- نسبه ومولده وإسلامه وأبرز ملامحه:
هو حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، أبو العباس: عبد الله ابن عم رسول الله -ﷺ- العباس بن عبد المطلب بن شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف بن قُصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي الهاشمي المكي الأمير ﵁. والصحيح الراجح أنه ولد بشِعْب٢ بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين.
تنقل ابن عباس مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، فإنه صح عنه أنه قال: كنتُ أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان وأمي من النساء٣.
_________________
(١) ١ راجع ترجمته في: سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٣١ - ٣٥٩"، طبقات ابن سعد "٢/ ٣٦٥"، نسب قريش "٢٦"، المحبر "١٦، ٢٤، ٩٢، ٢٨٩، ٢٩٢، ٣٧٨"، التاريخ الكبير "٥/ ٣"، التاريخ الصغير "١/ ١٢٦، ١٢٧، ١٣٧"، أنساب الأشراف "٣/ ٢٧، ٥٥"، المعرفة والتاريخ "١/ ٢٤١، ٢٧٠، ٤٩٣"، الجرح والتعديل "٥/ ١١٦"، المستدرك "٣/ ٥٣٣"، الحلية "١/ ٣١٤"، جمهرة أنساب العرب "١٩، ٢٠"، الاستيعاب "٩٣٣"، تاريخ بغداد "١/ ١٧٣"، الجمع بين رجال الصحيحين "١/ ٢٣٩"، جامع الأصول "٩/ ٦٣"، أسد الغابة "٣/ ٢٩٠"، الحلة السيراء "١/ ٢٠" تهذيب الأسماء واللغات "١/ ١/ ٢٧٤"، وفيات الأعيان "٣/ ٦٢"، تهذيب الكمال "٣/ ١٥٤- ١٦٢"، تاريخ الإسلام "٣/ ٣٠، تذكرة الحفاظ "١/ ٣٧"، العبر "١/ ٧٦"، معرفة القراء "٤١"، البداية والنهاية "٨/ ٢٩٥"، العقد الثمين "٥/ ١٩٠"، الإصابة "٢/ ٣٣٠"، تهذيب التهذيب "٥/ ٢٧٦"، المطالب العالية "٤/ ١١٤"، النجوم الزاهرة "١/ ١٨٢"، خلاصة تهذيب الكمال "١٧٢". ٢ شِعْب بكسر الشين: كان منزل بني هاشم غير مساكنهم، ويعرف بشعب أبي يوسف، وهو الشعب الذي أوى إليه رسول الله -ﷺ- وبنو هاشم لما تحالفت قريش على بني هاشم وكتبوا الصحيفة. انظر شرح المواهب "١/ ٢٧٨". ٣ أخرجه بهذا اللفظ الإسماعيلي من طريق إسحاق بن موسى، عن ابن عيينة، عن عبيد الله، عن ابن عباس فيما ذكره الحافظ في "الفتح"، وأخرجه البخاري في صحيحه "٨/ ١٩٢" من طريق محمد عبد الله بن محمد، عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله قال: سمعت ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين، وأخرجه البخاري أيضًا والطبري في تفسيره "١٠٢٧٠" من طريقين عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، أن ابن عباس تلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله. وهو في سنن البيهقي "٩/ ١٣"، وقد رُوي من طرق عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: توفى النبي -ﷺ- وأنا ابن عشر. راجع: مسند أحمد "١/ ٢٥٣، ٣٣٧، ٣٥٧" وفي رواية: جمعت المحكم في عهد رسول الله -ﷺ- وقبض وأنا ابن عشر حجج. راجع: سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٣٥" =
[ ١٤٧ ]
صحب النبي -ﷺ- نحوًا من ثلاثين شهرًا، وحدث عنه بجملة صالحة، وعن عمر، وعلي، ومعاذ، ووالده، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سفيان صخر بن حرب، وأبي ذر، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وخلق.
وقرأ على أُبَي، وزيد بن ثابت، وقرأ عليه مجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة.
