١ - مصادر الخطيب الحديثية في «تاريخه» لم تكن من الكتب الصحاح والمشاهير، مثل: الكتب الستة، وصحاح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ومسانيد الطيالسي والحميدي وأحمد بن حنبل ونحوها، بل كانت من كتب أخرى هي دون الكتب المذكورة في الصحة والشهرة، مثل: كتب المعاجم والمشيخات والأمالي والأجزاء والغرائب والأفراد والفوائد والعلل وتراجم الرجال ونحوها؛ ذلك لأنه لم يكن مقصوده إيراد الأحاديث للاحتجاج أو الاستشهاد، بل كان مقصوده إيراد ما اتصل له بالإسناد من أحاديث المترجَم له، لا سيما تلك التي تفرَّد بها، أو أُنكرت عليه؛ لذلك كانت مصادره في الغالب الكتب المذكورة، والتي هي مَظِنَّة الأفراد والغرائب والمناكير.
٢ - ينقل الخطيب أحيانًا كلام النقاد على الأحاديث التي يوردها في «تاريخه»، فتارة يوافقهم، وتارة يعارضهم، وتارة يسكت.
٣ - تكلم الخطيب على أحاديث كثيرة، وبيَّن ما فيها من تفرُّد أو اختلاف أو علل أو ضعف.
[ ٤٥٣ ]
٤ - بيَّنت الدراسة دقة نقد الخطيب للأحاديث، وخبرته بأخطاء الرواة، وعِلمه من أين يأتي الخطأ.
٥ - قرَّر الخطيب في «الكفاية» أن الصواب في مسألة اختلاف الرواة في الحديث بين الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، أو زيادة لفظة وعدمها، هو وجوب قبول الوصل والرفع والزيادة في كل الأحوال، إذا كان الراوي ثقة.
إلا أنه في «تاريخ بغداد» قد ردَّ كثيرًا من الزيادات ورجَّح الإرسال على الوصل والوقف على الرفع، معتمدًا في ترجيحه على الأحفظ والأكثر وغيرهما من القرائن، وسار في نقده في هذه المسألة على نهج أئمة الحديث ونقاده، وقد خالف بذلك ما قرره في «الكفاية» من ترجيح الزيادة والوصل والرفع مطلقًا.
٦ - من أصول النقد عند الخطيب:
أ- معرفة التاريخ من أهم الأمور التي تُستعمل للتوصل لكذب الرواة.
ب- الراوي إذا لم يكن مشهورًا بالثقة والأمانة، ثم أتى بأحاديث منكرة لا تُعرَف إلا من جهته؛ فإنه هو المتهم بوضعها، لا سيما إذا كان كل مَن عداه في الإسناد ثقة.
ج- قد يُحكم على الحديث بأنه موضوع، مع أن راويَه غيرُ مشهور بالكذب، بل قد يكون موثَّقًا من بعض أهل العلم.
[ ٤٥٤ ]
د- إذا كان الحديث معروفًا عند أهل العلم أنه تفرد به شخص ما، ثم
جاء راو آخر فرواه؛ فإنه يُستدل بذلك على خطئه.
هـ- من أسباب الخطأ في الحديث روايته بالمعنى على نحوٍ يغيِّر المعنى المقصود منه، ويقع هذا في المتن، إلا أنه يقع أحيانًا في الإسناد.
و- سلوك الجادَّة، ومخالفة الرواية للمشهور، وعدم وجود الرواية في كتاب الشيخ، من الطرق التي يُستدل بها على خطأ الراوي.
ي- اشتمال المتن على ما يخالف وقائع التاريخ، أو على ما يخالف الأحاديث المشهورة، من أدلة بطلانه، حتى لو كان إسناده صحيحًا في الظاهر.
٧ - تأثَّر الخطيب بمتقدمي النقاد في أحكامه النقدية على الأحاديث، وكان من أكثر الحفاظ الذين استفاد منهم الخطيب وتأثر بهم في أحكامه النقدية هو إمام العلل في عصره الحافظ الدارقطني - ﵀ -، إلا أن هذا لا يفيد أن الخطيب كان مقلِّدًا لمتقدِّمي النقاد عالةً عليهم، بل كان مجتهدًا في نقد الحديث، له أحكامه الخاصة به، وكان إذا خالف اجتهادُه اجتهادَ من سبقه من النقاد صرَّح بمخالفته له، وبيَّن ذلك بالأدلة والبراهين.
٨ - تأثَّر بأحكام الخطيب النقدية على الأحاديث كثيرٌ ممن أتى بعده واستفادوا منها، أمثال: ابن عساكر، وابن الجوزي، والذهبي، والعراقي، وابن حجر، والسخاوي، والسيوطي، وغيرهم.
[ ٤٥٥ ]