- نسبه ومولده وإسلامه:
عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزي بن رباح بن قرط بن رزايح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، الإمام القدوة شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المكي، ثم المدني.
ولد في السنة الثانية أو الثالثة من البعثة، وأسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم.
وقال الذهبي: أسلم وهو صغير، ثم هاجر مع أبيه ولم يحتلم، واستُصغر يوم أحد، فأول غزواته الخندق، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وأمه أمُّ أمِّ المؤمنين حفصة: زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون الجمحي٢.
- أوصافه:
قال أبو إسحاق السبيعي: رأيت ابن عمر آدم جسيمًا، إزاره إلى نصف الساقين يطوف٣.
وقال هشام بن عروة: رأيت ابن عمر له جُمَّة٤.
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٠٣-٢٣٩"، وطبقات ابن سعد "٢/ ٣٧٣" و"٤/ ١٤٢-١٨٨"، نسب قريش "٣٥٠ وما بعدها"، المحبر "٤٤٢، ٢٤"، التاريخ الكبير "٥/ ٢" و"٥/ ١٢٥"، التاريخ الصغير "١/ ١٥٥، ١٥٤"، المعرفة والتاريخ "١/ ٤٩٠، ٢٤٩"، الجرح والتعديل "٥/ ١٠٧"، المستدرك "٣/ ٥٥٦"، الحلية "١/ ٢٩٢" و"٢/ ٧"، جمهرة أنساب العرب "١٥٢"، الاستيعاب "٩٥٠"، تاريخ بغداد "١/ ١٧١" طبقات الفقهاء "٤٩"، الجمع بين رجال الصحيحين "٢٣٨/ ١"، تاريخ ابن عساكر: مصورة المجمع ١١/ ١٦٥، جامع الأصول "٩/ ٦٤"، أسد الغابة "٣/ ٢٢٧"، تهذيب الأسماء واللغات "١/ ١/ ٢٧٨"، وفيات الأعيان "٣/ ٢٨"، تهذيب الكمال "١٥/ ٣٣٢/ ٣٤١"، تاريخ الإسلام "٣/ ١٧٧"، العبر "١/ ٨٣"، تهذيب التهذيب "٢/ ١٦٨"، مرآة الجنان "١/ ١٥٤"، البداية والنهاية "٩/ ٤"، مجمع الزوائد "٩/ ٣٤٦"، العقد الثمين "٥/ ٢١٥"، الإصابة "٣٤٧/ ٢"، تهذيب التهذيب "٥/ ٣٢٨"، النجوم الزاهرة "١/ ١٩٢"، خلاصة تهذيب الكمال "١٧٥"، شذرات الذهب "١/ ٨١". ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٠٦". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٠٩". ٤ المصدر السابق، طبقات ابن سعد "٤/ ١٨١". والجمة: شعر الرأس.
[ ١٠٨ ]
ورُوي عن نافع: كان ابن عمر يعفي لحيته إلا في حج أو عمرة١.
وقال أبو بكر البرقي: كان رَبْعةً يخضب بالصفرة٢.
وقال هشام بن عروة: رأيت شعر ابن عمر يضرب منكبيه، وأُتِي به إليه فقبلني٣.
ورُوي عنه بأسانيد بعضها صحيح وبعضها حسن أنه كان يصفر لحيته بالخلوق والزعفران، فقيل له: تصبغ بالصفرة؟ فقال: إني رأيت رسول الله -ﷺ- يصبغ بها٤.
وقال موسى بن دهقان: رأيت ابن عمر يتزر إلى أنصاف ساقيه٥.
وعن نافع: أن ابن عمر اعتم، وأرخاها بين كتفيه٦.
وعن وكيع: عن النضر أبي لؤلؤة، قال: رأيت على ابن عمر عمامة سوداء٧.
وقال ابن سيرين: كان نقش خاتم ابن عمر: "عبد الله بن عمر"٨.
وروى ابن سعد عن ابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر، عن نافع: أن ابن عمر كان يقبض على لحيته، ويأخذ ما جاوز القبضة٩.
وروى البخاري في صحيحه عن نافع: وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته، فما فَضُل أخذه١٠.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٠٨"، وطبقات ابن سعد "٤/ ١٨١" بسند حسن. ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٠٩". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٠٨"، وطبقات ابن سعد "٤/ ١٨١"، ونحوه في تاريخ دمشق لأبي زرعة "١/ ٦١٦". ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٠٨"، طبقات ابن سعد "٤/ ١٨١، ١٨٠، ١٧٩". ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٢"، طبقات ابن سعد "٤/ ١٧٤". ٦ المصدران السابقان. ٧ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٢". ٨ طبقات ابن سعد "٤/ ١٧٦"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٣". ٩ طبقات ابن سعد "٤/ ١٧٨"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٢١". ١٠ صحيح البخاري "١٠/ ٢٩٥، ٢٩٦ فتح".
[ ١٠٩ ]
- أولاده:
قال الذهبي: وأولاده من صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي: أبو بكر، وواقد، وعبد الله، وأبو عبيدة، وعمر، وحفصة، وسودة.
ومن أم علقمة المحاربية: عبد الرحمن، وبه يُكنى.
