التعريف بالتدليس وأنواعه عند الخطيب
التدليس في اللغة: مشتق من الدَّلَس -بفتحتين- وهو اختلاط الظلام بالنور، وكأنه أظلم أمره على الناظر؛ لتغطية وجه الصواب فيه. ومنه التدليس في البيع: وهو كتمان عيب السلعة عن المشتري. وسُمِّي بذلك لاشتراكهما في الخفاء (^١).
أما في الاصطلاح: فقد قسَّمه الخطيب إلى قسمين:
القسم الأول: تدليس الإسناد:
عرَّفه الخطيب بأنه: رواية المحدِّث عمَّن عاصره ولم يلقه، فيُتَوَهَّم أنه سمع منه، أو روايته عمَّن قد لقيه ما لم يسمعه منه (^٢).
فهذا التعريف يتضمَّن صورتين لتدليس الإسناد:
الصورة الأولى: أن يروي عمَّن عاصره، ولكنه لم يلقه ولم يسمع منه شيئًا، موهِمًا أنه سمع منه.
الصورة الثانية: أن يروي عن شيخٍ لقيه أحاديثَ لم يسمعها منه.
_________________
(١) ينظر: «لسان العرب» (د ل س)، و«مختار الصحاح» (د ل س)، و«نزهة النظر» (ص: ٨٥)، و«النكت على ابن الصلاح» لابن حجر (٢/ ٦١٤)، و«فتح المغيث» (١/ ٢٢٢)، و«شرح شرح النخبة» للقاري (ص: ٤١٧).
(٢) «الكفاية» (ص: ٢٢).
[ ٢١٩ ]
وقد عرَّف جمعٌ من أهل العلم تدليس الإسناد بمثل ما عرَّفه به الخطيب، مثل: ابن الأثير (^١)، وابن الصلاح (^٢)، والذهبي (^٣)، وابن كثير (^٤)، والعراقي (^٥).
وذكر العراقي أن تعريف ابن الصلاح هو المشهور بين أهل الحديث (^٦).
ولكن ابن حجر اعترض على هذا التعريف، وقَصَر التدليس على الصورة الثانية، وهي أن يروي عن شيخٍ لقيه أحاديثَ لم يسمعها منه.
أما الصورة الأولى فليست من التدليس في شيء عنده، وإنما هي من المرسل الخفي.
ونقل عن البزار (^٧) وابن القطان (^٨) أنهما عرَّفا التدليس بما يوافق الصورة الثانية فقط.
ثم ذكر عن شيخه العراقي أنه حكى كلام البزار وابن القطان، وأنه ذهب إلى أن الذي ذكره ابن الصلاح في حد التدليس هو المشهور عن أهل الحديث، وأنه إنما حكى كلامهما لئلَّا يُغتَرَّ به.
ثم قال ابن حجر: «قلت: لا غرور هنا، بل كلامهما هو الصواب على ما يظهر لي في التفرقة بين التدليس والمرسل الخفي، وإن كانا مشتركين في الحكم، هذا ما يقتضيه النظر.
_________________
(١) «جامع الأصول» (١/ ١٦٧).
(٢) «مقدمة ابن الصلاح» في النوع الثاني عشر: معرفة التدليس وحكم المدلس (ص: ٢٣٠).
(٣) «الموقظة» (ص: ٤٧).
(٤) «الباعث الحثيث» (ص: ٥٣).
(٥) «شرح التبصرة والتذكرة» (١/ ٢٣٥).
(٦) «التقييد والإيضاح» (ص: ٩٨).
(٧) في جزء «معرفة من يُترك حديثه أو يُقبل» كما في «التقييد والإيضاح» (ص: ٩٧).
(٨) «بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام» (٥/ ٤٩٣).
[ ٢٢٠ ]
وأما كون المشهور عن أهل الحديث خلاف ما قالاه ففيه نظر؛ فكلام الخطيب في باب التدليس من «الكفاية» يؤيد ما قاله ابن القطان.
