كيفية معرفة الخطيب بنقد الراوي
هناك علاقة وطيدة بين نقد الراوي (الجرح والتعديل) ونقد الرواية (علل الحديث)، فعلم الجرح والتعديل يبحث جانبين أساسيين في الرواة: العدالة، والضبط. ومعرفة ضبط الراوي تعتمد اعتمادًا رئيسًا على علم علل الحديث؛ لأن علم علل الحديث يتبين فيه خطأ الراوي من خلال اعتبار حديثه؛ حيث يتم مقارنة مرويات الراوي بمرويات غيره من أهل الحفظ والإتقان، فيتبين لنا الخطأ منها والصواب، فنستطيع أن نحكم على الرواة بمقتضى ما تبين لنا من رواياتهم، فالراوي الذي تقل أخطاؤه يكون ثقة، والراوي الذي تكثر أخطاؤه يكون ضعيفًا، وهكذا (^١).
كذلك، فإن علم علل الحديث يستند على علم الجرح والتعديل في التعرُّف على أخطاء الرواة وأوهامهم، وذلك بمقارنة رواياتهم واعتبار مراتبهم في الضبط والإتقان؛ لترجيح ما اختلفوا فيه أو لقبول ما تفردوا به، وفي هذا يقول الخطيب - ﵀ -: «والسبيل إلى معرفة علة الحديث: أن يُجمع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط» (^٢).
_________________
(١) ينظر: «شرح لغة المحدث» للدكتور طارق بن عوض الله (ص: ٣٠٩)، و«منهج الإمام أحمد في التعليل» للدكتور أبي بكر كافي (ص: ٥٧٨).
(٢) «الجامع لأخلاق الراوي» (٢/ ٢٩٥)، وينظر: «منهج الإمام أحمد في التعليل» (ص: ٥٨٠).
[ ٤٣١ ]
وهذا مثال واحد يبين كيفية نقد الخطيب للراوي وللرواية معًا، ويوضِّح مقدار ما كان يلاقيه - ﵀ - من عناء ومشقة في سبيل ذلك:
قال الخطيب في ترجمة شيخه محمد بن علي بن يعقوب أبي العلاء الواسطي: «رأيت لأبي العلاء أصولًا عُتُقًا سماعه فيها صحيح، وأصولًا مضطربة، وسمعته يذكر أن عنده تاريخ شباب العُصْفري، فسألته إخراجَ أصله به لأقرأه عليه فوعدني بذلك.
ثم اجتمعت مع أبي عبد الله الصوري فتجارينا ذِكره، فقال لي: لا تُرِد أصله بتاريخ شباب؛ فإنه لا يصلح لك. قلت: وكيف ذاك؟
فذكر أن أبا العلاء أخرج إليه الكتاب، فرآه قد سمَّع فيه لنفسه تسميعًا طريًّا (^١)؛ مشاهدته تدل على فساده.
وذاكرتُ أبا العلاء يومًا بحديث كتبته عن أبي نُعيم الحافظ عن أبي محمد بن السقَّاء (^٢)، فقال: قد سمعتُ هذا الحديث من ابن السقَّاء، وكتبه عني أبو عبد الله بن بُكير (^٣)، وكتاب ابن بُكير عندي.
فسألته إخراجه إليَّ، فوعدني بذلك، ثم أخرجه إليَّ بعد أيام، وإذا جزء كبير
_________________
(١) أي: أنه ألحق اسمه في طباق السماع بخط حديث؛ ليدَّعي أنه سمع الكتاب، وسيأتي تفصيل ذلك بعد قليل.
(٢) هو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عثمان بن المختار أبو محمد المزني الواسطي، يعرف بابن السقاء، كان فَهِمًا حافظًا، توفي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. «تاريخ بغداد» (١١/ ٣٥٤).
(٣) هو الحسين بن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن بكير أبو عبد الله الصيرفي، كان حافظًا، مات سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. «تاريخ بغداد» (٨/ ٥٢٣).
[ ٤٣٢ ]
بخط ابن بُكير، قد كتب فيه عن جماعة من الشيوخ، وقد علَّق عن أبي العلاء فيه الحديث، ونظرت في الجزء فإذا ضربٌ طريٌّ على تسميع من بعض أولئك الشيوخ، ظننتُ أنَّ أبا العلاء كان قد ألحق ذلك التسميع لنفسه، ثم لما أراد إخراج الجزء إليَّ خشي أن أستنكر التسميع لطراوته، فضرب عليه.