_________________
(١) = والمعجم الكبير للطبراني "١٠٥٧٧" ومسند الطيالسي "٢/ ١٤٨" وما رواه أبو بشر معارض بالروايات الصحيحة التي ذكرت أن ابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: "حديث أبي بشر عندي واه" "سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٣٦". وقد روى مالك في "الموطأ" "١/ ١٥٥" في قصر الصلاة في السفر: باب الرخصة في المرور بين يدي المصلي، والبخاري "١/ ٤٧٢" في أول سترة المصلي: باب الإمام سترة من خلفه، وفي صفة الصلاة: باب وضوء الصبيان، وفي الحج: باب حج الصبيان، وفي العلم: باب متى يصح سمع الصغير، ومسلم في الصلاة: باب سترة المصلي "حديث ٥٠٤"، وأحمد في المسند "١/ ٢٦٤" أن ابن عباس قال: أقبلتُ راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله -ﷺ- يصلي بالناس بمنًى، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك على أحد. قوله: وناهزت الاحتلام، أي: قاربته. قلت: وكان ذلك في حجة الوداع. وقال الواقدي: لا خلاف أنه ولد في الشعب وبنو هاشم محصورون فولد قبل خروجهم منه بيسير وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين. ألا تراه يقول: وقد راهقنا الاحتلام، وهذا أثبت مما نقله أبو بشر في سنه "سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٣٥". وقال شعبة: عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: توفي رسول الله -ﷺ- وأنا ابن خمس عشرة سنة وأنا ختين، أخرجه الطيالسي "٢/ ١٤٩"، والحاكم "٣/ ٥٣٣"، والطبراني "١٠٥٧٨" وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وأورده الهيثمي في "المجمع" "٩/ ٢٨٥"، ونسبه للطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح. وأخرجه البخاري في صحيحه "١١/ ٧٥" في الاستئذان: باب الختان بعد الكبر من طريق إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض النبي ﷺ؟ قال: أنا يومئذ مختون. قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" "١١/ ٧٦": المحفوظ الصحيح أنه ولد بالشعب وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، فيكون له عند الوفاة النبوية ثلاث عشرة سنة، وبذلك قطع أهل السير، وصححه ابن عبد البر، وأورد بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال: ولدت وبنو هاشم في الشعب، وهذا لا ينافي قوله: "ناهزت الاحتلام" ولا قوله: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك؛ لاحتمال أن يكون أدرك، فختن قبل الوفاة النبوية وبعد حجة الوداع، وأما قوله: وأنا ابن عشر، فمحمول على إلغاء الكسر، ورواية أحمد: "وأنا ابن خمس عشرة" يمكن ردها إلى رواية ثلاث عشرة بأن يكون ابن ثلاث عشرة وشيء، وولد في أثناء السنة، فجبر الكسرين، بأن يكون ولد مثلا في شوال، فله من السنة الأولى ثلاثة أشهر، فأطلق عليها سنة، وقبض النبي -ﷺ- في ربيع، فله من السنة الأخيرة ثلاثة أخرى، وأكمل بينهما ثلاث عشرة، فمن قال: "ثلاث عشرة" ألغى الكسرين، ومن قال: "خمس عشرة" جبرهما، والله أعلم.
[ ١٤٨ ]
قال الذهبي: "وكان وسيمًا جميلًا، مديد القامة، مهيبًا، كامل العقل، ذكي النفس، من رجال الكمال"١.
وقال أيضًا: "وكان أبيض، طويلًا، مُشْرَبًا صفرة، جسيمًا، وسيمًا، صبيح الوجه، له وفرة، يخضب بالحناء، دعا له النبي -ﷺ- بالحكمة"٢.
وروى سعيد بن سالم، حدثنا ابن جريج قال: كنا جلوسًا مع عطاء في المسجد الحرام، فتذاكرنا ابن عباس، فقال عطاء: ما رأيت القمر ليلة أربع عشرة إلا ذكرت وجه ابن عباس٣.
وروى إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا مر في الطريق، قلن النساء على الحيطان: أمرَّ المسك، أم مر ابن عباس؟ ٤
وروى مالك بن دينار عن عكرمة: كان ابن عباس يلبس الخز، ويكره المصمت٥.
وعن رشدين بن كريب، عن أبيه قال: رأيت ابن عباس يعتم بعمامة سوداء، فيرخي شبرًا بين كتفيه ومن بين يديه.
وقال أبو نعيم: حدثنا سلمة بن شابور، قال رجل لعطية: ما أضيق كمك! قال: كذا كان كم ابن عباس، وابن عمر٦.
وأمه هي أم الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير الهلالية من هلال بن عامر، أخت أم المؤمنين "ميمونة".
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٣٣". ٢ المصدر السابق "٣/ ٣٣٦". ٣ المصدر السابق "٣/ ٣٣٦، ٣٣٧". ٤ المصدر السابق "٣/ ٣٣٧". ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٦"، والخز: ثياب تنسج من صوف وإبريسم، والمصمت: هو الذي جميعه إبريسم لا يخالطه قطن ولا غيره. ٦ ما سبق من سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٥".
[ ١٤٩ ]
وله جماعة أولاد، أكبرهم العباس، وبه كان يكنى، وعلي أبو الخلفاء، وهو أصغرهم، والفضل، ومحمد، وعبيد الله، ولبابة، وأسماء.
والفضل، ومحمد، وعبيد الله ماتوا ولا عقب لهم، ولبابة لها أولاد وعقب من زوجها علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وبنته الأخرى أسماء، وكانت عند ابن عمها عبد الله بن عبيد الله بن العباس، فولدت له حسنًا وحسينًا.
- تلاميذه:
روى عنه: ابنه علي، وابن أخيه عبد الله بن معبد، ومواليه عكرمة، ومقسم، وكريب، وأبو معبد نافذ، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وأبو أمامة بن سهل، وأخوه كثير بن العباس، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله، وطاوس، وأبو الشعثاء جابر، وعلي بن الحسين، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبير، والقاسم بن محمد، وأبو صالح السمان، وأبو رجاء العطاردي، وأبو العالية، وعبيد بن عمير، وابنه عبد الله، وعطاء بن يسار، وإبراهيم بن عبد الله بن معبد، وأربدة التميمي صاحب التفسير، وأبو صالح باذام، وطليق بن قيس الحنفي، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن كعب القرظي، وشهر بن حوشب، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن أبي يزيد، وأبو جمرة نصر بن عمران الضبعي، والضحاك بن مزاحم، وأبو الزبير المكي، وبكر بن عبد الله المزني، وحبيب بن أبي ثابت، وسعيد بن أبي الحسن، وإسماعيل السدي، وخَلْق سواهم.
