدارمي، فإنه قليل الرجال الضعفاء، نادر الأحاديث المنكرة والشاذة، وإن كانت فيه أحاديث
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: تهذيب الكمال "٢٧/ ٤٠- ٤٢"، تهذيب التهذيب "٩/ ٥٣٠- ٥٣٢"، تقريب التهذيب "ص٥١٤" ترجمة رقم "٦٤٠٩"، خلاصة الخزرجي "٢/ ترجمة رقم ٦٧٧٠"، شذرات الذهب "٢/ ٦٤"، تذكرة الحفاظ "٢/ ٦٣٦"، سير أعلام النبلاء "١٣/ ٢٧٧"، العبر "٢/ ٥١"، الوافي بالوفيات "٥/ ٢٢، وفيات الأعيان "٤/ ٢٧٩"، النجوم الزاهرة "٣/ ٧٠"، طبقات الحفاظ "ص٢٨٧- ٢٧٩"، طبقات المفسرين "٢/ ٢٧٢"، البداية والنهاية "١١/ ٥٢".
[ ٣٨٧ ]
مرسلة وموقوفة، فهو مع ذلك أولى منه، وجعل آخرون الموطأ هو السادس لصحته وجلالته، كرزين السرقسطي المتوفَّى سنة "٥٣٥هـ" في كتابه "تجريد الصحاح"، وتبعه ابن الأثير في جامع الأصول، وكذا غيره١.
وكتاب السنن لابن ماجه مصنَّف على الكتب والأبواب، كالسنن الثلاثة السابقة، وقد اشتمل على سبعة وثلاثين كتابًا.
وقد بدأه ابن ماجه بالمقدمة التي اشتملت على أربعة وعشرين بابًا:
١- باب اتباع سنة رسول الله ﷺ.
٢- باب تعظيم حديث رسول الله -ﷺ- والتعظيم على من عارضه.
٣- باب التوقي في الحديث عن رسول الله ﷺ.
٤- باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله ﷺ.
٥- باب من حدث عن رسول الله -ﷺ- حديثًا وهو يرى أنه كذب.
٦- باب اتباع سُنة الخلفاء الراشدين المهديين.
٧- باب اجتناب البدع والجدل.
٨- باب اجتناب الرأي والقياس.
٩- باب في الإيمان.
١٠- باب في القدر.
١١- باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ.
١٢- باب في ذكر الخوارج.
١٣- باب فيما أنكرت الجهمية.
١٤- باب من سن سنة حسنة أو سيئة.
١٥- باب من أحيا سنة قد أميتت.
١٦- باب فضل من تعلم القرآن وعلمه.
_________________
(١) ١ الحديث والمحدثون، لمحمد محمد أبو زهر "ص٤١٨، ٤١٩".
[ ٣٨٨ ]
١٧- باب فضل العلماء والحث على طلب العلم.
١٨- باب من بلغ علمًا.
١٩- باب من كان مفتاحًا للخير.
٢٠- باب ثواب معلم الناس الخير.
٢١- باب من كره أن يوطأ عقباه.
٢٢- باب الوصاة بطلبة العلم.
٢٣- باب الانتفاع بالعلم والعمل به.
٢٤- باب من سئل عن علم فكتمه.
ثم رتب كتابه على الكتب الفقهية، كما صنع أصحاب السنن الثلاثة السابقة:
١- كتاب الطهارة.
٢- كتاب الصلاة.
٣- كتاب الأذان والسنة فيها.
٤- كتاب المساجد والجماعات.
٥- كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها.
٦- كتاب الجنائز.
٧- كتاب الصيام.
٨- كتاب الزكاة.
٩- كتاب النكاح.
١٠- كتاب الطلاق.
١١- كتاب الكفارات.
١٢- كتاب التجارات.
١٣- كتاب الأحكام.
١٤- كتاب الهبات.
١٥- كتاب الصدقات.
١٦- كتاب الرهون.
١٧- كتاب الشفعة.
١٨- كتاب اللقطة.
١٩- كتاب العتق.
٢٠- كتاب الحدود.
٢١- كتاب الديات.
٢٢- كتاب الوصايا.
٢٣- كتاب الفرائض.
٢٤- كتاب الجهاد.
٢٥- كتاب المناسك.
٢٦- كتاب الأضاحي.
٢٧- كتاب الذبائح.
٢٨- كتاب الصيد.
[ ٣٨٩ ]
٢٩- كتاب الأطعمة.
٣٠- كتاب الأشربة.
٣١- كتاب الطب.
٣٢- كتاب اللباس.
٣٣- كتاب الأدب.
٣٤- كتاب الدعاء.
٣٥- كتاب تعبير الرؤيا.
٣٦- كتاب الفتن.
٣٧- كتاب الزهد.
وهناك اتفاق من المتخصصين على أن سنن ابن ماجه دون السنن السابقة في الدرجة، ويرجع ذلك إلى كثرة الأحاديث الضعيفة الموجودة فيه إذا قورنت بالأحاديث الضعيفة في السنن السابقة، كما أنه انفرد بإخراج أحاديث عن رواة متهمين بالكذب؛ ولكن ابن ماجه نفسه صرح بأن أبا زرعة الرازي أثنى على سننه، وذكر أن فيه نحوًا من ثلاثين حديثًا ضعيفًا، فقال ابن ماجه فيما نقله الذهبي في السير: "عرضت هذه السنن على أبي زرعة، فنظر فيه، وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع، أو أكثرها، ثم قال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعف أو نحو ذا"١.