ورأيت له أشياء سماعه فيها مفسود، إما محكوك بالسكين، أو مُصلَّح بالقلم.
ثم قرأت عليه حديثًا من المسلسلات، فقال: هذا الحديث عندي بعلو من طريق غير هذا، فسألته إخراجه، فأخرجه إليَّ في رقعة بخطه، وقرأه عليَّ من لفظه، فقال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عثمان المزني الحافظ، وهو آخذ بيدي قال: حدثنا أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي، وهو آخذ بيدي قال: حدثنا أبو الربيع الزهراني، وهو آخذ بيدي قال: حدثني مالك، وهو آخذ بيدي قال: حدثني نافع، وهو آخذ بيدي قال: حدثني ابن عباس، وهو آخذ بيدي قال: قال لي رسول الله - ﷺ - وهو آخذ بيدي: «من أخذ بيد مكروب أخذ الله بيده» (^١).
فلما قرأه عليَّ استنكرته، وأظهرت التعجُّب منه، وقلت له: هذا الحديث من هذا الطريق غريب جدًّا، وأُراه باطلًا!
فذكر أن له به أصلًا نقله منه إلى الرُّقعة، وأن الأصل قريب إليه لا يتعذر إخراجه عليه، واعتلَّ بأن له شغلًا يمنعه عن إخراجه في ذلك الوقت، فسألته أن يخرجه بعد فراغه من شغله، فأجاب إلى أنه يفعل ذلك.
_________________
(١) لم أجد من أخرجه من هذا الطريق.
[ ٤٣٣ ]
وانصرفت من عنده، فالتقيت ببعض من كان يختص به، فذكرت له القصة، وقلت: هذا حديث موضوع على أبي يعلى الموصلي، وكنت قد سمعته من غير أبي العلاء بنزول، وقلت: ما أظن القاضي إلا قد وقع إليه نازلًا من الطريق الموضوع، فركَّبه وألزقه في روايته فحدَّث به عن عبد الله بن محمد بن عثمان المعروف بابن السقاء.
فلما كان بعد أسبوع اجتمعت معه، فقال لي: قد طلبت أصل كتابي بالحديث، وتعبت في طلبه فلم أجده، وهو مختلط بين كتبي. فسألته أن يعيد طلبه إياه، فقال: أنا أفعل.
ومكثت مدة أقتضيه به، وهو يحتج بأنه ليس يجده، ثم قال لي: أيش قدر هذا الحديث؟ وكم عندي مثله يُروى عني؟ فما سمَّعني غيرَه.
وسئل أبو العلاء بعد إنكاريه (^١) عليه أن يحدِّث به فامتنع، ولم يروه لأحد بعدي، والله أعلم.
حدثني القاضي أبو العلاء بعد هذه القصة التي شرحتها بمدة طويلة من أصل كتابه وهو آخذ بيدي قال: حدثني أبو الطيب أحمد بن علي بن محمد الجعفري، وهو آخذ بيدي قال: حدثني أبو الحسين أحمد بن الحسين الفقيه الشافعي الصوفي، وهو آخذ بيدي قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عاصم المعروف بابن المقرئ بأصبهان، وهو آخذ بيدي قال: حدثنا أبو يعلى الموصلي، وهو آخذ بيدي قال: حدثنا أبو الربيع الزهراني، وهو آخذ بيدي قال: حدثني مالك، وهو آخذ بيدي قال: حدثني نافع، وهو آخذ بيدي قال: حدثني
_________________
(١) كذا في المطبوع.
[ ٤٣٤ ]
ابن عباس، وهو آخذ بيدي قال: قال لي رسول الله - ﷺ - وهو آخذ بيدي: «من أخذ بيد مكروب أخذ الله بيده».
فلما حدثني أبو العلاء بهذا الحديث، قال لي: كنتُ سمعتُ من أبي محمد بن السقَّاء، حديث أبي يعلى الموصلي، عن أبي الربيع الزهراني كله، ثم كتبت هذا الحديث عن الجعفري فظننته في جملة ما سمعته من ابن السقَّاء عن أبي يعلى فرويته عنه.
فأعلمتُ أبا العلاء أنه حديث موضوع لا أصل له. فقال: لا يُروى عني غير حديث الجعفري هذا.