وذكر صاحب تهذيب الكمال من الرواة عنه مائتان سوى ثلاثة أنفس.
قال أبو سعيد بن يونس: "غزا ابن عباس إفريقية مع ابن أبي سرح، وروى عنه من أهل مصر خمسة عشر نفسًا"١.
_________________
(١) ١ نقلًا عن سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٣٦".
[ ١٥٠ ]
- دعاء الرسول -ﷺ- له بالحكمة، والعلم، والفقه:
ثبت بأسانيد صحيحة عن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- مسح رأسه وضمه إلى صدره ودعا له بالحكمة والفقه في الدين:
روى البخاري وغيره من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ضمني النبي -ﷺ- إلى صدره وقال: "اللهم علمه الحكمة" ١.
وأخرج ابن سعد من طريق عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: دعاني رسول الله -ﷺ- فمسح على ناصيتي وقال: "اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب" ٢.
وروى أحمد بن حنبل والحاكم والطبراني وغيرهم بإسناد صحيح، عن حماد بن سلمة وغيره، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله قال: بِتُّ في بيت خالتي ميمونة، فوضعت للنبي -ﷺ- غُسلًا، فقال: "من وضع هذا"؟ قالوا: عبد الله. فقال: "اللهم علمه التأويل، وفقهه في الدين" ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "١/ ١٥٥" في العلم: باب قول النبي ﷺ: "اللهم علمه الكتاب" و"٧/ ٧٨" في فضائل الصحابة: باب ذكر ابن عباس، و"١٣/ ٢٠٨" في أول كتاب الاعتصام، والترمذي "٣٨٢٤"، وابن ماجه "١٦٦"، والطبراني "١٠٥٨٨"، والبلاذري في "أنساب الأشراف" "٣/ ٢٩" كلهم من طريق خالد الحذاء به. ٢ الطبقات الكبرى "٢/ ٣٦٥". ٣ المسند "١/ ٢٦٦، ٣١٤، ٣٢٨، ٣٣٥"، والطبراني في المعجم الكبير "١٠٥٨٧"، وتاريخ الفسوي "١/ ٤٩٤"، وابن سعد "٢/ ٣٦٥"، والبلاذري "٣/ ٢٨"، وصححه الحاكم "٣/ ٥٣٤"، ووافقه الذهبي. وكان ابن عباس -﵁- من أعلم الصحابة في تفسير القرآن، فقد روى يعقوب بن سفيان في "تاريخه" "١/ ٤٩٥" بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجل، وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. وروى هذه الزيادة ابن سعد في "الطبقات" "٢/ ٣٦٦" من وجه آخر عن عبد الله بن مسعود، وروى أبو زرعة الدمشقي في تاريخه عن ابن عمر قال: هو أعلم الناس بما أنزل الله على محمد. وروى يعقوب أيضًا "١/ ٤٩٥" بإسناد صحيح عن أبي وائل قال: قرأ ابن عباس سورة النور، ثم جعل يفسرها، فقال رجل: "لو سمعت هذا الديلم لأسلمت"، ورواه أبو نعيم في "الحلية" "١/ ٣٢٤" من وجه آخر بلفظ "سورة البقرة"، وزاد أنه كان على الموسم -يعني: سنة خمس وثلاثين- كان عثمان -﵁- أرسله لما حصر.
[ ١٥١ ]
- رؤيته جبريل ﵇:
روى الإمام أحمد في مسنده وغيره بسند صحيح عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس قال: كنت مع أبي عند النبي -ﷺ- وكان كالمعرض عن أبي، فخرجنا من عنده، فقال: ألم ترَ ابن عمك كالمعرض عني؟ فقلت: إنه كان عنده رجل يناجيه، قال: أوكان عنده أحد؟ قلت: نعم. فرجع إليه، فقال: يا رسول الله، هل كان عندك أحد؟ فقال لي: "هل رأيته يا عبد الله"؟ قال: نعم، قال: "ذاك جبريل فهو الذي شغلني عنك" ١.
وروى بأسانيد صحيحة عن موسى بن ميسرة: أن العباس بعث ابنه عبد الله إلى رسول الله -ﷺ- في حاجة، فوجد عنده رجلًا، فرجع ولم يكلمه. فلقي العباس رسول الله -ﷺ- بعد ذلك فقال: أرسلت إليك ابني فوجد عندك رجلًا، فلم يستطع أن يكلمه. فقال: "يا عم! تدري من ذاك الرجل" قال: لا، قال: "ذاك جبريل لقيني، لن يموت ابنك حتى يذهب بصره ويؤتى علمًا" ٢.
- عبادته وورعه:
روى صالح بن رستم الخزاز، عن ابن أبي مليكة: صحبت ابن عباس -﵄- من مكة إلى المدينة، فكان إذا نزل قام شطر الليل، فسأله أيوب: كيف كانت قراءته؟ قال: قرأ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] فجعل يرتل ويكثر في ذلك النَّشِيج٣.