ومن سُرِّيَّة أخرى: زيد، وعائشة.
ومن أخرى: أبو سلمة وقلابة.
ومن أخرى: بلال، فالجملة ستة عشر١.
وعن أبي مجلز، عن ابن عمر قال: إليكم عني، فإني كنت مع من هو أعلم مني، ولو علمت أني أبقى حتى تفتقروا إليَّ لتعلمت لكم٢.
- مشاهده:
روى البخاري في صحيحه قوله: عرضت على رسول الله -ﷺ- يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني٣.
فالخندق هي أول غزوة شارك فيها، ولم يتخلف عن غزوة أو عن معركة بعدها، فشارك في مؤتة واليرموك وفتح مصر وإفريقية، وقدم الشام والعراق والبصرة وفارس غازيًا، ولم يصح أنه شارك في بدر كما روى علي بن جدعان عن أنس وابن المسيب٤، فهذا خطأ وغلط كما قال الذهبي٥.
وروى البخاري عن البراء قال: عرضت أنا وابن عمر يوم بدر فاستصغرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم٦.
_________________
(١) ١، ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٨". ٣ صحيح البخاري "٧/ ٣٠٢" كتاب المغازي، باب غزوة الخندق. ٤، ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٠٩". ٦ صحيح البخاري "٧/ ٢٢٦" كتاب المغازي، باب عدة أصحاب بدر.
[ ١١٠ ]
وقال مجاهد: شهد ابن عمر الفتح وله عشرون سنة١.
وقال ابن يونس: شهد ابن عمر فتح مصر، واختط بها، وروى عنه أكثر من أربعين نفسًا من أهلها٢.
وقد أضافت أمجاده الحربية إليه مكانة في النفوس وخاصة أهل الشام.
- علمه وفتواه:
لقد تربَّى ابن عمر في مدرسة النبوة واغترف من فيوضها، وكان من النابهين فيها، قال النبي -ﷺ- يومًا لأصحابه وهو فيهم: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المؤمن، فحدثوني ما هي"؟ قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة، ووقع الناس في شجر البوادي، ثم قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: "النخلة"، وقد أخبر أباه بأن حياءه منعه من الجواب، فقال له أبوه: وددت لو قلتها ولا أملك كذا وكذا، تشجيعًا له.
وقال الذهبي: روى علمًا كثيرًا نافعًا عن النبي -ﷺ- وعن أبيه، وأبي بكر، وعلي، وبلال، وصهيب، وعامر بن ربيعة، وزيد بن ثابت، وزيد عمه، وسعد، وابن مسعود، وعثمان بن طلحة، وأسلم، وحفصة أخته، وعائشة وغيرهم٣.
ولقد نهم ابن عمر من المدرسة النبوية علمًا غزيرًا جاد به على بعض الصحابة وجماهير التابعين ومن بعدهم. قال الذهبي: ولابن عمر أقوال وفتاوى يطول الكتاب بإيرادها٤.
وقد مَنَّ الله تعالى عليه بعشرات السنين التي مكنته من إفادة الناس بعلمه
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٠". ٢ المصدر السابق "٣/ ٢٠٩". ٣ المصدر السابق "٣/ ٢٠٤". ٤ المصدر السابق "٣/ ٢٣٢".
[ ١١١ ]
وفتاواه، قال مالك: كان إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر، مكث ستين سنة يفتي الناس١.
وروى مالك عن نافع: كان ابن عمر وابن عباس يجلسان للناس عند مقدم الحاج، فكنت أجلس إلى هذا يومًا، وإلى هذا يومًا، فكان ابن عباس يجيب ويفتي في كل ما سُئل عنه، وكان ابن عمر يرد أكثر مما يُفتي٢، قال الليث بن سعد وغيره: كتب رجل إلى ابن عمر أن اكتب إليَّ بالعلم كله، فكتب إليه: إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كافَّ اللسان عن أعراضهم، لازمًا لأمر جماعتهم، فافعل٣.
وروى الحارث بن أبي أسامة عن رجل: بعثت أم ولد لعبد الملك بن مروان إلى وكيلها تستهديه غلامًا وقالت: يكون عالمًا بالسنة، قارئًا لكتاب الله فصيحًا، عفيفًا، كثير الحياء، قليل المراء، فكتب إليها: قد طلبتُ هذا الغلام، فلم أجد غلامًا بهذه الصفة إلا عبد الله بن عمر، وقد ساومت به أهله، فأبوا أن يبيعوه٤.
قال ابن حزم في كتاب "الإحكام" في الباب الثامن والعشرين: المكثرون من الفتيا من الصحابة: عمر وابنه عبد الله، وعلي، وعائشة، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت، فهم سبعة فقط يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سِفْر ضخم، وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا ابن عباس في عشرين كتابًا.
وأبو بكر هذا أحد أئمة الإسلام.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "٣/ ٢٢١"، تاريخ الفسوي "١/ ٤٩١"، تاريخ بغداد "١/ ١٧٢". ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٢٢". ٣، ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٢٢".
[ ١١٢ ]
وروى أبو حمزة السكري عن إبراهيم الصائغ، عن نافع: أن ابن عمر كان له كتب ينظر فيها قبل أن يخرج إلى الناس، قال الذهبي: هذا غريب١.