ورأيت بخط أبي العلاء عن بعض الشيوخ المعروفين حديثًا استنكرته، وكان متنه طويلًا موضوعًا مركَّبًا على إسناد واضح صحيح عن رجال ثقات أئمة في الحديث، فذاكرت به أبا عبد الله الصوري، فقال لي: قد رأيت هذا الحديث في كتاب أبي العلاء واستنكرته فعرضتُه على حمزة بن محمد بن طاهر (^١)، فقال لي: اطلب من القاضي أصلًا به؛ فإنه لا يقدر على ذلك. وكانت مذاكرتي به الصوري بعد مدة من وفاة حمزة - ﵀ -.
أخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطي من كتابه في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة قال: أخبرنا عبد الله بن موسى السلامي الشاعر بفائدة ابن بكير (^٢)
_________________
(١) هو حمزة بن محمد بن طاهر بن يونس بن جعفر بن محمد بن الصباح أبو طاهر الدقاق مولى أمير المؤمنين المهدي، قال الخطيب: كتبنا عنه، وكان صدوقًا، فَهِمًا، عارفًا، مات سنة أربع وعشرين وأربعمائة. «تاريخ بغداد» (٩/ ٦٢).
(٢) يعني: أن ابن بكير هو الذي دلَّه على سماع هذا الحديث من السلامي، والله أعلم.
[ ٤٣٥ ]
قال: حدثني أبو علي مفضَّل بن الفضل الشاعر قال: حدثني خالد بن يزيد الشاعر قال: حدثني أبو تمام حبيب بن أوس الشاعر قال: حدثني صهيب بن أبي الصهباء الشاعر قال: حدثني الفرزدق الشاعر قال: حدثني عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الشاعر قال: حدثني أبي حسانُ بن ثابت الشاعر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اهجُ المشركين وجبريلُ معك». وقال لي: «إن من الشعر حكمة» (^١).
أفدتُ هذا الحديث عن أبي العلاء جماعةً من أصحابنا البغداديين والغرباء مع تعجُّبي منه؛ فإن عبد الله بن موسى السلامي صاحب عجائب وطرائف، وكان موطنه وراء نهر جَيْحون، وحدَّث ببخارى وسمرقند وتلك النواحي، ولم ألحق بخراسان من سمع منه، ولا علمت أنه قدم بغداد (^٢).
فلما حدثني عنه أبو العلاء جوَّزت أن يكون ورد إلينا حاجًّا فظفر به أبو عبد الله بن بكير وسمع معه أبو العلاء منه، ولم يتسع له المقام حتى يروي ما يشتهر به حديثه، وتظهر عندنا رواياته.
فلما كان في سنة تسع وعشرين وأربعمائة وقع إليَّ جزء بخط أبي عبد الله بن بكير، قد كان جمع فيه أحاديث مسندة لجماعة من الشعراء وكتبها بخطه، فوجدت في جملتها بخط ابن بكير: حدثني الحسن بن علي بن طاهر أبو علي الصيرفي قال: أخبرني عبد الله بن موسى السلامي الشاعر مشافهة قال: حدثني أبو علي مفضَّل بن الفضل الشاعر بالحديث الذي ذكرته عن أبي العلاء عن السلامي بعينه بسياقه ولفظه.
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٢/ ١٧) من طريق الخطيب.
(٢) وقد ترجم له الخطيب في «تاريخ بغداد» (١١/ ٣٨٣).
[ ٤٣٦ ]
وكان في الجزء حديث آخر عن ابن طاهر الصيرفي أيضًا عن السلامي، ذكر ابن طاهر أن السلامي أخبرهم به مناولة.
فأوقفتُ على كتاب ابن بكير جماعةً من شيوخنا وأصحابنا، وشرحت هذه القصة لأبي القاسم التَّنُوخي (^١) فاجتمع مع أبي العلاء، وقال له: أيها القاضي، لا تروِ عن عبد الله بن موسى السلامي؛ فإن هذا الشيخ حدَّث بنواحي بخارى ولم يَرِد بغداد. فقال أبو العلاء: ما رأيت هذا السلامي ولا أعرفه» (^٢).
وفي النقاط التالية أبيِّن كيفية معرفة الخطيب بجرح الرواة وتعديلهم:
١ - فحص أحاديث الراوي:
إذا أراد الخطيب -وكذلك غيره من النقاد- أن يعرف حال راوٍ، فإنه يجمع أحاديثه ويقارنها بأحاديث الثقات الذين شاركوه فيها، فإن كثرت موافقته لهم كان ثقةً مثلهم، وإن كثرت مخالفته لهم كان منكر الحديث، وبقدر الموافقة والمخالفة بقدر ما يُعرف حفظ الراوي وضبطه (^٣).