وفي رواية عن ابن أبي مليكة: صحبت ابن عباس عن مكة إلى المدينة، فكان
_________________
(١) ١ المسند "١/ ٢٩٣، ٢٩٤، ٣١٢"، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد "٩/ ٢٧٦" وقال: "رواه أحمد والطبراني بأسانيد، ورجالها رجال الصحيح"، ورواه أبو داود والطيالسي في مسنده "٢/ ١٤٩". ٢ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد "٩/ ٢٧٧" وقال: "رواه الطبراني بأسانيد ورجاله ثقات". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٢"، الحلية "١/ ٣٢٧"، والنشيج: أحر البكاء، وهو مثل البكاء للصبي إذا ردد صوته في صدره ولم يخرجه.
[ ١٥٢ ]
يصلي ركعتين، فإن نزل قام شطر الليل ويرتل القرآن حرفًا حرفًا، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب١.
وعن مُعتمر بن سليمان، عن شعيب بن درهم، عن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس وأسفل من عينيه مثل الشِّرَاك البالي من البكاء٢.
وعن أبي أمية بن يعلى، عن سعيد بن أبي سعيد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: يابن عباس! كيف صومك؟ قال: أصوم الإثنين والخميس. قال: ولِمَ؟ قال: لأن الأعمال تُرفع فيهما، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم٣.
وعن طاوس قال: ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا لحرمات الله من ابن عباس٤.
وقال القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلًا قط٥.
وروى أبو عوانة عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه لم يكن يدخل الحمام إلا وحده، وعليه ثوب صفيق، يقول: إني أستحيي الله أن يراني في الحمام متجردًا٦.
- تواضعه في طلب العلم:
روى الحاكم والطبراني وغيرهما بسند صحيح عن جرير بن حازم، عن يعلى
_________________
(١) ١، ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٢"، الحلية "١/ ٣٢٩". ٣ إسناده ضعيف لضعف أبي أمية بن يعلى، واسمه إسماعيل بن يعلى الثقفي البصري، قال يحيى: ضعيف ليس حديثه بشيء، وقال مرة: متروك الحديث، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال البخاري: سكتوا عنه، وفعل ابن عباس ثابت عن النبي -ﷺ- فقد روى الترمذي "٧٤٧" من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "تعرض الأعمال يوم الإثنين ويوم الخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم " وهو حديث حسن كما قال الترمذي، فإن له شاهدًا من حديث أسامة بن زيد عند أبي داود "٢٤٣٦"، والنسائي "٤/ ٢٠١، ٢٠٢" وسنده حسن، ومن حديث حفصة عند النسائي "٤/ ٢٠٣، ٢٠٤". ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٢"، الحلية "١/ ٣٢٩". ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥١". ٦ المصدر السابق "٣/ ٣٥٥".
[ ١٥٣ ]
ابن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما توفي رسول الله -ﷺ- قلت لرجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله -ﷺ- فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا يابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي -ﷺ- من ترى؟ فتركت ذلك وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح عليَّ التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يابن عم رسول الله! ألا أرسلتَ إليَّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأسألك، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس عليَّ، فقال: هذا الفتى أعقل مني١.
روى محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس قال: وجدت عامة علم رسول الله -ﷺ- عند هذا الحي من الأمصار، إن كنت لآتي الرجل منهم، فيقال: هو نائم، فلو شئت أن يوقظ لي، فأدعه حتى يخرج لأستطيب بذلك قلبه٢.
- تثبته في العلم:
كان ابن عباس -﵁- معروفًا بالتشدد في قبول الرواية، وأخذ العلم من الصحابة -﵃- فقد روى يزيد بن إبراهيم، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس -﵄- قال: إن كنتُ لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم٣.
- علمه وفقهه:
لقد بلغ علم ابن عباس -﵄- وفقهه مبلغًا يثير الدهشة والإعجاب، وذلك
_________________
(١) ١ طبقات ابن سعد "٢/ ٣٦٧، ٣٦٨"، المستدرك "٣/ ٥٣٨"، وصححه ووافقه الذهبي، وأورده الهيثمي في "المجمع" "٩/ ٢٧٧" وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٤"، وطبقات ابن سعد "٢/ ٣٦٨"، وأخرجه البلاذري "٣/ ٣٤، ٣٥" بسند حسن، ولفظه عند الأخيرين: لو شئت أن يوقظ لي لأوقظ فأجلس على بابه تسفي الريح على وجهي التراب حتى يستيقظ متى استيقظ فأسأله عما أريد ثم أنصرف. ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٣٤"، وقال الذهبي: "إسناده صحيح".
[ ١٥٤ ]
بشهادة الصحابة وكبار التابعين، وقد بلغ هذه الدرجة من العلم والفقه بفضل دعاء النبي -ﷺ- له بالعلم والفقه ومعرفة التأويل.
وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص: سمعتُ أبي يقول: ما رأيت أحدًا أحضر فَهْمًا، ولا ألب لبًّا، ولا أكثر علمًا، ولا أوسع حلمًا من ابن عباس، لقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات فيقول: قد جاءت معضلة، ثم لا يجاوز قوله، وإن حوله لأهل بدر١.