- ثناء النبي -ﷺ- عليه وتبشيره بالجنة:
روى الشيخان عن سالم عن أبيه قال: كان الرجل في حياة رسول الله -ﷺ- إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله -ﷺ- وكنت غلامًا عَزَبًا شابًّا، فكنت أنام في المسجد، فرأيت كأن ملكين أتياني، فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، ولها قرون كقرون البئر، فرأيت فيها ناسًا قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، فلقينا ملَك، فقال: "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل" قال: فكان بعد لا ينام من الليل إلا القليل٢، وروى نحوه نافع، وفيه: "إن عبد الله رجل صالح".
وروى سعيد بن بشير عن قتادة، عن ابن سيرين، عن ابن عمر قال: كنت شاهد النبي -ﷺ- في حائط نخل، فاستأذن أبو بكر، فقال النبي ﷺ: "ائذنوا له وبشروه بالجنة" ثم عمر كذلك، ثم عثمان فقال: "بشروه بالجنة على بلوى تصيبه" فدخل يبكي ويضحك، فقال عبد الله: فأنا يا نبي الله؟ قال: "أنت مع أبيك"٣.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٨". ٢ أخرجه البخاري "٣/ ٥، ٦" في التهجد، باب فضل قيام الليل، وباب من تعار من الليل، فصلى، وفي فضائل أصحاب النبي ﷺ: باب مناقب عبد الله بن عمر، وفي التعبير: باب الإستبرق ودخول الجنة في المنام، وباب الأمن وذَهَاب الروع، وباب الأخذ على اليمين في النوم، وأخرجه مسلم "٢٤٧٩" في فضائل الصحابة: باب فضائل عبد الله بن عمر، والترمذي "٣٨٢٥" في المناقب. ٣ إسناده ضعيف لضعف سعيد بن بشير؛ لكن متن الحديث صحيح من طريق آخر إلى قوله: "على بلوى تصيبه"، فقد أخرجه البخاري "١٣/ ٤٢" وفي مواطن عدة من صحيحه، ومسلم برقم "٢٤٠٣"، والترمذي برقم "٣٧١١". من حديث أبي موسى الأشعري.
[ ١١٣ ]
- تلاميذه:
لما كان ابن عمر من أحرص الصحابة على تلقي العلم الكثير من رسول الله -ﷺ- مباشرة، ومن أكثرهم حفظًا لحديث رسول الله -ﷺ- وروايته؛ كان من الطبعي أن يكثر تلاميذه الذين حرصوا على الأخذ عنه، فقد روى عنه خلق كثير؛ منهم:
أسلم مولى أبيه، وأمية بن عبد الله الأموي، وأنس بن سيرين، وبشر بن حرب، وبشر بن عائذ، وبكر المزني، وبلال بن عبد الله ابنه، وتميم بن عياش، وثابت البناني، وجبير بن نفير، وحبيب بن أبي ثابت، وحبيب بن أبي مليكة، وحرملة مولى أسامة، والحسن البصري، وابن أخيه حفص بن عاصم، والحكم بن ميناء، وحميد بن عبد الرحمن الزهري، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وذكوان السمان، وزياد بن جبير الثقفي، وزيد بن جبير الطائي، وابنه زيد، وابنه سالم، وسالم بن أبي الجعد، والسائب والد عطاء، وسعد مولى أبي بكر، وسعد مولى طلحة، وسعيد بن جبير، وسعيد بن مرجانة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن يسار، وسليمان بن يسار، وشهر بن حوشب، وطاوس، وعبد الله بن بريدة، وعبد الله بن دينار، وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وعبد الله بن شقيق، وابن أبي مليكة، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وعبد الله بن كيسان، وعبد الله بن مالك الهمداني، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وعبد الله بن مرة الهمداني، وعبد الله بن موهب الفلسطيني، وحفيده عبد الله بن واقد العمري، وعبد الرحمن بن سعد مولاه، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن أبي نعيم، وعبد الرحمن بن يزيد الصنعاني، وعبد الملك بن نافع، وعبيد بن عمير، وعراك بن مالك، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطية العوفي، وعمرو بن دينار، وعمير بن هانئ، والعلاء بن اللجلاج، والقاسم بن عوف، والقاسم بن محمد، وقَزَعة بن يحيى، وكثير بن مرة، وكُليب بن وائل، ومجاهد بن جبر،
[ ١١٤ ]
ومحارب بن دثار، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن عباد بن جعفر، وأبو جعفر الباقر، وابن شهاب الزهري، ومحمد بن المنتشر، ومسروق، ومسلم بن جندب، ومعاوية بن قرة، والمغيرة بن سلمان، ومكحول الأزدي، وموسى بن طلحة، وميمون بن مهران، ونافع مولاه، وواسع بن حبان، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، ويحيى البكاء، ويونس بن جبير، وأبو أمامة التيمي، وأبو بردة بن أبي موسى، وأبو بكر بن حفص، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو الصديق الناجي، وأبو عثمان النهدي وخلق آخرون.
- عبادته، وورعه، وتقواه، وزهده، ورقة قلبه:
كان عبد الله بن عمر -﵄- مثالًا يُحتذى به في كثرة العبادة، وشدة التقوى، والزهد في أطايب العيش، والزهد في السلطة، والخوف من الله، ورقة القلب.
