كيفية معرفة الخطيب بنقد الرواية
مرَّ بنا على طول الرسالة عديدٌ من الأمثلة التي تبين كيفية معرفة الخطيب بنقد الروايات، وأُجمل في هذا المبحث أهم الطرق التي يتبعها لمعرفة نقد الرواية، فمن هذه الطرق:
١ - الاعتبار:
وهو من أهم الطرق التي يستخدمها النقاد -ومنهم الخطيب - ﵀ - - لمعرفة صحة الرواية وضعفها، فما من حديث يراد معرفة صحته أو ضعفه إلا واستُعمل معه هذه الطريقة.
والاعتبار: هو تتبُّع الطرق من الجوامع والمسانيد والأجزاء لذلك الحديث الذي يُظن أنه فرد؛ ليُعلم هل له متابع أم لا؟ (^١).
يقول الخطيب - ﵀ -: «والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يُجمع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط» (^٢).
فالخطيب - ﵀ - في نقده للحديث الذي يُظن أن صاحبه تفرد به يتتبع طرق هذا الحديث من الكتب والأجزاء ومن صدور الرجال، ويقارن بعضها
_________________
(١) ينظر: «نزهة النظر» (ص: ٧٥).
(٢) «الجامع لأخلاق الراوي» (٢/ ٢٩٥).
[ ٤٤٥ ]
ببعض؛ ليظهر ما فيها من اتفاق، أو تفرد، أو اختلاف؛ ليعامل كلًّا بحسبه، فالاتفاق مظنة الصواب، والتفرد والاختلاف مظنتا الخطأ.
أورد الخطيب في ترجمة عمر بن جعفر بن أبي السَّري الورَّاق البصري (^١)، أن القاضي أبا بكر محمد بن عمر الجِعَابي (^٢) ذكر أن عمر بن جعفر الورَّاق قد أخطأ في أحاديث منها أنه قال: حدثنا أبو خليفة (^٣) قال: حدثنا محمد بن كثير، عن شعبة، عن مُشَاش، عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - أمر ضَعَفة بني هاشم أن يرتحلوا من جمع بليل (^٤).
ثم قال الوراق بعقبه: هكذا قال أبو خليفة، ولم يذكر الفضل بن عباس.
فتعقَّبه الجِعَابي قائلًا: وهذا القول منه طريف، فليته سكت عنه، فكان عند العالمين بما أتاه أجمل؛ فقد حدثناه أبو خليفة غير مرة قال: حدثنا محمد بن كثير، عن شعبة، عن مُشَاش، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل، عن النبي - ﷺ - أنه أمر ضَعَفة بني هاشم … وساقه.
فتعقب الخطيبُ الجِعَابيَّ قائلًا: «وقد حدثنا ابن رزقويه (^٥) عن عمر بهذا الحديث على الصواب، فإما أن يكون ما حكاه الجِعَابي انتهى إليه من وجه غير
_________________
(١) كان الناس يكتبون بإفادته، ويسمعون بانتخابه على الشيوخ، وقد طعن فيه بعضهم، وكانت كتبه رديئة، توفي سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. «تاريخ بغداد» (١٣/ ١٠١).
(٢) هو حافظ، من أئمة هذا الشأن، إلا أنه فاسق رقيق الدين. «ميزان الاعتدال» (٣/ ٦٧٠ رقم ٨٠٠٦).
(٣) هو الفضل بن الحباب بن محمد بن شعيب أبو خليفة الجمحي البصري، كان محدثًا ثقة مكثرًا، راوية للأخبار والأدب، فصيحا مفوَّهًا. «تاريخ الإسلام» (٧/ ٩٢).
(٤) لم أجده من هذا الوجه.
(٥) ينظر ترجمته (ص: ٢٢).
[ ٤٤٦ ]
موثوق به، أو يكون عمر أخطأ فرواه على ما ذكر، ثم تنبَّه أو نُبِّه على الصواب، فعاد إليه» (^١).
فلكي يعلم الخطيب هل هذه الرواية التي ذكرها الجِعَابي عن عمر الوراق صواب أو خطأ؟ بحث عن طرق أخرى للحديث، فوجد الحديث قد حدَّث به شيخه ابن رزقويه عن عمر الوراق على الصواب، فتوصَّل عند ذلك إلى أن هناك احتمالين:
الأول: أن تكون الرواية التي أوردها الجِعَابي عن عمر الوراق غير صحيحة النسبة إليه.
الثاني: أن يكون عمر الوراق قد رواها على ما ذكر الجِعَابي، ثم تنبه أو نبهه أحد على الخطأ، فرواه على الصواب بعد ذلك (^٢).
والأحاديث التي درستُها على طول الرسالة، تبين كيفية استعمال الخطيب لهذه الطريقة في نقد الأحاديث، من جمع للطرق ومقارنة بعضها ببعض ثم الترجيح، والله الموفق.