وقال الواقدي: حدثنا موسى بن محمد التيمي، عن أبيه، عن مالك بن أبي عامر، سمع طلحة بن عبيد الله يقول: لقد أُعطي ابن عباس فهمًا، ولَقْنًا، وعلمًا، ما كنت أرى عمر يُقدِّم عليه أحدًا٢.
وروى ابن سعد بسند صحيح عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد٣، وفي رواية: ما عاشره٤.
وقال الأعمش: حدثونا أن عبد الله قال: ولنعم ترجمان القرآن ابن عباس٥. وروى الأعمش عن إبراهيم قال: قال عبد الله: لو أن هذا الغلام أدرك ما أدركنا ما تعلقنا معه بشيء٦.
وعن محمد بن أُبي بن كعب، سمع أباه يقول -وكان عنده ابن عباس فقام- فقال: هذا يكون حبر هذه الأمة، أرى عقلًا وفهمًا. وقد دعا له رسول الله -ﷺ- أن يفقهه في الدين٧.
_________________
(١) ١ طبقات ابن سعد "٢/ ٣٦٩". ٢ طبقات ابن سعد "٢/ ٣٧٠". ٣ الطبقات" "٢/ ٣٦٦"، و"تاريخ الفسوي" "١/ ٤٩٥"، والمستدرك "٣/ ٥٣٧" من طرق عن الأعمش به. ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٧". ٥ طبقات ابن سعد "٢/ ٣٦٦"، وتاريخ الفسوي "١/ ٤٩٥"، وأخرجه الحاكم "٣/ ٥٣٧"، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. ٦ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٧". ٧ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٨"، وتاريخ الفسوي "١/ ٤٩٥"، وابن سعد "٢/ ٣٦٩".
[ ١٥٥ ]
وعن عكرمة: سمعتُ معاوية يقول لي: مولاك والله أفقه مَن مات ومَن عاش١.
ويُروى عن عائشة قالت: "أعلم من بقي بالحج ابن عباس"٢.
قال الذهبي: قلت: "وقد كان يرى متعة الحج حتمًا"٣.
قال الواقدي: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله قال: كان ابن عباس -﵄- قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبق، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم، ونسب، ونائل. وما رأيت أحدًا أعلم بما سبقه من حديث رسول الله -ﷺ- ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أعلم بما مضى، ولا أثقب رأيًا فيما احتيج إليه منه، ولقد كنا نحضر عنده فيحدثنا العشية كلها في المغازي، والعشية كلها في النسب، والعشية كلها في الشعر٤.
وعن طاوس قال: ما رأيت أروع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس٥. وقال مجاهد: ما رأيت أحدًا قط مثل ابن عباس، لقد مات يوم مات وإنه لحبر هذه الأمة٦.
وعن مجاهد قال: كان ابن عباس يُسمى البحر؛ لكثرة علمه٧.
وعن مجاهد أيضًا قال: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس، إلا أن يقول قائل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم٨.
_________________
(١) ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٨"، وتاريخ الفسوي "١/ ٤٩٥"، وابن سعد "٢/ ٣٦٩". بقي بالحج: أن يحرم قاصد الحج من الميقات بنية العمرة، فإذا فرغ منها تحلل من إحرامه، وبقي متحللًا إلى اليوم الثامن من ذي الحجة، ثم يحرم في اليوم الثامن بنية الحج. انظر: "زاد المعاد" "٢/ ١٧٨" وما بعدها. ٤ طبقات ابن سعد "٢/ ٣٦٨"، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٠". ٥ تاريخ الفسوي "١/ ٤٩٦"، وابن سعد "٢/ ٣٦٦"، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٠". ٦ أخرجه الحاكم "٣/ ٥٣٥"، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٠". ٧ أنساب الأشراف "٣/ ٣٣"، والمستدرك "٣/ ٥٣٥"، والحلية "١/ ٣١٦"، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٠". ٨ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٠".
[ ١٥٦ ]
وعن طاوس قال: أدركت نحوًا من خمسمائة من الصحابة، إذا ذاكروا ابن عباس فخالفوه، فلم يزل يُقرِّرهم حتى ينتهوا إلى قوله.
وقال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجًّا معه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم.
وعن الأعمش: حدثنا أبو وائل قال: حطبنا ابن عباس، وهو أمير على الموسم، فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ ويفسر، فجعلتُ أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثل هذا، لو سمعَتْه فارس والروم والترك لأسلمَتْ، وروى عاصم بن بهدلة عن أبي وائل مثله١.
وقال إسرائيل: أخبرنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كل القرآن أعلمه إلا ثلاثًا: "الرقيم"، و"غِسلين"، و"حَنَانًا"٢.
وروى يحيى بن يمان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير قال: قال عمر لابن عباس: لقد علمتَ علمًا ما علمناه٣.
وعن مسروق قال: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أجمل الناس. فإذا نطق، قلت: أفصح الناس. فإذا تحدث، قلت: أعلم الناس٤.
وقال سفيان بن عيينة: لم يُدرَك مثل ابن عباس في زمانه، ولا مثل الشعبي في زمانه، ولا مثل الثوري في زمانه٥.