قال إبراهيم: قال ابن مسعود: إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد الله بن عمر١.
وقال ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله: لقد رأيتنا ونحن متوافرون وما فينا شاب هو أملك لنفسه من ابن عمر٢.
وروى سالم بن أبي الجعد، عن جابر: ما منا أحد أدرك الدنيا إلا وقد مالت به، إلا ابن عمر٣.
وعن عائشة: ما رأيت أحدًا ألزم للأمر الأول من ابن عمر٤.
وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: مات ابن عمر وهو في الفضل مثل أبيه٥.
وقال أبو إسحاق السبيعي: كنا نأتي ابن أبي ليلى، وكانوا يجتمعون إليه،
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١١"، طبقات ابن سعد "٤/ ١٤٤"، حلية الأولياء "١/ ٢٩٤". ٢ الإصابة "٢/ ٣٤٧"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١١". ٣ حلية الأولياء "١/ ٢٩٤"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١١". ٤، ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٢".
[ ١١٥ ]
فجاءه أبو سامة بن عبد الرحمن فقال: أعُمَر كان أفضل عندكم أم ابنه؟ قالوا: بل عمر، فقال:١ إن عمر كان في زمان له فيه نظراء، وإن ابن عمر بقي في زمان ليس فيه نظير.
وقال ابن المسيب: لو شهدت لأحد أنه من أهل الجنة لشهدت لابن عمر، قال الذهبي٢: رواه ثقتان عنه.
وقال قتادة: سمعت ابن المسيب يقول: كان ابن عمر يوم مات خير من بقي٣.
وعن طاوس وميمون بن مهران: ما رأيت أورع من ابن عمر٤.
وبإسناد وسط عن ابن الحنفية: كان ابن عمر خير هذه الأمة٥.
وروى عبد العزيز بن أبي داود، عن نافع: أن ابن عمر كان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا ليلته٦.
وقال الوليد بن مسلم: حدثنا ابن جابر، حدثني سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يحيي الليل صلاة، ثم يقول: يا نافع، أسحَرْنا؟ فأقول: لا، فيعاود الصلاة إلى أن أقول: نعم، فيقعد ويستغفر ويدعو حتى يصبح٧.
وقال طاوس: ما رأيت مصليًا مثل ابن عمر أشد استقبالًا للقبلة بوجهه وكفيه وقدميه٨.
_________________
(١) ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٢". ٦ أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء "١/ ٣٠٣". ٧ الحلية "١/ ٣٠٣"، سير أعلام النبلاء "١/ ٢٣٥". ٨ الحلية "١/ ٣٠٤"، سير أعلام النبلاء "١/ ٢٣٥"، وروى ابن سعد في الطبقات "٤/ ١٥٧" من طريق حماد بن مسعدة، عن ابن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان قال: كان ابن عمر يحب أن يستقبل كل شيء منه القبلة إذا صلى، حتى كان يستقبل بإبهامه القبلة.
[ ١١٦ ]
وروى نافع أن ابن عمر كان يحيي بين الظهر والعصر١.
وروى هشام الدستوائي، عن القاسم بن أبي بزة: أن ابن عمر قرأ فبلغ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] فبكى حتى خر، وامتنع عن قراءة ما بعدها٢.
وروى معمر، عن أيوب، عن نافع أو غيره: أن رجلًا قال لابن عمر: يا خير الناس، أو ابنَ خير الناس. فقال: "ما أنا بخير الناس، ولا ابن خير الناس، ولكني عبد من عباد الله، أرجو الله وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه"٣.
وروى الذهبي في السير، وأبو نعيم في الحلية، وابن سعد في الطبقات بسند صحيح عن عروة يقول: خطبت إلى ابن عمر ابنته ونحن في الطواف، فسكت ولم يجبني بكلمة، فقلت: لو رضي لأجابني، والله لا أراجعه بكلمة. فقُدِّر له أنه صدر إلى المدينة قبلي، ثم قدمت فدخلت مسجد الرسول -ﷺ- فسلمت عليه، وأديب إليه حقه، فرحب بي وقال: متى قدِمتَ؟ قلت: الآن، فقال: كنتَ ذكرت لي سودة ونحن في الطواف، نتخايل الله بين أعيننا، وكنت قادرًا أن تلقاني في غير ذلك الموطن، فقلتُ: كان أمرًا قُدِّر، قال: فما رأيك اليوم؟ قلت: أحرص ما كنت عليه قط، فدعا ابنيه: سالمًا وعبد الله وزوَّجني٤.
وروى عبد الرزاق، وأبو نعيم، والبيهقي، والذهبي بسند صحيح عن مجاهد قال: ما رأيت ابن عمر زاحم على الحجر قط، ولقد رأيته مرة زاحم حتى رثم أنفه وابتدر منخراه دمًا٥.