ذكر الخطيب في ترجمة عبد الله بن خيران من «تاريخ بغداد» أن العقيلي قال: «عبد الله بن خيران بغدادي لا يُتابع على حديثه» (^٤).
_________________
(١) هو علي بن المحسن بن علي بن محمد بن أبي الفهم أبو القاسم التنوخي، كان متحفِّظًا في الشهادة محتاطًا، صدوقًا في الحديث، تقلَّد قضاء نواحٍ عدة، مات سنة سبع وأربعين وأربعمائة. «تاريخ بغداد» (١٣/ ٦٠٤).
(٢) «تاريخ بغداد» (٤/ ١٦٣ وما بعدها).
(٣) ينظر: مقدمة «صحيح مسلم» (١/ ٧).
(٤) «الضعفاء الكبير» (٢/ ٢٤٥).
[ ٤٣٧ ]
فتعقَّبه الخطيب قائلًا: «قد اعتبرتُ من رواياته أحاديث كثيرة، وجدتُها مستقيمة تدل على ثقته، والله أعلم» (^١).
فقد اختبر العقيلي أحاديث هذا الراوي فوجده ينفرد بأحاديث لا يتابعه عليها الثقات.
لكن الخطيب قد اختبر أحاديث كثيرة من مرويات هذا الرجل، فوجدها موافقة لأحاديث الثقات الذين شاركوه فيها، وهذا يدل على أنه ثقة (^٢).
ونرى الخطيب في مواضع كثيرة من «تاريخه» يقول: «أحاديث فلان تدل على سوء ضبطه»، أو «كان غير ثقة روى أحاديث باطلة»، أو «أحاديثه تدل على ثقته»، أو «أحاديثه مستقيمة تدل على صدقه»، أو نحوها من العبارات (^٣).
فهذا دليل واضح على أنه يتوصل إلى معرفة حال الراوي عن طريق دراسته لمروياته.
٢ - الترجيح بين أقوال النقاد في الرواة المتقدِّمين:
إذا اختلفت أقوال النقاد في راو بين معدِّل ومجرِّح؛ فإن الخطيب يدرس أقوالهم جيدًا ويرجح بينها بالأدلة والقرائن.
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١١/ ١١٨).
(٢) وينظر مثال آخر سبق (ص: ٤٢٥).
(٣) ينظر على سبيل المثال: «تاريخ بغداد» (٢/ ٥٣٧)، (٣/ ٥٥٠)، (٤/ ٣٦٨)، (٥/ ١٥)، (١٠/ ٤٥٢)، (١٥/ ٦٠٧).
[ ٤٣٨ ]
- ذكر الخطيب في ترجمة الحسين بن داود الملقَّب بسُنَيد، أن
أبا عبيد الآجري سأل أبا داود عنه فقال: لم يكن بذاك، كان ينزل الثغر (^١).
ثم ذكر عن النسائي أنه قال: الحسين بن داود -يعني سنيدًا- ليس بثقة (^٢).
فتعقبهما الخطيب بقوله: «لا أعلم أي شيء غمصوا على سُنَيد، وقد رأيتُ الأكابر من أهل العلم رووا عنه واحتجوا به، ولم أسمع عنهم فيه إلا الخير، وقد كان سُنَيد له معرفة بالحديث وضبط له، فالله أعلم.
وذكره أبو حاتم الرازي في جملة شيوخه الذين روى عنهم، وقال: بغدادي صدوق (^٣)» (^٤).
- وذكر الخطيب في ترجمة خالد بن خداش، أن زكريا بن يحيى الساجي قال: خالد بن خداش المُهلَّبي فيه ضعف؛ قال يحيى بن معين: قد كتبتُ عنه، تفرد عنه حماد بن زيد بأحاديث (^٥).
فتعقَّبه الخطيب قائلًا: «لم يورد زكريا في تضعيفه حجة سوى الحكاية عن يحيى بن معين أنه تفرد برواية أحاديث، ومثل ذلك موجود في حديث مالك بن أنس، والثوري، وشعبة، وغيرهم من الأئمة.
_________________
(١) لم أجده في المطبوع من «سؤالات الآجري» والله أعلم.