_________________
(١) ١ ما سبق في: سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥١"، وانظر: أنساب الأشراف "٣/ ٣٨"، والمستدرك للحاكم "٣/ ٥٣٧"، والحلية "١/ ٣٢٤". ٢ تفسير الطبري "١٥/ ١٩٩" من طريق عبد الرزاق، عن إسرائيل به، وذكره السيوطي في "الإتقان" "١٠/ ١١٣"، ونسبه للفريابي من طريق سماك، عن عكرمة ، وقد ورد عن ابن عباس تفسير "الرقيم" بالكتاب واللوح، أو أنه اسم جبل أصحاب الكهف، و"حنانًا" بالرحمة، و"غسلين" بأنه صديد أهل النار. انظر: الطبري "١٥/ ١٩٨، ١٩٩ و١٦/ ٥٥ و٢٩/ ٦٥". ٣ أخرجه البلاذري "٣/ ٣٧" من طريق عبد الله بن صالح وعمرو، عن يحيى بن يمان بهذا الإسناد. ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥١"، وأخرجه البلاذري "٣/ ٣٠" بسند حسن عن مسروق به. ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٢".
[ ١٥٧ ]
وروى البخاري وآخرون غيره بسند صحيح عن أيوب، عن عكرمة: أن عليًّا حرق ناسًا ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم أنا بالنار، إن رسول الله -ﷺ- قال: "لا تعذبوا بعذاب الله"، وكنت قاتلهم لقوله ﷺ: "من بدل دينه فاقتلوه". فبلغ ذلك عليًّا فقال: ويح ابن أم الفضل، إنه لغواص على الْهَنَات١.
وقد خلَّف ابن عباس تراثًا ضخمًا من العلم وكمًّا هائلًا من الفقه.
قال ابن حزم في كتاب "الإحكام"٢: جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون أحد أئمة الإسلام فتاوى ابن عباس في عشرين كتابًا.
وعن عكرمة قال: كان ابن عباس في العلم بحرًا ينشق له الأمر من الأمور، وكان النبي -ﷺ- قال: "اللهم ألهمه الحكمة وعلمه التأويل"، فلما عمي، أتاه الناس من أهل الطائف ومعهم علم من علمه -أو قال: كتب من كتبه- فجعلوا يستقرئونه، وجعل يُقدِّم ويؤخر، فلما رأى ذلك قال: إني قد تَلِهْتُ من مصيبتي هذه، فمن كان عنده علم من علمي، فيلقرأ عليَّ، فإن إقراري له كقراءتي عليه،
قال: فقرءوا عليه٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "٦/ ١٠٦" في الجهاد: باب لا يعذب بعذاب الله، و"١٢/ ٢٣٧" في استتابة المريدين: باب حكم المرتد والمرتدة، والنسائي "٧/ ١٠٤" في تحريم الدم: باب الحكم في المرتد، من طرق عن أيوب، عن عكرمة. دون قوله: "فبلغ ذلك "، وأخرجه أبو داود "٤٣٥١" في أول الحدود، والحاكم "٣/ ٥٣٨، ٥٣٩" وفيه: "فبلغ ذلك عليًّا فقال: ويح ابن عباس". قال الخطابي: قوله: "ويح ابن عباس" لفظه لفظ الدعاء عليه ومعناه المدح له والإعجاب بقوله، وهذا كقول الرسول -ﷺ- في أبي بصير: "ويل أمه مسعر حرب"، وكقول عمر -﵁- حين أعجبه قول الوادعي في تفضيل سُهمان الخيل على المقاريف: "هبلت الوادعي أمه لقد أذكرت به" يريد: ما أعلمه، أو ما أصوب رأيه، ولفظ الترمذي "١٤٥٨" في الحدود: "فبلغ ذلك عليًّا فقال: صدق ابن عباس"، ولفظ البلاذري "٣/ ٣٥": "فبلغ ذلك عليًّا فقال: لله در ابن عباس". ٢ الإحكام في أصول الأحكام "٥/ ٩٢"، ونقله عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٨". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٤، ٣٥٥"، وقال الذهبي عقبه: تلهت: تحيرت، والأصل: ولهت، كما قيل في وجاه تجاه. وفي لسان العرب مادة "تله" التله: الحيرة، تله الرجل يتله تلهًا: حار، ورأيته يَتَتَلَّه: أي يتردد متحيرًا. وقيل: أصل التله بمعنى الحيرة: الوله، قلبت الواو ياء، وقد وله يوله، وتله يتله، وقيل: كان في الأصل: ائتله يأتله، فأدغمت الواو في التاء فقيل: اتَّله يتَّله، ثم حذفت التاء فقيل تَلِه يتلَه، كما قالوا: تَخِذ يتْخذ، وتقي يتقى، والأصل فيهما: اتَّخذ يتَّخذ، واتقى يتقي. وقال الأزهري: تَلِهتُ كذا وتلهت عنه: أي ضللته وأُنْسِيتُه.
[ ١٥٨ ]
- مكانته عند عمر ﵄:
روى ابن عيينة عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن قال: كان ابن عباس من الإسلام بمنزل، وكان من القرآن بمنزل، وكان يقوم على منبرنا هذا، فيقرأ البقرة وآل عمران فيفسرهما آية آية. وكان عمر -﵁- إذا ذكره قال: ذلك فتى الكهول، له لسان سَئُول، وقلب عَقول١.
وروى معمر عن الزهري قال: قال المهاجرون لعمر: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ قال: ذاكم فتى الكهول؛ إن له لسانًا سئولًا وقلبًا عقولًا٢.