_________________
(١) ١ الحلية "١/ ٣٠٣"، سير أعلام النبلاء "١/ ٢٣٥". ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٥، ٢٣٦". ٣ المصدر السابق "٣/ ٢٣٦"، الحلية "١/ ٣٠٧" بسند صحيح. ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٦، ٢٣٧"، الحلية "١/ ٣٠٩"، الطبقات "٤/ ١٦٧، ١٦٨". ٥ المصنف لعبد الرزاق رقم "٨٩٠٤"، الحلية "١/ ٣٠٨"، السنن الكبرى للبيهقي "٥/ ٨١"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٦".
[ ١١٧ ]
ورُوي عن ابن عمر أنه كان يتبع أمر رسول الله -ﷺ- وآثاره وحاله، حتى كان قد خيف على عقله من اهتمامه بذلك١.
وروى وكيع عن أبي مودود، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان في طريق مكة يقول برأس راحلته يثنيها ويقول: لعل خُفًّا يقع على خف، يعني: خف راحلة النبي صلى الله عليه وسلم٢.
ورُوي عن نافع أن ابن عمر كان يتبع آثار رسول الله -ﷺ- كان مكان صلى فيه، حتى إن النبي -ﷺ- نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة، فيصب في أصلها الماء لكيلا تيبس٣.
وقال نافع: عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "لو تركنا هذا الباب للنساء"، قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات٤.
وروى عاصم بن محمد العمري، عن أبيه قال: ما سمعت ابن عمر ذكر النبي -ﷺ- إلا بكى٥.
وروى عكرمة بن عمار عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه: أنه تلا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] فجعل ابن عمر -﵄- يبكى حتى لثِقَت لحيته وجيبه من دموعه، فأراد رجل أن يقول لأبي: أقْصِر، فقد آذيتَ الشيخ٦.
وروى عثمان بن واقد عن نافع: كان ابن عمر إذا قرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] بكى حتى يغلبه البكاء ٧.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٣". ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٧"، حلية الأولياء "١/ ٣١٠". ٣ أسد الغابة "٣/ ٣٤١"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٣". ٤ طبقات ابن سعد "٤/ ١٦٢" بإسناد صحيح، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٣". ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٤". ٦ طبقات ابن سعد "٤/ ١٦٢"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٤". ٧ الحلية "١/ ٣٠٥" بسند صحيح، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٤".
[ ١١٨ ]
وقال حبيب بن الشهيد: قيل لنافع: ما كان يصنع ابن عمر في منزله؟ قال: تطيقونه: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما١.
وقال ابن المبارك: أخبرنا عمر بن محمد بن زيد، أخبرنا أبي أن ابن عمر كان له مهراس فيه ماء، فيصلي فيه ما قدر له، ثم يصير إلى الفراش، فيغفي إغفاءه الطائرة، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمسة٢.
وقال نافع: كان ابن عمر لا يصوم في السفر، ولا يكاد يفطر في الحضر٣.
وروى أبو الزبير المكي، عن عطاء مولى ابن سباع قال: أقرضت ابن عمر ألفي درهم، فوفَّانيها بزائد مائتي درهم٤.
وروى معمر عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله قال: لو أن طعامًا كثيرًا كان عند أبي ما شبع منه بعد أن يجد له آكلًا، فعاده ابن مطيع، فرآه قد نحل جمسه، فكلمه فقال: إنه ليأتي عليَّ ثمان سنين ما أشبع فيها شبعة واحدة، أو قال: إلا شبعة، فالآن تريد أن أشبع حين لم يبقَ من عمري إلا ظِمْءُ حمار! ٥
_________________
(١) ١ طبقات ابن سعد "٤/ ١٧٠" بسند صحيح، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٥". ٢ رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٥" بسند صحيح، والمهراس: صخرة منقورة تسع كثيرًا من الماء، وقد يعمل منها حياض للماء. ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٥". ٤ المصدر السابق، وفي الهامش "٣/ ٢١٥، ٢١٦": رجاله ثقات، وأخرجه بنحوه مالك "٢/ ١٦٨"، ومن طريقه ابن سعد "٤/ ١٦٩" عن حميد، عن قيس، عن مجاهد: أن ابن عمر وإنما تحمل له الزيادة فيما إذا لم يكن ذلك على شرط منهما أو عادة، أما إذا شرط في القرض أن يرد أكثر أو أفضل، فهو حرام لا خير فيه، وفعل ابن عمر هذا له سند من السنة، ففي الموطأ "٢/ ٦٨٠" في البيوع، ومسلم "١٦٠٠" من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع: أن رسول الله -ﷺ- استلف من رجل بكرًا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًّا، فقال: "أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء"، وأخرجه البخاري "٤/ ٣٩٤"، ومسلم "١٦٠١" من حديث أبي هريرة. ٥ مصنف عبد الرزاق "٢٠٦٣٠"، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية "١/ ٢٩٨"، وإسناده صحيح، وقوله: "ظمء حمار" أي: شيء يسير، وخص الخمار بذلك لأنه أقل الدواب صبرًا على الماء.
[ ١١٩ ]
وروى ابن سعد عن ميمون قال: ولقد دخلت على ابن عمر، فقوَّمت كل شيء في بيته من أساس ما يساوي مائة درهم١.