قال الخطيب: التدليس متضمِّن الإرسال لا محالة؛ لإمساك المدلِّس عن ذكر الواسطة، وإنما يفارق حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمعه قط وهو الموهن لأمره، فوجب كون التدليس متضمِّنًا للإرسال، والإرسال لا يتضمن التدليس؛ لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمعه منه. ولهذا لم يذم العلماء من أرسل وذموا من دلَّس» (^١).
وليس في كلام الخطيب هذا ما يدل صراحة على أن الإرسال الخفي ليس داخلًا في التدليس.
على أن الخطيب ذكر قبل كلامه هذا مباشرة ما يدل على أن الإرسال الخفي داخل في التدليس، فقد قال: «تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلَّسه عنه بروايته إياه على وجه يوهم أنه سمعه منه ويعدل عن البيان لذلك، ولو بيَّن أنه لم يسمعه من الشيخ الذي دلَّسه عنه وكشف ذلك؛ لصار ببيانه مرسِلًا للحديث غير مدلِّس فيه؛ لأن الإرسال للحديث ليس بإيهام من المرسل كونه سامعًا ممن لم يسمع منه وملاقيًا لمن لم يلقه، إلا أن التدليس الذي ذكرناه متضمن للإرسال لا محالة، من حيث كان المدلِّس ممسكًا عن ذكر مَن بينه وبين من دلَّس عنه …» (^٢).
وكلامه هذا ظاهر في أنه إنما يفرق بين التدليس والإرسال بإيهام السماع في
_________________
(١) «النكت على كتاب ابن الصلاح» (٢/ ٦١٥).
(٢) «الكفاية» (ص: ٣٥٧).
[ ٢٢١ ]
الأول دون الثاني، فإذا روى الراوي عمن عاصره ولم يلقه وأوهم أنه سمع منه فهذا تدليس، أما إذا روى عنه ولم يوهم أنه سمع منه فليس تدليسًا.
فعلى هذا؛ فالإرسال إذا كان موهِمًا داخل في التدليس، والله أعلم.
ثم قال ابن حجر بعد ذلك: «والذي يظهر من تصرُّفات الحُذَّاق منهم -يعني من أهل الحديث- أن التدليس مختصٌّ باللُّقي، فقد أطبقوا على أن رواية المخضرمين (^١) مثل: قيس بن أبي حازم وأبي عثمان النهدي وغيرهما عن النبي - ﷺ - من قبيل المرسل لا من قبيل المدلَّس.
وقد قال الخطيب في باب المرسل من كتابه «الكفاية»: لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلَّس وهو: رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه. ثم مثَّل للأول بسعيد بن المسيب وغيره عن النبي - ﷺ -، وللثاني بسفيان الثوري وغيره عن الزهري.
ثم قال: والحكم في الجميع عندنا واحد (^٢).
فقد بيَّن الخطيب في ذلك أن من روى عمن لم يَثبت لُقِيُّه ولو عاصره أن ذلك مرسل لا مدلس.
والتحقيق فيه التفصيل وهو: أن مَن ذُكر بالتدليس أو الإرسال إذا ذَكر بالصيغة الموهمة عمن لقيه فهو تدليس، أو عمن أدركه ولم يلقه فهو المرسل الخفي، أو عمن لم يدركه فهو مطلق الإرسال» انتهى كلام ابن حجر (^٣).
_________________
(١) المخضرم: هو من أدرك الجاهلية والإسلام. «تاج العروس» (خ ض ر م).
(٢) «الكفاية» (ص: ٣٨٤).
(٣) «النكت على كتاب ابن الصلاح» (٢/ ٦٢٣).
[ ٢٢٢ ]
قلت: لكن قال الخطيب بعد هذا الكلام مباشرة: «وكذلك الحكم فيمن أرسل حديثًا عن شيخ، إلا أنه لم يسمع ذلك الحديث منه، وسمع ما عداه».
فهذا يدل على أن رواية الراوي عن شيخ سمع منه في الجملة حديثًا لم يسمعه منه -وهذا صورة التدليس- من قبيل الإرسال، وهو ناقض لما استدل به ابن حجر.