وروى عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن ابن عباس قال: دعاني عمر مع الأكابر ويقول لي: لا تتكلم حتى يتكلموا، ثم يسألني، ثم يقبل عليهم فيقول: ما منعكم أن تأتوني بمثل ما يأتيني به هذا الغلام الذي لم تستوِ شئون رأسه٣.
وروى البخاري في صحيحه من طريقين، عن أبي بشر، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني من أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لِمَ تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعا ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا. فقال لي: أكذاك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله -ﷺ- أعلمه له قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول٤.
_________________
(١) ١ أخرجه الطبراني "١٠٦٢٠"، وعنه أبو نعيم "١/ ٣١٨"، والبلاذري "٣/ ٧٣"، وأورده الهيثمي في "المجمع" "٢٧٧/ ٩"، ونسبه للطبراني وقال: وأبو بكر الهذلي ضعيف. ٢ المستدرك "٣/ ٥٣٩، ٥٤٠" ورجاله ثقات إلا أنه منقطع. ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٥". شئون الرأس: عظامه والشعب التي تجمع بين قبائل الرأس وهي أربعة أشؤن. ٤ صحيح البخاري: المناقب، وفي "٨/ ٩٩" المغازي: باب منزل النبي يوم الفتح، وفي المغازي: باب مرض النبي ووفاته، وفي التفسير: باب قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، وأخرجه أحمد "١/ ٣٣٧، ٣٣٨"، والترمذي "٣٣٦٢"، والطبراني "١٠٦١٦" و"١٠٦١٧"، وابن جرير "٣٠/ ٣٣٣"، والحاكم "٣/ ٥٣٩"، وأبو نعيم "١/ ٣١٦، ٣١٧"، وذكره السيوطي في الدر المنثور "٦/ ٤٠٧"، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل. وقوله: "قد وجدوا على عمر" معناه: غضبوا، ولفظ "وجد" الماضي يستعمل بالاشتراك بمعنى الغضب، والحب، والغنى، واللقاء.
[ ١٥٩ ]
وقال أبو يحيى الحماني: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، قال عمر: لا يلومني أحد على حب ابن عباس.
وعن مجالد، عن الشعبي قال: قال ابن عباس ﵄: قال لي أبي: يا بني، إن عمر يدنيك، فاحفظ عني ثلاثًا: لا تفشين له سرًّا، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا يُجَرِّينَّ عليك كذبًا١.
وروى عبد الرزاق في مصنفه، عن معمر، عن علي بن بَذِيمة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: قدم على عمر رجلٌ، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا. فقلت: والله ما أحب أن يسارعوا يومهم هذا في القرآن هذا المسارعة. قال: فزَبَرَني عمر، ثم قال: مَهْ. فانطلقت إلى منزلي مكتبئًا حزينًا، فقلت: قد كنت نزلت من هذا بمنزلة، ولا أراني إلا قد سقطت من نفسه، فاضطجعت على فراشي، حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع، فبينا أنا على ذلك، قيل لي: أجب أمير المؤمنين. فخرجت، فإذا هو قائم على الباب ينتظرني، فأخذ بيدي، ثم خلا بي فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفًا؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إن كنت أسأت، فإني أستغفر الله وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت. قال: لتخبرني. قلت: متى ما يسارعوا هذه المسارعة يحتَقُّوا٢، ومتى ما يحتقوا يختصموا، ومتى ما اختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا. قال: لله أبوك. لقد كنتُ أكتمها الناس حتى جئتَ بها٣.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٦"، والحلية "١/ ٣١٨"، ونسب قريش "٣٦"، وأنساب الأشراف "٣/ ١٥"، والطبراني "١٠٦٩"، والفسوي "١/ ٥٣٣، ٥٣٤"، وفي مجالد كلام، وباقي رجاله ثقات، وانظر: المجمع "٤/ ٢٢١". ٢ أي: يختصمون ويقول كل واحد منهم: الحق في يدي. ٣ المصنف رقم "٢٠٣٦٨"، وفي تاريخ الفسوي "١/ ٥١٦، ٥١٧"، وسير أعلام النبلاء "٣/ ٣٤٨، ٣٤٩" بسنده عن عبد الرزاق به.