روى أبو حازم المديني، عن عبد الله بن دينار، قال: خرجت مع ابن عمر إلى مكة، فعرَّسنا، فانحدر علينا راعٍ من جبل، فقال له ابن عمر: أراعٍ؟ قال: نعم، قال: بعني شاة من الغنم، قال: إني مملوك، قال: قل لسيدك: أكلها الذئب، قال: فأين الله ﷿؟ قال ابن عمر: فأين الله!! ثم بكى، ثم اشتراه فأعتقه.
وروى أسامة بن زيد عن نافع، عن ابن عمر نحوه. وفي رواية ابن أبي روَّاد، عن نافع: فأعتقه، واشترى له الغنم٢.
وروى الذهبي قال: أخبرنا إسحاق الأسدي، أخبرنا ابن خليل، أخبرنا اللبان، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا أحمد بن جعفر، أخبرنا عبد الله بن أحمد، حدثنا أبو كامل، حدثنا أبو عوانة، عن هلال بن خباب عن قزعة، قال: رأيت على ابن عمر ثيابًا خشنة أو جَشَبة، فقلت له: إني قد أتيتك بثوب لين مما يصنع بخراسان، وتقر عيناي أن أراه عليك، قال: أرِنيهِ، فلمسه وقال: أحرير هذا؟ قلت: لا، إنه من قطن، قال: إني أخاف أن ألبسه، أخاف أن أكون مختالًا فخورًا، والله لا يحب كل مختال فخور٣.
_________________
(١) ١ الطبقات "٤/ ١٦، ١٦٥"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٣". ٢ عزاه الهيثمي للطبراني وقال: ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن الحارث الحاطبي، وهو ثقة. مجمع الزوائد "٩/ ٣٤٧". ونحوه في أسد الغابة "٣/ ٣٤١"، وهو في سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٦". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٣"، وهو في الحلية "١/ ٢٠٣"، ورجاله ثقات، غير أن هلال بن خباب تغير بآخره. والجشب من الثياب: الخشن الغليظ، قال الذهبي معلقًا: قلت: كل لباس أوجد في المرء خيلاء وفخرًا فتركه متعين ولو كان من غير ذهب ولا حرير، فإنا نرى الشاب يلبس الفرجية الصوف بفرو من أثمان أربعمائة درهم ونحوها، والكبر والخيلاء على مشيته ظاهر، فإن نصحته ولمته برفق كابر وقال: ما فيَّ خيلاء ولا فخر، وهذا السيد ابن عمر يخاف على نفسه. وكذلك ترى الفقيه المترف إذا ليم في تفصيل فرجية تحت كعبيه، وقيل له: قد قال النبي ﷺ: "ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار"، يقول: إنما قال هذا فيمن جر إزاره خيلاء، وأنا لا أفعل خيلاء. فتراه يكابر ويبرئ نفسه الحمقاء، ويعمد إلى نص مستقل عام، فيخصه بحديث =
[ ١٢٠ ]
- سخاؤه:
روى ابن سعد بسند حسن عن أبي جعفر القارئ: خرجت مع ابن عمر من مكة، وكان له جفنة من ثريد يجتمع عليها بنوه وأصحابه، وكل من جاء حتى يأكل بعضهم قائمًا، ومعه بعير له، عليه مزادتان، فيهما نبيذ وماء، فكان لكل رجل قدح من سويق بذلك النبيذ١.
وروى عبد الله بن وهب عن عبيد الله، عن نافع قال: ما أعجبَ ابنَ عمر شيءٌ من ماله إلا قدَّمه، بينا هو يسير على ناقته؛ إذ أعجبته فقال: إخ إخ، فأناخها وقال: يا نافع، حط عنها الرحل، فجللها وقلدها وجعلها في بدنه٢.
وروى عمر بن محمد بن زيد، عن أبيه: أن ابن عمر كاتب غلامًا له بأربعين ألفًا، فخرج إلى الكوفة، فكان يعمل على حُمُر له حتى أدى خمسة عشر ألفًا، فجاءه إنسان فقال: أمجنون أنت؟ أنت هاهنا تعذب نفسك، وابن عمر يشتري الرقيق يمينًا وشمالًا، ثم يعتقهم، ارجع إليه فقل: عجزت، فجاء إليه بصحيفة فقال: يا أبا عبد الرحمن، قد عجزت، وهذه صحيفتي، فامحها، فقال: لا،
_________________
(١) = آخر مستقل بمعنى الخيلاء، ويترخص بقول الصديق: إنه يا رسول الله يسترخي إزاري، فقال: "لست يا أبا بكر ممن يفعله خيلاء"، فقلنا: أبو بكر -﵁- لم يكن يشد إزاره مسدولًا على كعبيه أولا؛ بل كان يشده فوق الكعب، ثم فيما بعد يسترخي. وقد قال ﷺ: "إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لاجناح عليه فيما بين ذلك وبين الكعبين"، ومثل هذا في النهي لمن فصَّل سراويل مغطيًا لكعابه، ومنه طول الأكمام زائدًا، وتطويل العذبة، وكل هذا من خيلاء كامن في النفوس. وقد يعذر الواحد منهم بالجهل، والعالم لا عذر له في تركه الإنكار على الجهلة، فإن خلع على رئيس خلعة سيراء من ذهب وحرير وقندس، يحرمه ما ورد في النهي عن جلود السباع ولبسها، الشخص يسحبها ويختال فيها، ويخطر بيده ويغضب ممن لا يُهنِّيه بهذه المحرمات، ولا سيما إن كانت خلعة وزارة وظلم ونظر مكس، أو ولاية شرطة. فليتهيأ للمقت وللعزل والإهانة والضرب وفي الآخرة أشد عذابًا وتنكيلًا. فرضي الله عن ابن عمر وأبيه، وأين مثل ابن عمر في دينه، وورعه وعلمه وتألهه وخوفه، من رجل تُعرض عليه الخلافة فيأباها، والقضاء من مثل عثمان، فيرده، ونيابة الشام لعلي فيهرب منها. فالله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب. "سير أعلام النبلاء ٣/ ٢٣٣، ٢٣٤"، "وقوله: الفرجية: ثوب واسع طويل الأكمام، يتخذ من قطن أو حرير أو صوف. والسيراء: بكسر السين وفتح الياء والمد، نوع من البرود تتخذ من حرير. والمكس: الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار". ١ الطبقات "٤/ ١٤٨"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٩"، والنبيذ: ما يعمل من الأشربة من التمر والذبيب. ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٧".