وهذا كله قد أوردته مناقشة مني لابن حجر، وإلَّا فقد صرَّح الخطيب في تعريفه الذي أوردته في بداية هذا المبحث أن رواية المحدِّث عمن عاصره ولم يلقه، موهمًا أنه سمع منه من قبيل التدليس. ويبدو أن ابن حجر ذهل عن كلام الخطيب هذا؛ لأنه لم يذكره في الفصل الذي خصَّه للكلام عن التدليس وأحكامه، إنما ذكره في أوائل كتابه، والله أعلم (^١).
وقريب منه في التصريح قوله في «الكفاية»: «قال بعض أهل العلم: إذا دلَّس المحدِّث عمن لم يسمع منه ولم يلقه، وكان ذلك الغالب على حديثه لم تُقبل رواياته.
وأما إذا كان تدليسه عمن قد لقيه وسمع منه فيدلِّس عنه رواية ما لم يسمعه منه، فذلك مقبول، بشرط أن يكون الذي يدلِّس عنه ثقة» اهـ (^٢).
فسمَّى رواية المحدِّث عمن لم يسمع منه ولم يلقه تدليسًا، وهذا ظاهر، ولله الحمد.
_________________
(١) ينظر: «المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس» للدكتور حاتم العوني (ص: ٩٥).
(٢) «الكفاية» (ص: ٣٦١)، وقد روى الخطيب بعد ذلك هذا القول عن يعقوب بن شيبة، وقد اعترض ابن رجب في «شرح علل الترمذي» (٢/ ٥٨٥) على يعقوب بقوله: «وقد كان الثوري وغيره يدلسون عمن لم يسمعوا منه أيضًا، فلا يصح ما قال يعقوب» اهـ.
[ ٢٢٣ ]
وقد ضرب الخطيب أمثلة لرواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه فقال في «الكفاية»: «وأما رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه، فمثاله رواية الحجاج بن أرطاة، وسفيان الثوري، وشعبة، عن الزهري» (^١).
فإذا صح كلام ابن حجر من أن الخطيب يفرق بين التدليس والإرسال الخفي، تكون رواية الحجاج بن أرطاة وغيره عن الزهري ليست تدليسًا عند الخطيب، ولكن قال الخطيب في ترجمة حجاج بن أرطاة من «تاريخ بغداد»: «وكان مدلِّسًا، يروي عمن لم يلقه» (^٢).
والخطيب في ذلك موافق لمن سبقه من أهل الحديث؛ فإنهم قد يطلقون على رواية الرجل عمن أدركه ولم يسمع منه أنها تدليس، ومن أمثلة ذلك:
١ - قال مهنّا: قلت لأحمد ويحيى: حدَّثوني عن عبد المجيد بن أبي رواد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لكلِّ أُمةٍ فرعون، وفرعونُ هذه الأُمة معاويةُ بن أبي سفيان» (^٣).
فقالا جميعًا: «ليس بصحيح، وليس يُعرف هذا الحديث من أحاديث عبيد الله، ولم يسمع عبد المجيد بن أبي رواد من عبيد الله شيئًا، ينبغي أن
يكون عبد المجيد دلَّسه؛ سمعه من إنسان، فحدَّث به» (^٤).
_________________
(١) «الكفاية» (ص: ٣٨٤).
(٢) «تاريخ بغداد» (٩/ ١٣٣).
(٣) لم أجد من أخرجه فيما لديَّ من مصادر، وعلقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٢٧٩) عن عبد المجيد به، وذكر كلام أحمد ويحيى ثم قال: «كان الحميدي يتكلم في عبد المجيد، وقال ابن حبان: يقلب الأخبار ويروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك. وقد رُوي نحو حديث ابن عمر من حديث أبي ذر ولا يصح».
(٤) «المنتخب من علل الخلال» (١/ ٢٢٧ رقم ١٣٥).