ونقل الحافظ المزي نحوه في تهذيب الكمال نقلًا عن الحافظ أبي القاسم بن عساكر.
وقال الحافظ الذهبي في السير أيضًا: "قد كان ابن ماجه حافظًا صادقًا، واسع العلم، وإنما غض من رتبة "سننه" ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات، وقول أبي زرعة -إن صح- فإنما عَنَى بثلاثين حديثًا: الأحاديث المطروحة الساقطة، وأما الأحاديث التي لا تقوم بها حجة -أي بذاتها- فكثيرة، لعلها نحو الألف"٢.
وحصر الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني الهندي في كتابه: ما تمس إليه
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "١٣/ ٢٧٨". ٢ سير أعلام النبلاء "١٣/ ٢٧٨، ٢٧٩".
[ ٣٩٠ ]
الحاجة لمن يطالع سنن ابن ماجه١، حصر أحاديث ابن ماجه التي ذكرها ابن الجوزي، في كتابه "الموضوعات" حديثًا حديثًا، فبلغت أربعة وثلاثين حديثًا، وذكر ما في أسانيدها من مقال، ثم أورد سبعة أحاديث حكم عليها بعض الحفاظ غير ابن الجوزي بالوضع، وذكر ما قيل في أسانيدها، وقال: "وفي سنن ابن ماجه أحاديث كثيرة ضعيفة بعضها أشد في الضعف من بعض، ولو جمعها أحد من علماء هذا الشأن لجاء من مجلد لفيف".
وقال السيوطي في شرحه على مجتبى النسائي المسمى بزهر الربَى: "إن كتاب ابن ماجه قد تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث، وبعض تلك الأحاديث لا تُعرف إلا من جهتهم؛ مثل: حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك، والعلاء بن زيد، وداود بن المحبر، وعبد الوهاب بن الضحاك، وإسماعيل بن زياد الكوفي، وعبد السلام بن يحيى بن أبي الجنوب، وغيرهم".
قال: "وأما ما حكاه ابن طاهر عن أبي زرعة الرازي أنه نظر فيه فقال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما فيه ضعف، فهي حكاية لا تصح لانقطاع سندها، وإن كانت محفوظة، فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة للغاية، أو كان ما رأى من الكتاب إلا جزءًا منه فيه هذا القدر، وقد حكم أبو زرعة على أحاديث كثيرة منها بكونها باطلة أو ساقطة أو منكرة، وذلك محكي في كتاب العلل لأبي حاتم". اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: "إنه انفرد بأحاديث كثيرة، وهي صحيحة، فالأولى حمل الضعيف على الرجال، وقد ألف الحافظ أحمد بن أبي بكر البوصيري كتابًا في زوائده على الخمسة نبه فيه على غالبها".
ونقل العلامة علي القاري في "المرقاة شرح المشكاة" عن الحافظ ابن حجر قوله: "السبيل لمن أراد الاحتجاج بحديث من السنن الأربعة، لا سيما سنن ابن ماجه، ومصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق مما الأمر فيه أشد، أو بحديث
_________________
(١) ١ "ص٣٨-٤٤".
[ ٣٩١ ]
من المسانيد؛ لأن هذه لم يشترط جامعوها الصحة والحسن: إنه كان أهلًا للنقل والتصحيح، فليس له أن يحتج بشيء من القسمين حتى يحيط به، وإن لم يكن أهلًا لذلك، فإن وجد أهلًا لتصحيح أو تحسين قلده، وإلا فلا يقدم على الاحتجاج كحاطب ليل، فلعله يحتج بالباطل، وهو لا يشعر".
وجملة أحاديث سنن ابن ماجه "٤٣٤١" حديثًا.
منها "٣٠٢" حديثًا أخرجها الشيخان، وأصحاب السنن الثلاثة السابقة.
فتكون الزوائد "١٣٣٩" حديثًا، منها الصحيح، والحسن، والضعيف وغيره.
صحيحة الإسناد منها عددها "٤٢٨" حديثًا.
وحسنة الإسناد عددها "١٩٩" حديثًا.
وضعيفة الإسناد عددها "٦١٣" حديثًا.
ويبقى "٩٩" حديثًا واهية الإسناد، أو منكرة، أو مكذوبة.
ولا يوجد حديث مما أخرجه في الأحكام فيه راوٍ متهم بالوضع أو الكذب؛ وإنما ذلك في الفضائل بلا استثناء.
- شروحه ١:
١- شرح محمد بن موسى الدميري المتوفَّى سنة "٨٠٨هـ"، يُسمى "الديباجة" في خمسة مجلدات، ومات قبل تحريره.
٢- شرح جلال الدين السيوطي، يسمى "مصباح الزجاجة على سنن ابن ماجه".
٣- شرح إبراهيم بن محمد الحلبي، المتوفى سنة "٨٤١هـ".
٤- شرح السندي، وهو مطبوع٢.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة السندي لشرح سنن ابن ماجه، مقدمة السيوطي لشرح سنن النسائي، وشروط الأئمة الستة "ص١٦، ١٧"، الرسالة المستطرفة "ص١٠، ١١"، توجيه النظر "ص١٥٣"، مفتاح السنة "ص١٠١"، كشف الظنون "١/ ٤٧٧"، قواعد التحديث "ص٢٣٣". ٢ مخطوطة بدار الكتب المصرية "برقم ١٨٩٤ب"، "حديث تيمور ٥٣٨"، "حديث س١١".
[ ٣٩٢ ]