[ ١٢١ ]
ولكن امحها أنت إن شئت. فمحاها، ففاضت عينا عبد الله وقال: اذهب فأنت حر، قال: أصلحك الله، أحسن إلى ابنيَّ. قال: هما حران. قال: أصلحك الله، أحسن إلى أمي ولديَّ. قال: هما حرتان١.
وروى أبو نعيم من طريق الإمام أحمد بسند صحيح عن عاصم بن محمد العمري، عن أبيه قال: أعطى عبد الله بن جعفر ابن عمر بنافع عشرة آلاف، فدخل على صفية امرأته، فحدثها قالت: فما تنتظر؟ فهلا ما هو خير من ذلك، وهو حر لوجه الله. فكان يخيل إلى أنه كان ينوي قول الله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] ٢.
وروى جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن نافع: أُتِيَ ابن عمر ببضعة وعشرين ألفًا، فما قام حتى أعطاها٣، ورواها عيسى بن كثير، عن ميمون وقال: باثنين وعشرين ألف دينار.
وقال أبو هلال: حدثنا أيوب بن وائل قال: أتَى ابن عمر بعشرة آلاف فرقها، وأصبح يطلب لراحلته عَلَفًا بدرهم نسيئة٤.
وروى برد بن سنان، عن نافع قال: إن كان ابن عمر ليُفرِّق في المجلس ثلاثين ألفًا، ثم يأتي عليه شهر ما يأكل مزعة لحم٥.
وروى عمر بن محمد العمري، عن نافع قال: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان أو زاد٦.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٧". ٢ الحلية "١/ ٢٩٦"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٧، ٢١٨". ٣، ٤ الحلية "١/ ٢٩٦". ٥ مجمع الزوائد "٩/ ٣٤٧"، وعزاه للطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح غير برد بن سنان وهو ثقة. والحلية "١/ ٢٩٥، ٢٩٦"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٨". والمزعة: القطعة الصغيرة من اللحم. ٦ الحلية "١/ ٢٩٦"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٨".
[ ١٢٢ ]
وروى عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم قال: ما لعن ابن عمر خادمًا له قط إلا واحدًا، فأعتقه١.
وروى أيوب، عن نافع قال: بعث معاوية إلى ابن عمر بمائة ألف، فما حال عليه الحول وعنده منها شيء٢.
وروى الأعمش وغيره، عن نافع قال: مرض ابن عمر، فاشتهى عنبًا أول ما جاء، فأرسلت امرأته بدرهم، فاشترت به عنقودًا، فاتبع الرسولَ سائلٌ، فلما دخل قال: السائل، السائل. فقال ابن عمر: اعطوه إياه. ثم بعثت بدرهم آخر، قال: فاتبعه السائل، فلما دخل قال: السائل، السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه، فأعطوه، وأرسلت صفية إلى السائل تقول: والله لئن عدت لا تصيب مني خيرًا، ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به٣.
- تواضعه وحب الناس له:
روى أبو جعفر الرازي، عن حصين، قال ابن عمر: إني لأخرج وما لي حجة إلا أن أسلم على الناس، ويسلمون عليَّ٤.
وروى معمر، عن أبي عمرو النَّدَبي قال: خرجت مع ابن عمر، فما لقي صغيرًا ولا كبيرًا إلا سلم عليه.
- شجاعته في الحق:
روى الذهبي بسند صحيح عن ابن عمر: أنه قام إلى الحجاج وهو يخطب فقال: يا عدو الله، استحل حرم الله، وخرب بيت الله. فقال: يا شيخًا قد
_________________
(١) ١ المصنف عبد الرزاق "١٩٥٣٤" وإسناده صحيح. ٢ الحلية "١/ ٢٩٦" وإسناده صحيح. ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٢٠" وإسناده صحيح، وأخرجه ابن سعد في الطبقات "٤/ ١٥٨" من طريق عارم: محمد بن الفضل عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع به، وإسناده صحيح. ٤ الهيثمي للطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح غير نعيم بن حماد، وهو ثقة. مجمع الزوائد "٩/ ٣٤٧"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٢١"، ورواه ابن سعد في الطبقات "٤/ ١٥٥، ١٥٦، ١٧٠" بعدة طرق.