(٢) لم أجده.
(٣) «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٤/ ٣٢٦ رقم ١٤٢٨).
(٤) «تاريخ بغداد» (٨/ ٥٧٥).
(٥) لم أجده.
[ ٤٣٩ ]
ومع هذا فإن يحيى بن معين وجماعةً غيره قد وصفوا خالدًا بالصدق، وغير واحد من الأئمة قد احتج بحديثه».
ثم ذكر أن عبد الخالق بن منصور قال: سئل يحيى بن معين عن خالد بن خداش فقال: صدوق (^١). وأن يعقوب بن شيبة قال: كان ثقة صدوقًا. وأن صالح بن محمد جزرة قال: صدوق. وأن ابن سعد قال: كان ثقة (^٢).
٣ - التاريخ:
استعمال التاريخ من أهم الأمور المُعِينة على معرفة صدق الرواة وكذبهم، وقد قرَّر الخطيب ذلك في كتابه «الجامع لأخلاق الراوي» وبيَّن أن أصحاب الحديث قيَّدوا مواليد الرواة، وتاريخ موتهم؛ ليختبروا كذب الرواة الذين يدَّعون السماع ممن لم يلقوه (^٣).
وقد استعمل الخطيب هذه الطريقة في «تاريخ بغداد»، فقد روى في ترجمة أبي بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن ثابت الأُشناني (^٤) ومن طريقه، عن حنبل بن إسحاق بن حنبل قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن الحجاج، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: «هبط عليَّ جبريلُ وعليه
_________________
(١) لم أجده. وفي «تاريخ ابن معين» رواية ابن محرز (١/ ٨٦): «لا بأس به».
(٢) «الطبقات الكبرى» (٧/ ٣٤٧)، و«تاريخ بغداد» (٩/ ٢٤٧). وينظر مثالان آخران في «تاريخ بغداد» (٧/ ١٠٦)، (٧/ ١٦٥ - ١٦٦).
(٣) «الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ١٣١)، و«الكفاية» (ص: ١١٩).
(٤) قال الخطيب في «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٥٦): «كان كذَّابًا يضع الحديث».
[ ٤٤٠ ]
طَنْفَسةٌ (^١) وهو مُتَخَلِّلٌ بها (^٢)، فقلت: يا جبريلُ، ما نزلتَ إليَّ في مثل هذا
الزي! قال: إنَّ اللهَ أمر الملائكةَ أن تتخلَّلَ في السماء كتخلُّل أبي بكر في الأرض».
ثم قال الخطيب: «ما أبعد الأُشناني من التوفيق، تراه ما علم أن حنبلًا لم يرو عن وكيع، ولا أدركه أيضًا!» اهـ (^٣).
وذلك أن وكيعًا توفي سنة (١٩٦ هـ) أو سنة (١٩٧ هـ) (^٤)، ووُلد حنبل قبل المائتين (^٥).
- وذكر الخطيب في ترجمة أحمد بن أبي سليمان القواريري من «تاريخ بغداد» أنه قال: «وُلدت في سنة إحدى وخمسين ومائة، وكتبت عن حماد بن سلمة، … وكتبت من محمد بن إسحاق، ولكن لم أكتب عنه المغازي، وأول شيء كتبت عن محمد بن إسحاق كتبت عنه بالكوفة، ثم تبعته إلى المدينة …».
فتعقَّبه الخطيب بقوله: «كذب هذا الشيخ ظاهر، يغني عن تعليل روايته بجواز دخول السهو عليه، وإلحاق الوهم به، وذلك أن محمد بن
_________________
(١) الطنفسة: نوع من الثياب. «تاج العروس» (ط ن ف س).
(٢) أي: جمع بين طرفي ثوبه بخلال من عود أو حديد. «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ٧٣ - خلل).
(٣) «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٥٦).
(٤) «تقريب التهذيب» (ص: ٥٨١ رقم ٧٤١٤).
(٥) «سير أعلام النبلاء» (١٣/ ٥١)، و«تاريخ الإسلام» (٦/ ٥٤٣).