[ ١٦٠ ]
- بعض شعره:
قال ابن عبد البر في ترجمة ابن عباس١: هو القائل ما رُوي عنه من وجوه:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دَخَل وفي فمي صارم كالسيف مأثور
- بعض ما قيل فيه من الشعر:
مما قال حسان -﵁- فيه:
إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه رأيتَ له في كل أقواله فضلا
إذا قال لم يترك مقالا لقائل بمنتَظَمَات لا ترى بينها فصلا
كفَى وشفَى ما في النفوس فلم يدع لذي أَرَبٍ في القول جِدا ولا هزلا
سموتَ إلى العليا بغير مشقة فنِلْتَ ذراها لا دَنِيًّا ولا وغلا
خُلِقْتَ حليفًا للمروءة والندى بَلِيجًا ولم تُخْلَقْ كَهَامًا ولا خَبْلا٢
ولأبي الطفيل الكناني حين منع ابن الزبير عبدَ الله بن عباس من الاجتماع بالناس، كان يخافه، وإنما أخَّر الناس عن بيعة ابن عباس -أن لو شاء الخلافة- ذَهاب بصره:
_________________
(١) ١ الاستيعاب "٢/ ٣٥٦"، وعنه الذهبي في السير "٣/ ٣٥٧". ٢ الأبيات بتمامها في سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٣"، وفي الاستيعاب "٢/ ٣٥٤"، ومجمع الزوائد "٩/ ٢٨٥"، وهي عدا الأول والأخير في ديوان حسان "ص٢١٢"، وأنساب الأشراف "٣/ ٤٣"، ونسب قريش "٢٧"، والمستدرك "٣/ ٥٤٥"، والإصابة "٢/ ٣٣٠". وقوله: "بليجا" أي: طلق الوجه بالمعروف، قالت الخنساء: كأن لم يقل أهلا لطالب حاجة وكان بليج الوجه منشرح الصدر الكهام: يقال: سيف كهام: كليل لا يقطع، ومن المجاز: رجل كهام: لا غناء عنده، ولسان كهام: عيي، وفرس كهام: بطيء عن الغاية، والخبل: الفساد. وقد تحرفت في المطبوع من "الاستيعاب" "بليجا" إلى "فليجا" و"خبلا" إلى "جبلا".
[ ١٦١ ]
لا دَرَّ دَرُّ الليالي كيف تضحكنا منها خُطُوب أعاجيب وتُبكينا
ومثل ما تُحدث الأيام من غير في ابن الزبير عن الدنيا تُسَلِّينا
كنا نجيء ابن عباس فيقبسنا فقهًا ويكسبنا أجرًا ويَهدينا
ولا يزال عبيد الله مُتْرَعة جفانه مُطعِمًا ضيفًا ومسكينًا
فالبر والدين والدنيا بدارهما ننال منها الذي نبغي إذا شينا
إن الرسول هو النور الذي كُشف به عَمَايات ماضينا وباقينا
ورهطه عصمةٌ في ديننا ولهم فضلٌ علينا وحق واجب فينا
ففيم تمنعهم منا وتمنعنا منهم وتؤذيهم فينا وتؤذينا
لن يُؤتِيَ الله إنسانًا ببغضهم في الدين عزًّا ولا في الأرض تَمْكِينا١
- وفاته:
قال ابن الحنفية لما دفن ابن عباس: اليوم مات ربَّانيُّ هذه الأمة٢.
وروى غير واحد عن أبي الزبير قال: لما مات ابن عباس جاء طائر أبيض، فدخل في أكفانه، فكانوا يرون أنه علمه٣.
قال الذهبي: وروى عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير نحوه، وزاد: فما رُئي بعد؛ يعني الطائر٤.
وروى حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن بُجَيْر بن أبي عبيد قال:
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٦، ٣٥٧"، والأبيات في الاستيعاب "٢/ ٣٥٥، ٣٥٦". ٢ طبقات ابن سعد "٢/ ٣٦٨"، البلاذري في أنساب الأشراف "٣/ ٥٤"، المستدرك للحاكم "٥/ ٥٤٣"، سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٧"، تاريخ الفسوي "١/ ٥٤٠". ٣ المستدرك "٣/ ٥٤٣"، أنساب الأشراف "٣/ ٥٤". ٤ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٧".
[ ١٦٢ ]
مات ابن عباس بالطائف، فلما خرجوا بنعشه، جاء طير عظيم أبيض من قِبَلِ وَجٍّ حتى خالط أكفانه، ثم لم يروه، فكانوا يرون أنه علمه١.
وروى الذهبي بسنده عن سالم الأفطس، عن سعيد قال: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائر لم يُرَ على خلقته، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجًا منه، فلما دفن، تليت هذه الآية على شفير القبر لا يُدرَى من تلاها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧] الآية٢.
وقال الذهبي رواه بسام الصيرفي، عن عبد الله بن يامين، وسَمَّى الطائر: غُرْنوقًا٣.
وروى فرات بن السائب، عن ميمون بن مهران: شهدت جنازة ابن عباس بنحو من حديث سالم الأفطس٤، قال الذهبي: فهذه قضية متواترة٥.
قال علي بن المديني: تُوفي ابن عباس سنة ثمان أو سبع وستين. وقال الواقدي، والهيثم، وأبو نعيم: سنة ثمان. وقيل: عاش إحدى وسبعين سنة٦.
- مروياته:
قال الحافظ الذهبي في السير٧: ومسنده ألف وستمائة وستون حديثًا. وله من ذلك في "الصحيحين" خمسة وسبعون، وتفرد البخاري له بمائة وعشرين حديثًا، وتفرد مسلم بتسعة أحاديث.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٨". ٢ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٨"، وأورده في المجمع "٩/ ٢٨٥" وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وهو في المستدرك "٣/ ٥٤٣، ٥٤٤". ٣ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٨"، والخبر في تاريخ الفسوي "١/ ٥٣٩". ٤ حلية الأولياء "١/ ٣٢٩". ٥ سير أعلام النبلاء "٣/ ٣٥٨". ٦ المصدر السابق "٣/ ٣٥٩". ٧ المصدر السابق "٣/ ٣٥٩".
[ ١٦٣ ]