[ ١٢٣ ]
خَرِف. فلما صدر الناس، أمر الحجاج بعض مسودته، فأخذ حربة مسمومة وضرب بها رجل ابن عمر، فمرض ومات منها. ودخل عليه الحجاج عائدًا فسلم، فلم يرد عليه، وكلمه فلم يجبه١.
وروى الذهبي وابن سعد بسند صحيح، عن ابن سيرين: أن الحجاج خطب فقال: إن ابن الزبير بدَّل كلام الله. فعلم ابن عمر فقال: كذب، لم يكن ابن الزبير يستطيع أن يبدل كلام الله ولا أنت، قال: إنك شيخ قد خرفت الغد. قال: أما إنك لو عدتَ عدتُ.
وقال الأسود بن شيبان: حدثنا خالد بن سُمَيْر قال: خطب الحجاج فقال: إن ابن الزبير حرف كلام الله. فقال ابن عمر: كذبت كذبت، ما يستطيع ذلك ولا أنت معه. قال: اسكت، فقد خرفت وذهب عقلك، يوشك شيخ أن يُضرب عنقه، فيخر قد انتفخت خصيتاه، يطوف به صبيان البقيع٢.
وأخرج البخاري في العيدين: باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم، من طريق أحمد بن يعقوب، حدثني إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن أبيه قال: "دخل الحجاج على ابن عمر وأنا عنده فقال: كيف هو؟ فقال: صالح، قال: مَن أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله". يعني الحجاج. ورواه البخاري أيضًا من طريق محمد بن سوقه، عن سعيد بن جبير٣.
- منهجه في رواية الحديث:
عُرف عن ابن عمر التحري والتثبت في الرواية والضبط والإتقان، وكان أحيانًا
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٢١". ٢ الطبقات الكبرى "٤/ ١٨٤"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٠". ٣ صحيح البخاري "٢/ ٣٧٩" حديث رقم "٩٦٦" ورقم "٩٦٧"
[ ١٢٤ ]
يُقل من الرواية جدًّا، حتى قال الشعبي: جالست ابن عمر سنة، فما سمعته يحدث عن النبي -ﷺ- إلا حديثًا واحدًا١.
وقال مجاهد: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فما سمعت يحدث عن رسول الله -ﷺ- إلا حديثًا٢.
وقال أبو جعفر الباقر: كان ابن عمر إذا سمع من رسول الله -ﷺ- حديثًا لا يزيد لا ينقص، ولم يكن أحد في ذلك مثله٣.
- وفاته:
تُوفي ابن عمر سنة ثلاث وسبعين، وقال مالك: بلغ ابن عمر سبعًا وثمانين سنة.
قال أبو بكر بن البرقي: تُوفي بمكة، ودفن بذي طُوى، وقيل: بفخِّ مقبرة المهاجرين سنة أربع.
قال الذهبي: قلت: هو القائل: كنت يوم أُحُد ابن أربع عشرة سنة٤، فعلى هذا يكون عمره خمسًا وثمانين سنة، ﵁ وأرضاه٥.
وروى ابن سعد من طريق سليمان بن حرب، عن شعبة، عن ابن أبي رَوَّاد، عن نافع: أن ابن عمر أوصى رجلًا يُغسِّله فجعل يدلكه بالمسك٦.
وعن سالم بن عبد الله: مات أبي بمكة، ودفن بفخ سنة أربع وسبعين وهو ابن أربع وثمانين، وأوصاني أن أدفنه خارج الحرم، فلم نقدر، فدفناه بفخ في الحرم في مقبرة المهاجرين٧.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٤". ٢ تاريخ أبي زرعة الدمشقي "١/ ٥٥٧"، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٤". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢١٣". ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٢". ٥ المصدر السابق "٣/ ٢٣٢، ٢٣٣". ٦ طبقات ابن سعد "٤/ ١٨٧"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣١". ٧ طبقات ابن سعد "٤/ ١٨٨"، والسير "٣/ ٢٣١"، و"فخ" وادٍ بمكة يقال: هو وادي الزاهر.
[ ١٢٥ ]
وقال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه: قال ابن عمر حين احتضر: ما أجد في نفسي شيئًا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي بن أبي طالب١.
قال الذهبي: وله قول ثالث في الفئة الباغية، فقال روح بن عبادة: حدثنا العوام بن حوشب، عن عياش العامري، عن سعيد بن جبير، قال: لما احتضر ابن عمر قال: ما آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنا؛ يعني: الحجاج٢.
- مروياته:
قال الذهبي: ولابن عمر في "مسند بقي" ألفان وستمائة وثلاثون حديثًا بالمكرر، واتفقا له على مائة وثمانية وستين حديثًا. وانفرد له البخاري بأحد وثمانين حديثًا، ومسلم بأحد وثلاثين٣.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٢"، ورواه من طريق آخر عن ابن عمر نحوه في نفس الموضع. ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٢"، والطبقات الكبرى "٤/ ١٨٥" وسنده صحيح. ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٢٣٨".
[ ١٢٦ ]