[ ٤٤١ ]
إسحاق كانت وفاته في سنة إحدى أو اثنتين وخمسين ومائة، وقد قيل أيضًا توفي قبل
ذلك (^١)، فكيف يكتب عنه هذا الشيخ ومولده على ما ذكر في سنة إحدى وخمسين؟! وأعجب من هذا ادعاؤه سماعه منه بالكوفة ثم بالمدينة، وإنما قدم ابن إسحاق الكوفة في حياة الأعمش، وذلك قبل مولد هذا الشيخ بسنين كثيرة، وفي بعض ما ذكرنا دلالة كافية على بيان حاله وظهور اختلاطه» (^٢).
٤ - النظر في أصول الراوي وكتبه التي سمع فيها الحديث:
اكتمل تدوين الحديث في الكتب والجوامع والأجزاء المشهورة في العصور المتأخرة من القرن الرابع وما بعده، وقلَّت رواية الأحاديث من صدور الرجال، وأصبح الشائع هو رواية الكتب والأجزاء، فكانت تُعقد المجالس لقراءة كتب الحديث على الشيوخ الذين يروونها، وفي نهاية الكتاب تُكتب أسماء جميع السامعين في صفحة أو صفحتين أو أكثر حسب عددهم، وتسمى بـ «طباق السماع».
وأحيانًا يأتي بعض الكذابين ويحصل على كتاب لم يسمعه، فيُلحق اسمه بين الأسطر في طباق السماع، والناقد البصير هو الذي يكتشف هذا التزوير عن طريق المقارنة بين الخطوط (^٣).
_________________
(١) ينظر: «تقريب التهذيب» (ص: ٤٦٧ رقم ٥٧٢٥).
(٢) «تاريخ بغداد» (٥/ ٢٨٧ - ٢٨٨).
(٣) ينظر: «معرفة علوم الحديث» للحاكم (ص: ١٦).
[ ٤٤٢ ]
وقد كان الخطيب خبيرًا بمثل هذا التزوير، وقد جرَّح كثيرًا من الرواة به،
فمن ذلك:
- قال الخطيب في ترجمة أبي الحسن محمد بن عبيد الله بن حَبَابة: «رأيت في أصل أبي محمد بن ماسي (^١) سماعَ أبي الحسن بن حَبَابة مع أبيه بالخط العتيق، ونظرت في بعض أصول أبيه أبي القاسم بن حَبَابة (^٢) فرأيته قد ألحق لنفسه فيها السماع منه بخط طري، ورأيت أيضًا أصلًا لأبيه عن أبي بكر بن أبي داود، وعلى وجه الكتاب سماع لعبيد الله بن محمد بن حَبَابة، وقد ألحق ابنه بخط طري: ولابنه محمد» (^٣).
- وقال في ترجمة إسماعيل بن سعيد بن سويد المعدَّل من «تاريخ بغداد»: «كان بعض سماعاته صحيحًا في كتب أخيه (^٤)، وبعضها مفسودًا، رأيت إلحاقه لنفسه السماع مع أخيه في جزء عن ابن الأنباري إلحاقًا ظاهرًا بيِّن الفساد، وكذلك رأيته في جزء آخر عن ابن دُرَيد، وحدَّث بالجميع، وحدَّث أيضًا من كتب لأخيه لم يكن له فيها سماع قديم ولا مُلْحَق» (^٥).
_________________
(١) هو عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي، أبو محمد البزاز، كان ثقة ثبتًا، توفي سنة تسع وستين وثلاثمائة. «تاريخ بغداد» (١١/ ٦٠).
(٢) هو عبيد الله بن محمد بن إسحاق بن سليمان بن مخلد البزاز، كان ثقة، توفي سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. «تاريخ بغداد» (١٢/ ١٠٨).
(٣) «تاريخ بغداد» (٣/ ٥٨٦ - ٥٨٧).
(٤) لم أجد له ترجمة.
(٥) «تاريخ بغداد» (٧/ ٣١٠).
[ ٤٤٣ ]
- وقال في ترجمة الحسن بن الحسين بن العباس المعروف بابن دوما النعالي:
«كتبنا عنه وكان كثير السماع، إلا أنه أفسد أمره بأن ألحق لنفسه السماع في أشياء لم تكن سماعه» (^١).
* * *
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٨/ ٢٥٥)، وينظر لمزيد من الأمثلة: «تاريخ بغداد» (٢/ ٦٢٦)، (٣/ ٤٥، ٤٩، ٦٦٦)، (٥/ ٥٣٣)، (٨/ ٣٩٤ - ٣٩٥)، (٩/ ٦٣)، (١٢/ ١٩٠)، (١٣/ ٢٣٤).
[ ٤٤٤ ]