٢ - سلوك الجادة:
هناك بعض الأسانيد التي يكثر دورانها، بسبب كثرة رواية الراوي، وكثرة الرواة عنه وهكذا، فكثرة تداول أحد هذه الأسانيد بصورة واحدة تجعله إسنادًا مشهورًا، ويسمى عندهم: طريقًا، أو جادَّة، أو محجَّة، أو مجرَّة؛ يسهل حفظه كما يسهل سلوك الناس للجادة التي يمشون عليها.
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (١٣/ ١٠٢).
(٢) وينظر مثالان آخران في «تاريخ بغداد» (١/ ٥٤٩ - ٥٥٠)، (١١/ ١١٨).
[ ٤٤٧ ]
وربما جاء حديث آخر يشترك مع هذا الإسناد المشهور (الجادة) في بعض رجاله، ويختلف في بعضهم الآخر، فيرويه بعض الرواة فَيَهِم، فيذكر الإسناد المشهور بتمامه بحكم الاشتراك في بعضه، فينبه العلماء على هذا الوهم، ويوضِّحون سببه (^١).
ذكر الخطيب في حديث يرويه عاصم بن كُليب عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل بن حجر، أن غير واحد جعلوه عن عاصم بن كُليب عن أبيه عن وائل بن حجر، وأنه وهِم، وإنما سلك به الذي وهم فيه المحجَّة السهلة؛ لأن عاصم بن كُليب عن أبيه عن وائل بن حجر، أسهل عليه من عاصم بن كليب عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل بن حجر (^٢).
٣ - مخالفة الرواية للمشهور:
من الطرق التي يُعلم بها صحة الرواية من ضعفها، موافقة الرواية للأمر المشهور أو مخالفتها له، فإذا كانت الرواية موافقة للمشهور المعروف كان هذا من أدلة صحتها، وإذا كانت مخالفة له كان من أدلة ضعفها ووهائها.
وقد سبق مثال يوضح ذلك في فصل نقد المتون (^٣).
٤ - عدم وجود الرواية في كتاب الشيخ:
إن من الطرق التي يُعرف بها وهاء الرواية تحديث الراوي عن شيخ له
_________________
(١) ينظر: «تدريب الراوي» (١/ ٣٠٦)، ومقدمة تحقيق «علل الحديث» لابن أبي حاتم (١/ ١١٨).
(٢) «الفصل للوصل» (١/ ٤٣٩)، وينظر مثال آخر سبقت دراسته (ص: ٣٤٠).
(٣) ينظر: (ص: ٤٠٣).
[ ٤٤٨ ]
كتاب معروف بشيء يخالف ما في هذا الكتاب، أو تحديثه عن شيخ له نسخة معروفة يرويها عن شيخ آخر بحديث ليس في هذه النسخة.
روى الخطيب في ترجمة خيران بن أحمد، من طريق يحيى بن محمد بن صاعد قال: حدثنا الحسين بن سلمة بن أبي كبشة اليَحْمَدي بالبصرة قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن السائب يعني ابن يزيد: أن النبي - ﷺ - أخذ الجزية من مجوس هجر (^١).
ثم قال: «تفرد برواية هذا الحديث هكذا مسندًا ابن أبي كبشة (^٢) عن ابن مهدي عن مالك، والمحفوظ عن مالك عن الزهري مرسلًا، ليس فيه ذكر السائب، وكذلك هو في الموطأ (^٣)» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في «السنن» أبواب السير، باب ما جاء في أخذ الجزية من المجوس (٤/ ١٤٧ رقم ١٥٨٨)، وفي «العلل الكبير» (ص: ٢٦٢ رقم ٤٧٧ - ترتيب)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٧/ ١٤٩ رقم ٦٦٦٠) من طريق ابن أبي كبشة به. تنبيه: ذهب بعض الباحثين إلى أن هذا الحديث ليس في «سنن الترمذي»، وإنما هو زيادة في المطبوع، وعللوا ذلك بأنه ليس موجودًا في مسند السائب بن يزيد من «تحفة الأشراف»، ولا في مسنده من «جامع المسانيد والسنن»، ولا في «تحفة الأحوذي»، وهو مذكور في «مجمع الزوائد»، والله أعلم. وينظر: «المسند الجامع» (٦/ ٢٦).
(٢) وهو صدوق. «تقريب التهذيب» (ص: ١٦٦ رقم ١٣٢٣).
(٣) «موطأ مالك» رواية يحيى الليثي، كتاب الزكاة، باب جزية أهل الكتاب والمجوس (١/ ٢٧٨)، ورواية محمد بن الحسن الشيباني، كتاب الزكاة، باب الجزية (ص: ١١٧ رقم ٣٣٢)، ورواية القعنبي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في جزية أهل الكتاب والمجوس (ص: ٣١٢ رقم ٤٥٥).
(٤) «تاريخ بغداد» (٩/ ٢٩٨).
[ ٤٤٩ ]
ففي هذا الحديث اختلف الرواة على مالك، فبعضهم رواه عنه مسندًا، وبعضهم رواه مرسلًا، وقد رجَّح الخطيب الرواية المرسلة، وعلَّل ذلك بأنه وقع هكذا مرسلًا في موطأ مالك (^١).
