مفهوم الضبط وكيفية تحقُّقه في الراوي
الضبط في اللغة: هو الحفظ بالحزم، يقال: ضبط الشيء ضبطًا: حفظه حفظًا بليغًا، ومنه قيل: ضبطتُ البلاد وغيرها إذا قمتُ بأمرها قيامًا ليس فيه نقص. ويقال: ضبط الرجل الشيء يضبطه ضبطًا، إذا أخذه أخذًا شديدًا (^١).
وفي اصطلاح المحدِّثين: نوعان؛ ضبط صدر، وضبط كتاب.
أما ضبط الصدر: فهو أن يُثبِت ما سمعه بحيث يتمكَّن من استحضاره متى شاء.
وأما ضبط الكتاب: فهو صيانته لديه عن تطرُّق الخَلَل إليه من حين سمع فيه وصحَّحه إلى أن يؤدِّي منه (^٢).
فتحقُّق الضبط في الراوي شرط رئيس في قبول حديثه، فلا يكفي أن يكون عدلًا في دينه، حتى يُضاف إلى ذلك حفظه وعلمه بما يحدِّث، وتثبُّته في الأخذ والرواية.
قال الخطيب: «وإذا سَلِم الراوي مِن وضع الحديث وادِّعاء السماع ممَّن لم يلقه، وجانب الأفعال التي تُسقَط بها العدالة، غير أنه لم يكن له كتاب بما سمعه فحدَّث من حفظه، لم يصحَّ الاحتجاج بحديثه حتى يشهد له أهلُ
_________________
(١) «المصباح المنير»، و«لسان العرب»، و«تاج العروس» ثلاثتها في مادة (ض ب ط).
(٢) «نزهة النظر» (ص: ٥٨)، و«فتح المغيث» (١/ ٢٨).
[ ١٨٥ ]
العلم
بالأثر والعارفون به أنه ممَّن قد طلب الحديث وعاناه وضبطه وحفظه» (^١).
وبيَّن - ﵀ - أنَّ الضبط شرطٌ سواءٌ أكان عند التحمُّل أم عند الأداء، فقال عند ذكره للشروط الواجب توافرها في الراوي حتى تُقبل روايتُه: «يجب أن يكون المتحمِّل وقت تحمُّله عالمًا بما يسمعه، واعيًا ضابطًا له، حتى تصح منه معرفته بعينه عند التذكُّر له، كما عرفه وقت التحمُّل له، فيؤديه كما سمعه بلفظه إن كان ممن يروي الحديث بلفظه، وإن كان ممن يرويه على المعنى فحاجته إلى مراعاة الألفاظ والنظر في معانيها أشد من حاجة الراوي على اللفظ دون المعنى» (^٢).
- هذا إذا حدَّث من حفظه، أما إذا حدَّث من كتابه، فوجب عليه أن يكون صائنًا لكتابه محافظًا عليه من أيِّ تغيير أو تبديل أو تحريف أو زيادة أو نقصان.
قال الخطيب: «ومَن سمع الحديث وكتبه، وأتقن كتابته، ثم حفظ من كتابه، فلا بأس بروايته» (^٣).
وأوضح - ﵀ - أن الذين يُرجع إليهم في معرفة ضبط الراوي مِن عدمه هم النُّقَّاد من أصحاب الحديث، فقال - ﵀ -: «ما يُعرف به صفة المحدِّث العدل الذي يلزم قبول خبره على ضربين؛ فضرب منه يشترك في معرفته الخاصة
_________________
(١) «الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ١٣٥).
(٢) «الكفاية» (ص: ٥٢).
(٣) «الكفاية» (ص: ١٦٤).
[ ١٨٦ ]
والعامة، وهو الصحة في بيعه وشرائه، وأمانته، ورد الودائع، وإقامة الفرائض، وتجنب المآثم، فهذا ونحوه يشترك الناس في علمه.
والضرب الآخر: هو العلم بما يجب كونه عليه من الضبط والتيقُّظ، والمعرفة بأداء الحديث وشرائطه، والتحرُّز من أن يَدخل عليه ما لم يسمعه، ووجوه التحرُّز في الرواية، ونحو ذلك مما لا يعرفه إلَّا أهل العلم بهذا الشأن، فلا يجوز الرجوع فيه إلى قول العامة، بل التعويل فيه على مذاهب النُّقَّاد للرجال، فمَن عدَّلوه وذكروا أنه يُعتمَد على ما يرويه جاز حديثه، ومَن قالوا فيه خلاف ذلك وجب التوقُّف عنه» (^١).
وسيأتي في آخر الرسالة بيان كيفية معرفة الخطيب بضبط الراوي (^٢).
* * *
_________________
(١) «الكفاية» (ص: ٩٢).
(٢) ينظر: (ص: ٤٣١ وما بعدها).
[ ١٨٧ ]