[ ٢٢٤ ]
فمع تصريح الإمامين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين أن عبد المجيد لم يسمع من عبيد الله شيئًا، إلا أنهما سمَّيا ذلك تدليسًا.
٢ - وقال يحيى بن معين: «دلَّس هشيم عن زاذان أبي منصور، ولم يسمع منه» (^١).
٣ - وقال البخاري: «لا أعرف لسعيد بن أبي عروبة سماعًا من الأعمش، وهو يدلِّس ويروي عنه» (^٢).
٤ - وقال الفسوي: «وقد روى سعيد بن أبي عروبة عن عبيد الله بن عمر، وعن هشام بن عروة، وعن أبي بشر، ولم يسمع منهم، إنما دلَّس عنهم، ولعَمْري إنما روى عنهم مناكير» (^٣).
٥ - وقال ابن حبان: «ومنهم المدلِّس عمن لم يره، كالحجاج بن أرطاة وذويه، كانوا يحدِّثون عمن لم يروه، ويدلِّسون حتى لا يُعلم ذلك منهم» (^٤).
٦ - وقال أيضًا: «كان يحيى بن أبي كثير يدلِّس، فكل ما روى عن أنس فقد دلَّس عنه، ولم يسمع من أنس، ولا من صحابي شيئًا» (^٥).
٧ - وقال الخليلي: «قد روى عن عكرمة جماعةٌ ممن لم يلقوه، وإنما يدلِّسون،
كالحسين بن واقد المروزي وغيره» (^٦).
_________________
(١) «تاريخ ابن معين» رواية الدوري (٤/ ٣٨٠ رقم ٤٨٨١).
(٢) «العلل الكبير» للترمذي (ص: ٣٤٨ رقم ٦٤٦).
(٣) «المعرفة والتاريخ» (٢/ ١٢٣).
(٤) مقدمة «المجروحين» (١/ ٨٠).
(٥) «الثقات» (٧/ ٥٩٢ رقم ١١٦١٨).
(٦) «الإرشاد» (١/ ٣٤٨). وينظر: «المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس» (ص: ٤٣ وما بعدها).
[ ٢٢٥ ]
- وقد أدخل الخطيب تدليس التسوية في تدليس الإسناد، ولكنه لم يصرِّح باسمه، فقال: «وربما لم يُسقط المدلِّس اسم شيخه الذي حدَّثه، لكنه يُسقط ممن بعده في الإسناد رجلًا يكون ضعيفًا في الرواية، أو صغير السن، ويُحسِّن الحديث بذلك، وكان سليمان الأعمش وسفيان الثوري وبقية بن الوليد يفعلون مثل هذا» (^١).
القسم الثاني: تدليس الشيوخ:
عرَّفه الخطيب بأنه رواية المحدِّث عن شيخ سمع منه حديثًا، يُغيِّر فيه اسمه أو كنيته أو نسبه أو حاله المشهور من أمره؛ لئلا يُعرف (^٢).
ثم ذكر السبب في فعل الراوي ذلك الأمر، فقال: «والعلة في فعله ذلك كون شيخه غير ثقة في اعتقاده أو في أمانته، أو يكون متأخر الوفاة، قد شارك الراوي عنه جماعة دونه في السماع منه، أو يكون أصغر من الراوي عنه سنًّا، أو تكون أحاديثه التي عنده عنه كثيرة، فلا يحب تكرار الرواية عنه، فيغيِّر حاله لبعض هذه الأمور» (^٣).
* * *
_________________
(١) «الكفاية» (ص: ٣٦٤). وينظر: «فتح المغيث» (١/ ٢٢٥).
(٢) «الكفاية» (ص: ٢٢، ٣٦٥).
(٣) «الكفاية» (ص: ٣٦٥). وللتدليس أنواع أخرى مذكورة في كتب المصطلح، مثل: تدليس القطع، وتدليس العطف، ويدخل هذان النوعان في تدليس الإسناد، وينظر: «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر (٢/ ٦١٧ وما بعدها)، و«فتح المغيث» (١/ ٢٢٧ وما بعدها).
[ ٢٢٦ ]