٥ - الرواية بالمعنى:
من أسباب الخطأ في الحديث روايته بالمعنى على نحوٍ يغيِّر المعنى المقصود منه، ويقع هذا في المتن، إلا أنه يقع أحيانًا في الإسناد، وقد سبقت دراسة مثال يوضِّح ذلك (^٢).
٦ - التاريخ:
يستدل الخطيب على بطلان الحديث باشتمال سنده أو متنه على ما يخالف التاريخ ووقائعه.
فمثال ما وقع في السند: أنه روى في ترجمة محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن ثابت الأُشناني، ومن طريقه أنه قال: حدثنا سري بن مغلِّس السَّقَطي سنة إحدى وسبعين ومائتين قال: حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: رأيتُ النبي - ﷺ - متكئًا على علي بن أبي طالب، وإذا أبو بكر وعمر قد أقبلا، فقال له: «يا أبا الحسن أحبهما، فبحبهما تدخل الجنة».
ثم قال: «ولو لم يذكر التاريخ كان أخفى لبليَّته، وأستر لفضيحته؛ وذلك
_________________
(١) ينظر مثال آخر في «تاريخ بغداد» (٢/ ٢٧٣)، وينظر أيضًا مثال آخر سبقت دراسته (ص: ١٧٦).
(٢) ينظر (ص: ٣٩٩).
[ ٤٥٠ ]
أن سريًّا مات في سنة ثلاث وخمسين ومائتين، ولا نعلم خلافًا في ذلك (^١)» اهـ (^٢).
يعني: فكيف يزعم أن سريًّا حدَّثه سنة إحدى وسبعين ومائتين؟!
والأُشناني هذا قال فيه الخطيب: «كان كذابًا يضع الحديث».
ونقل عن الدارقطني أنه قال فيه: «كذاب دجال» (^٣).
ومثال ما وقع في المتن: أنه روى في ترجمة الحسن بن عبد الله بن عمر الكَرْميني، من طريق محمد بن تميم الفريابي قال: حدثنا عبد الله بن عيسى الجرجاني قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن مسعر بن كدام، عن عون، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: أقبل رسول الله - ﷺ - من غزوة تبوك، فاستقبله سعد بن معاذ الأنصاري، فصافحه النبي - ﷺ - ثم قال له: «ما هذا الذي أكْنَبَتْ يداك (^٤)؟».
فقال: يا رسول الله، أضرب بالمَر والمِسْحاة (^٥) فأنفقه على عيالي. قال: فقبَّل النبي - ﷺ - يده، فقال: «هذه يد لا تمسها النار أبدًا» (^٦).
_________________
(١) ينظر ترجمة السري من «تاريخ بغداد» (١٠/ ٢٦٦).
(٢) «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٥٨).
(٣) «تاريخ بغداد» (٣/ ٤٥٦، ٤٥٩)، وكلام الدارقطني في «الضعفاء والمتروكين» (٤٩٤).
(٤) أكْنَبَت اليد: إذا ثخنت وغلظ جلدها وتعجَّر من معاناة الأشياء الشاقة. «النهاية في غريب الحديث» (ك ن ب).
(٥) المَر، بالفتح: الحبل، أو المسحاة، أو مقبضها. والمِسحاة، بالكسر: كالمجرفة إلا أنها من حديد. «تاج العروس» (م ر ر، س ح و).
(٦) رواه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/ ٣٢ رقم ١٢٤١) من طريق الخطيب.
[ ٤٥١ ]
ثم قال: «هذا الحديث باطل؛ لأن سعد بن معاذ لم يكن حيًّا في وقت غزوة تبوك، وكان موته بعد غزوة بني قريظة من السهم الذي رُمي به، ومحمد بن تميم الفريابي كذاب يضع الحديث» (^١).
فقد تأمَّل الخطيب متن هذا الحديث، وتبين له مخالفته لوقائع التاريخ المشهورة، ففي هذا الحديث أن سعد بن معاذ استقبل النبي - ﷺ - وهو راجع من غزوة تبوك، وقد مات سعد بن معاذ بعد غزوة بني قريظة وذلك سنة خمس من الهجرة (^٢)، وكانت غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة (^٣)، فلم يكن سعد بن معاذ حيًّا في غزوة تبوك، وأحد رواة هذا الحديث وهو محمد بن تميم الفريابي كذاب يضع الحديث (^٤).
_________________
(١) «تاريخ بغداد» (٨/ ٣١٧).
(٢) ينظر: «الإصابة» (٣/ ٧٠).
(٣) ينظر: «البداية والنهاية» (٧/ ١٤٤).
(٤) له ترجمة في «لسان الميزان» (٧/ ٢١ رقم ٦٥٦٧). وينظر لمزيد من الأمثلة: «تاريخ بغداد» (١/ ٥٤٩ - ٥٥٠)، (٤/ ٦٤٩). وينظر: (ص: ٤٠٢).
[ ٤٥٢ ]