التفرد والنقد به عند الخطيب
معنى التفرُّد والغرابة عند الخطيب:
أولًا: التفرُّد والغرابة لغة:
أما التفرُّد: فهو مأخوذ من الفرد، والفرد ما كان وحده؛ يقال: فَرَد يَفْرُد، وأفردتُه جعلتُه واحدًا، ويقال: جاء القوم فُرادًا، وعددتُ الجَوز والدراهم أفرادًا، أي: واحدًا واحدًا، والله هو الفَرْد: قد تفرَّد بالأمر دون خلقه (^١).
وأما الغرابة: فيقال: غَرُب الشخص غرابة: بعُد عن وطنه، فهو غريب، فعيل بمعنى فاعل، وجمعه غرباء، وغرَّبته أنا تغريبًا فتغرَّب، واغترب وغرَّب بنفسه تغريبًا أيضًا، وأغرب: جاء بشيء غريب، وكلام غريب: بعيد من الفهم (^٢).
ثانيًا: التفرد والغرابة اصطلاحًا:
لم أجد تعريفًا للتفرد أو الغرابة عند الخطيب، وقد عرَّفه الذهبي بقوله: «الغريب ضد المشهور. فتارة ترجع غرابته إلى المتن، وتارة إلى السند، والغريب صادق على ما صح، وعلى ما لم يصح.
والتفرد يكون لما انفرد به الراوي إسنادًا أو متنًا، ويكون لما تفرد به عن
_________________
(١) «تهذيب اللغة» (ف ر د).
(٢) «المصباح المنير» (غ ر ب).
[ ٢٥١ ]
شيخ
معين. كما يقال: لم يروه عن سفيان إلا ابن مهدي، ولم يروه عن ابن جريج إلا ابن المبارك» (^١).
فذكر الذهبي - ﵀ - نوعين للتفرد: الأول: الفرد المطلق: وهو تفرد الراوي برواية الحديث إسنادًا ومتنًا، أي: لم يُرو الحديث بإسناده ومتنه إلا من طريقه.
والثاني: الفرد النسبي: وهو التفرد عن شيخ معين، ولو كان أصلُ الحديث معروفًا من وجه آخر (^٢).
والغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحًا؛ إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي. وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرِّقون، فيقولون في المطلق والنسبي: تفرد به فلان، أو: أغرب به فلان (^٣).
وقول الذهبي: «والغريب صادق على ما صح، وعلى ما لم يصح» صحيح، فقد يكون الغريب صحيحًا، وقد يكون حسنًا، وقد يكون ضعيفًا، أو موضوعًا.
ويوضح ذلك الخطيب بقوله: «الغرائب التي كره العلماء الاشتغال بها وقطع الأوقات في طلبها، إنما هي ما حكم أهل المعرفة ببطوله؛ لكون رواته
_________________
(١) «الموقظة» (ص: ٤٣).
(٢) ينظر: «نزهة النظر» (ص: ٥٥)، و«منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث» (٢/ ٧٧٥).
(٣) «نزهة النظر» (ص: ٥٧).
[ ٢٥٢ ]
ممن يضع الحديث أو يدَّعي السماع، فأما ما استُغرب لتفرد راويه به وهو من أهل الصدق والأمانة؛ فذلك يلزم كتبه، ويجب سماعه وحفظه» (^١).
إلا أن الغالب على الأحاديث الغريبة أنها واهية منكرة؛ فقد روى الخطيب عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: «إذا سمعتَ أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب، أو فائدة؛ فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو حديث ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان» (^٢).
* وأكثر الأحاديث التي يصفها الخطيب بالغرابة هي أحاديث ضعيفة أو منكرة قد حدث فيها وهم أو خطأ:
- فمن ذلك أنه روى في ترجمة محمد بن هارون بن سعيد بن بندار من «تاريخ بغداد» عن الحسين بن محمد المؤدِّب قال: حدثني أبو بكر محمد بن هارون البغدادي إملاء من حفظه بسمرقند في سنة تسعين وثلاثمائة قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن علي بن العلاء الجُوزجاني قال: حدثنا أبو الأشعث، عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس الخبر كالمعاينة» (^٣).
ثم قال: «هذا غريب من حديث ثابت عن أنس، ومن حديث حماد بن زيد عن ثابت، لا أعلم رواه إلا محمد بن هارون هذا بإسناده، وأراه غلط فيه وأرجو ألا يكون تعمده» (^٤).
_________________
(١) «الجامع لأخلاق الراوي» (٢/ ١٦٠).
(٢) «الكفاية» (ص: ١٤٢).
(٣) لم أجد هذا الحديث من هذا الطريق في مصدر آخر.
(٤) «تاريخ بغداد» (٤/ ٥٧١).
[ ٢٥٣ ]
ومحمد بن هارون هذا نقل الخطيب في ترجمته له عن أبي سعد الإدريسي أنه قال فيه: «لم تكن معه الأصول، كان يحدِّث من حفظه فيخطئ» (^١).
وهذا الحديث قد ذكر من رواه عنه أنه حدَّثه به إملاء من حفظه، فلذلك أخطأ فيه، وعدَّه الخطيب غريبًا.
- ومن ذلك أيضًا أنه روى في ترجمة داود بن إبراهيم بن داود البغدادي من «تاريخ بغداد» من طريق إسماعيل بن يحيى أنه قال: حدثنا مسعر، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا كان يوم القيامة جيء بكراسي من ذهب مكلَّلة بالدر والياقوت، مفروشة بالسندس والإستبرق، ثم يُضرب عليها قباب من نور، ثم ينادي منادٍ: أين المؤذِّنون؟ أين من كان يشهد في كل يوم وليلة خمس مرات أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ فيقوم المؤذِّنون، وهم أطول الناس أعناقًا، فيقال لهم: اجلسوا على تلك الكراسي تحت تلك القباب، حتى يفرغ الله من حساب الخلائق؛ فإنه لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون» (^٢).
ثم قال الخطيب: «هذا حديث غريب من حديث مسعر، تفرد به إسماعيل بن يحيى التيمي عنه، وكان ضعيفًا سيئ الحال جدًّا» (^٣).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٤/ ٥٧٢).
(٢) رواه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٣٧٣ رقم ٩٤٨) من طريق الخطيب.
(٣) «تاريخ بغداد» (٩/ ٣٥٣). وينظر لمزيد من الأمثلة: «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٦٤)، (٤/ ١٦٤، ٢٨٦، ٦٨٦)، (١٣/ ٢٣٦).
[ ٢٥٤ ]